تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مقاتلو تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق يُدفَنون من دون التعرّف إليهم

بعد مرور سنة على تحرير الموصل من أيدي تنظيم الدولة الإسلاميّة، يتمّ أخيراً انتشال جثث مقاتلي التنظيم من حطام معقلهم الأخير في المدينة.
GettyImages-839548940.jpg

يتعرّف الرائد إحسان راسم إلى أعضاء تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) من خلال ملابسهم وأحزمتهم الناسفة، وراسم هو قائد فريق وحدة الدفاع المدنيّ المسؤولة عن انتشال الجثث في منطقة الميدان بالموصل. وبعد مرور سنة على تحرير ثاني أكبر مدينة في العراق، تمّ إرسال راسم ورجاله للقضاء على رائحة الموت الكريهة في هذه المنطقة الأخيرة والمدمّرة بشكل كبير، لكي يتمكّن المدنيّون من العودة وإعادة بناء منازلهم.

وقال راسم بينما كان يأخذ استراحة من مهمّته الشنيعة: "هذه هي الجثث التي لم يأتِ أحد من أفراد العائلة للمطالبة بها". تتكدّس أكياس الجثث البيضاء في انتظار من يجمعها، وتتوزّع بقايا الأحزمة الناسفة والملابس والبطانيات وسط الركام. وقد أزال أعضاء فريق راسم الأغطية عن أنوفهم لكي يتنفّسوا الهواء النقيّ بالقرب من نهر دجلة.

هناك بدأوا مهمّتهم الشهر الماضي، عند النهر، منتشلين الجثث العائمة التي تعود إلى عشرات المقاتلين من داعش الذين قُتلوا هنا رمياً بالرصاص السنة الماضية أثناء محاولتهم عبور النهر للإفلات من المجزرة. وبعد ذلك، بدأوا بإزالة الحطام؛ وفي غضون ثلاثة أسابيع فقط، تمكّنوا من انتشال حوالى 1,300 جثّة ظلّت مطروحة هنا لمدّة سنة تقريباً.

وقال راسم إنّ "معظمهم ليسوا من العرب، بل هم من هولندا وجورجيا والشيشان وبلدان أخرى". وتمّ العثور على عدد من الأوراق الثبوتيّة، بعضها مع الجثث وبعضها الآخر مبعثر في الجوار. يسلّم راسم الجثث إلى المشرحة في الموصل، ولا يلتقط صوراً لا للمكان الذي تمّ فيه العثور عليها ولا لوجوه الضحايا من أجل إمكانيّة التعرّف إليهم. وشرح قائلاً: "نادراً ما يتبقّى شيء".

ونقلت وسائل إعلام عراقيّة عن مصادر حكوميّة قولها إنّه تمّ انتشال حوالى 9 آلاف جثّة تابعة لمدنيّين منذ التحرير. وجرى تنفيذ القسم الأكبر من هذه المهمّة بناء على مطالب أفراد من عائلات الضحايا. وبما أنّ أحداً لم يطالب بجثث مقاتلي داعش، فقد بقيت غالبيّتها تحت الحطام. ولم يتمّ انتشالها إلا بعد أن طلب رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي من الدفاع المدنيّ تنظيف المناطق الأخيرة المتبقّية من الموصل والتي شكّلت معاقل داعش الأخيرة في المدينة.

وأشار مدير راسم وقائد الدفاع المدنيّ في نينوى، العقيد حسام غليل، إلى أنّ بعض المدنيّين الذين تمّ العثور على جثثهم هم على الأرجح من أفراد عائلات داعش، لكنّ أكثريّة الجثث التي تمّ انتشالها مؤخّراً تعود إلى مقاتلين من داعش. وقال إنّ عدداً كبيراً من المقاتلين يتحدّر من روسيا وجورجيا. وأضاف أنّه لم يتمّ العثور، على حدّ علمه، على جثّة أحد من هولندا، ولا يعرف لماذا ذكر راسم ذلك، قائلاً: "يبحث كلّ بلد عن مواطنيه. لكنّ هذه ليست مسؤوليّتنا".

وقد كرّر هذه الجملة مرّات متعدّدة عندما سئل عن جثث مقاتلي داعش. يتمّ إرسالها إلى المشرحة، وما يحصل هناك أو أين يتمّ دفنها ليس من شأنه. وتُسلّم أيّ أوراق ثبوتيّة يتمّ العثور عليها إلى الاستخبارات العسكريّة. لكن هل ينذر السفارات؟ هل يتمّ أخذ عيّنات من الحمض النوويّ وتخزينها؟ "هذا ليس من شأننا"، قال غليل.

يعمل غليل تحت إمرة السلطات العسكريّة في الموصل، لكنّ العقيد فراس بشار، المتحدّث باسم عمليّات نينوى، قال إنّه لا يستطيع أن يؤكّد جنسيّات جثث أعضاء داعش، ولا أن يجزم بوجود تدابير من أجل تحديد هويّتها.

وقال شرطيّ واسع الاطّلاع في الموصل، طالباً عدم الكشف عن اسمه خوفاً من الانتقام منه، إنّ جثث مقاتلي داعش تؤخذ من المشرحة إلى مقبرة جماعيّة خاصّة وتُدفن هناك. وباتت المشرحة مليئة بالجثث التي ما زالت تُتنشل حتّى الآن. وأشار الشرطيّ إلى أنّه تمّ العثور على جوازات سفر المقاتلين الأصليّة بالصدفة لأنّ داعش استبدلها ببطاقات هويّة خاصّة بالخلافة، ما يصعّب مهمّة تحديد هويّة الضحايا.

بالتالي، لن يتمكّن على الأرجح أفراد عائلات مقاتلي داعش الغربيّين الذين كانوا في العراق من معرفة ما إذا كان هؤلاء لا يزالون على قيد الحياة، ولا الأجهزة الأمنيّة الغربيّة التي تحاول منع المقاتلين من العودة إلى ديارهم. ولا تعير غالبيّة العراقيّين أهميّة لهذا الأمر بما أنّ هؤلاء الأجانب أتوا من أجل القتال في بلد ليس بلدهم وتسبّبوا في دماره، وبالتالي فهم يكرهونهم كرهاً شديداً.

مع ذلك، تنصّ الاتّفاقيات الدوليّة على ضرورة سعي البلدان إلى تحديد الهويّات. وقد قامت اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر واللجنة الدوليّة لشؤون المفقودين بتدريب العراقيّين على فعل ذلك. ووقّعت اللجنة الدوليّة لشؤون المفقودين اتّفاقاً مع أربع وزارات عراقيّة في العام 2012 نصّ على أنّ السلطات تقرّ بحقّ العائلات في معرفة مصير أفرادها المفقودين ومكان وجودهم، وأنّ الحكومة مسؤولة مباشرة عن الجهود الهادفة إلى تحديد أماكن المفقودين وهويّاتهم، وأنّه ينبغي إطلاق عمليّة لتحديد الهويّات قائمة على الحمض النوويّ تكمّلها وسائل جنائيّة أخرى.

وقد أكّد للمونيتور مسؤول الاتّصال في برنامج العراق في اللجنة الدوليّة لشؤون المفقودين، هيمان أوراهيم، أنّه تمّ عقد اجتماعات مع مديريّة الطبّ العدليّ في الموصل وأنّ اللجنة الدوليّة لشؤون المفقودين "حضّتها على الحرص على انتشال الجثث وجمعها وتوثيقها بالطريقة الصحيحة من أجل إفساح المجال أمام عمليّة تحديد الهويّات علميّاً في المستقبل"، لكنّه قال إنّ شيئاً من ذلك لا يحصل. وأضاف قائلاً: "ليس واضحاً بعد ما إذا كانت الإرادة السياسيّة اللازمة موجودة للسماح بتنفيذ هذه المهمّة".

ولا تستطيع اللجنة الدوليّة لشؤون المفقودين العمل بمفردها و"هي تعتزم القيام ببحوث إضافيّة من أجل فهم الوضع على الأرض بشكل أفضل".

بدت الخيبة واضحة في جواب أوراهيم الدبلوماسيّ عندما شدّد على أنّ الاستراتيجيّة الفعّالة لتحديد هويّة الأشخاص المفقودين تتطلّب أكثر من مجرّد انتشال بقايا الجثث. وقال: "يجب تحديد مكان المقابر وانتشال الجثث وتحديد الهويّات باستخدام عمليّات تسلسل العهدة المدمجة في النظام القضائيّ المحلي. ويجب توثيق عمليّات تحديد المكان وانتشال الجثث وتحديد الهويّات بأعلى المعايير الممكنة من أجل التمكّن من استخدام الأدلّة التي يتمّ جمعها في المحكمة في حال أحيل المرتكبون إلى القضاء".

وتماماً كاللجنة الدوليّة لشؤون المفقودين، تتواصل اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر مع السلطات العراقيّة بشأن الأشخاص المفقودين، لكنّ قواعد الخصوصيّة التي تعتمدها لا تسمح لها بتشارك معلومات سوى عن الأشخاص الذين تمّ العثور عليهم مع عائلاتهم.

ينبغي إبلاغ الدول عند العثور على رعايا تابعين لها. لكن، على الرغم من مشاركة ألمان في القتال مع داعش، قالت وزارة الخارجيّة الألمانيّة في برلين للمونيتور: "لم يتمّ الاتّصال بنا بشأن أيّ جثث لرعايا ألمان، لكنّنا نتوقّع ونعتقد أنّ السلطات العراقيّة ستفعل ذلك في حال العثور عليها".

وسواء أكان ما ذكره راسم عن العثور على جثّة هولنديّة في الموصل زلّة لسان أم لا، قالت وزارة الخارجيّة الهولنديّة إنّها لم تتبلّغ عن العثور على أيّ جثث لأعضاء هولنديّين من داعش في العراق. وقالت المتحدّثة باسم الوزارة، ويليمين فيلدمان، في لاهاي: "طلبت هولندا من العراق في وقت سابق إبقاءها على اطّلاع بشأن هذه القضايا. من ناحية الممارسة، لن يكون من السهل إطلاق افتراض له أساس من الصحّة في ما يتعلّق بجنسيّات الجثث التي يتمّ العثور عليها حالياً في الموصل".