تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تنجح مصر في النهوض بصناعة الغزل والنسيج بعد بيع 14 محلجاً للقطن؟

أعلنت مصر بيع أراضي 14 محلجاً للقطن واستغلال العائد الماديّ في النهوض بصناعة الغزل والنسيج، التي عانت من خسائر فادحة وإهمال امتدّ لعقود.
Cotton is seen in a field in Qaha, Al-Qalyubia Governorate, northeast of Cairo, Egypt September 28, 2018. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany - RC1BE9EC1EF0

القاهرة - أعلن وزير قطاع الأعمال المصريّ هشام توفيق الإثنين في 17 سبتمبر/أيلول من عام 2018 أنّ مصر ستبيع أراضي 14 محلجاً للقطن تصل قيمتها إلى 27 مليار جنيه، ما يعادل 1.51 مليار دولار، بهدف تطوير صناعة الغزل والنسيج التي عانت من خسائر فادحة وصلت قيمتها إلى 2.7 مليار جنيه، ما يعادل 111 مليون دولار، خلال العام الماليّ 2016-2017.
وقال هشام توفيق في تصريحات إن تكلفة تطوير الشركة القابضة للغزل والنسيج ستتمّ من حصيلة بيع أراضي محالج القطن. وحسب تصريحات وزير قطاع الأعمال، فإنّ الحصيلة المتوقّعة من بيع الأراضي ستصل إلى 27 مليار جنيه، أما تكلفة التطوير فتصل إلى 25 مليار جنيه ما يقرب من 140 مليون دولار ولكن هذه التكلفة ليست نهائيّة، وربّما تتغيّر.
وتأمل مصر في النهوض بصناعة الغزل والنسيج من خلال الاستفادة من بيع أراضي 14 محلج قطن، بعد تغيير نشاطها من صناعيّ إلى عقاريّ، إذ تعد مصر موطن صناعة المنسوجات المتميزة بتكاملها في منطقة الشرق الأوسط، حيث يلعب هذا القطاع دورًا هامًا في الاقتصاد المصري بداية من زراعة القطن حتى إنتاج الغزل والنسيج، و يعد قطاع المنسوجات هو ثاني أكبر قطاع من حيث الإنتاج بعد قطاع الإنتاج الزراعي، ويشكل القطاع نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، و30% من الناتج الصناعي و13% من الصادرات غير البترولية وفقًا لآخر إحصاء للبنك المركزي المصري عن قطاع المنسوجات عام 2011. 
وتتمثّل صناعة الغزل والقطن في الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج، وتندرج تحت هذه الشركة 32 شركة موزّعة على محافظات مصر، ومقسّمة إلى شركات متخصّصة في تجارة القطن، وأخرى متعلّقة بصناعة الغزل والنسيج. ولقد عانت هذه الشركات منذ سياسة الانفتاح الاقتصاديّ التي بدأها الرئيس المصريّ الراحل أنور السادات والاتّجاه إلى استيراد الأقطان، بدلاً من الاعتناء بزراعة القطن المصريّ وتوسيع مساحة زراعته، إضافة إلى تقادم ماكينات الغزل والنسيج وعدم اتّباع ثقافة الإحلال والتجديد. 
وتراجعت صناعة الغزل والنسيج في مصر، بعد تدهور زراعة القطن المصريّ لأسباب وعوامل متعدّدة، منها انخفاض أسعار القطن، بما لا يرضي طموح الفلاّح، وهو ما أدّى إلى ضعف إنتاجيّة القطن واتّجاه الشركات والمصانع إلى استيراده من الخارج، وخفض الجمارك على البذور المستوردة، وضعف خطط التسويق الحكوميّة للقطن الطويل التيلة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
لقد تناقصت المساحات المزروعة من القطن مع بداية تسعينات القرن الماضي، وزادت حدة التناقص بعد صدور قانون تحرير سعر القطن عام 1994 وهو ما ألغى دور الدولة في الإشراف على إنتاج القطن وفتح الباب أمام القطاع الخاص للتجارة في القطن، إذ ساهم ذلك في انخفاض جودة القطن المزروع بسبب البحث عن الكسب السريع دون الاهتمام بالجودة، وأخذت المساحات المزروعة من القطن في التقلص حتى وصلت إلى 270 ألف فدان في عام 2017 بعدما كانت مليون فدان في عام 1991.
وتستهدف الدولة زيادة المساحات المزروعة من القطن في عام 2018، وأعلنت وزارة الزراعة مطلع العام، أنها تستهدف زراعة 500 ألف فدان من القطن هذا العام، وحددت سعر 2700 جنيه للقنطار ما يعادل 150 دولار من أصناف الوجه البحري.
كانت أسعار القطن قد أخذت في التذبذب بعد تحرير تجارة الأقطان في عام 1994 حيث كان سعر قنطار القطن الواحد 100 جنيهًا آنذاك، لكن مع تحرير سعر القطن بدأت الأسعار في الارتفاع حتى وصلت إلى 500 جنيه للقنطار الواحد، وواصلت الأسعار ارتفاعها حتى وصلت إلى 1600 جنيه للقنطار الواحد في عام 2010 أي قبل عام واحد من قيام ثورة 25 يناير. وبعد قيام الثورة لم تهتم الحكومات المتعاقبة بزراعة الأقطان، إلى أن بدأت الدولة في وضع سياسة تهدف إلى زراعة المساحات المنزرعة من القطن وتشجيع الفلاح بزيادة المساحات المزروعة من خلال تحديد سعر 2700 للقنطار الواحد.
وكانت مصر تصدر القطن لأكثر من 20 دولة، واحتلت قطر المركز الأول في الدول المستوردة للقطن المصري بنسبة 38% تليها الصين بنسبة 16% وتركيا بنسبة 15%، وحسب بيان محصول القطن المصري لعام 2009، فقد بلغت صادرت القطن المصري نحو 37 مليون دولار بعد تعاقدات على تصدير بلغت أكثر من 12 مليون قنطارًا، مقابل 86 ألف قنطار بقيمة إجمالية بلغت 250 مليون جنيه ما يعادل 139 ألف دولار، وفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن الموسم الزراعي لعام 2017.
ولقد أدّت سيطرة المصالح الخاصّة على صناعة الغزل والنسيج وغياب رؤية الدولة في السنوات الماضية وعدم التكامل بين أجهزة الدولة، إلى تدهور صناعة الغزل والنسيج في مصر، حسبما قالت أستاذة الاقتصاد في جامعة "عين شمس" الدكتورة يمن الحماقي في اتصال هاتفيّ مع "المونيتور". 
أضافت يمن الحماقي: إنّ بيع أراضي 14 محلجاً للقطن هو جزء من استراتيجيّة وزارة قطاع الأعمال للنهوض بصناعة الغزل والنسيج، والتي تعتمد أيضاً على توسيع الأماكن المنزرعة من القطن في الصعيد لتشجيع الفلاّحين على زراعة القطن القصير التيلة لتغطية حاجات المصانع المحليّة في صناعة القطن، إضافة إلى تطوير شركات قطاع الأعمال في الحلج، والتي رأت الحكومة أنّ الطريقة الفضلى لتطويرها هي بيع أراضي المحالج ذات الأسعار المرتفعة، والاستفادة من العائد الماديّ في تطوير المحالج القديمة لرفع تكنولوجيّتها في حلج القطن الذي تتمّ زراعته.
ورأت أنّ استراتيجيّة الدولة للنهوض بصناعة الغزل والنسيج جيّدة، إذا ما تمّت متابعتها بدقّة عالية وبإشراف الجهات المسؤولة، من خلال الرقابة الإداريّة على عمليّات بيع القطن وتفعيل دور شركات قطاع الأعمال لزيادة التنافسيّة في إنتاح المصنوعات، إضافة إلى علاج المشاريع المتعثّرة والصغيرة الخاصّة بالمنسوجات، وقالت: "إنّ بيع أراضي 14 محلجاً للقطن هو الطريقة الفضلى للنهوض بصناعة الغزل والنسيج، ولا توجد طريقة أخرى غير البيع نظراً لعدم وجود موارد كافية للنهوض بتلك الصناعة، خصوصاً أنّ ميزانية الدولة لا تحتمل، وشركات الغزل والنسيج تتعرّض لخسائر كبيرة".
وكانت وزارة قطاع الأعمال قد أعدّت استراتيجيّة خاصّة للنهوض بصناعة الغزل والنسيج في عام 2018، تعتمد على زراعة القطن الصغير التيلة في الصعيد، وتغيير مناهج التعليم الفنيّ في المدارس الفنيّة لتلبية حاجات المصانع، وتبنّي المصانع جزءاً من تكلفة البحث العلميّ، الذي يتمّ داخل الجامعات، وإنشاء كليّات لمنح شهادة جامعيّة تحت مسمّى "تكنولوجيا متقدّمة".
وفي اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور"، اعترض الخبير الاقتصاديّ رشاد عبده على خطّة الحكومة في بيع محالج القطن من أجل النهوض بصناعة الغزل والنسيج، وقال: "إنّ فكرة البيع تذكّرني بالمثل الشعبيّ الدارج يضحّى بالأمّ عشان الجنين يعيش"، متسائلاً: "هل يعقل أن أبيع الأرض لأستخدمها في تطوير المصانع؟".
ورأى رشاد عبده أنّ السبب وراء هذه الخطّة هو التخبّط في إدارة وزارة قطاع الأعمال وعدم وجود الكفاءات، مؤكّداً أنّ هناك بدائل كان على الحكومة أخذها في الحسبان، منها مشاركة القطاع الخاص في صناعة الغزل والنسيج والانتفاع من أصول الدولة غير المستغلّة مثل الأراضي المملوكة لشركات النسيج ، بدلاً من فكرة البيع، وقال: إنّ حصيلة بيع هذه المحالج كبيرة جدّاً 25 مليار جنيه، ما يعادل 1.40 مليار دولار، كما أعلنت الحكومة، فلماذا لا نحافظ عليها ونتّبع بدائل أفضل من البيع؟
واتّفق معه وكيل لجنة الزراعة والريّ في مجلس النوّاب رائف تمراز، الذي اعتبر في اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور"، أنّ الحكومة "زادت الطين بلّة" بقرار بيع أراضي 14 محلج قطن، مؤكّداً أنّ "هذا القرار غير مقبول من الحكومة شكلاً وموضوعاً"، وقال: "إنّ الدولة، لو كانت قادرة على صناعة الغزل والنسيج من الأصل، لما وصلنا إلى هذا الوضع".
وتحدّث عن بدائل النهوض بصناعة الغزل والنسيج فقال: "أنا مع[N2] مشاركة القطاع الخاص وإدخال مستثمرين أجانب والتطوير بأيّ شكل حتّى ولو بالقروض، لكنّ فكرة البيع مرفوضة".
وأكّد أنّ كلّ هذه البدائل تضمن إنتاجاً مستمرّاً من الغزل والنسيج، وبالتالي تلافي فشل شركات القطاع العامّ، وقال: إنّ الحكومة لم تناقش مجلس النوّاب في هذه الخطّة، ولكن مع بداية دور الانعقاد الرابع في تشرين الأوّل/أكتوبر المقبل سيتمّ تقديم طلب مناقشة مع وزير قطاع الأعمال هشام توفيق ووزير الزراعة واستصلاح الأراضي عز الدين أبو ستيت للوقوف على هذه الخطّة.
ورغم اتّجاه الحكومة إلى بيع أراضي 14 محلج قطن، إلاّ أنّ نتائج هذه الخطّة في النهوض بصناعة الغزل والنسيج غير مضمونة العواقب، وتظلّ مشاركة الحكومة للقطاع الخاص في هذه الصناعة مطلباً مهمّاً ينادي به خبراء الاقتصاد، خصوصاً أنّ فكرة بيع مصانع الدولة وأصولها لا تلقى استحباب الرأي العام في مصر.

More from Abdulla Kadry

Recommended Articles