تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مصر والأزمة الاقتصاديّة التركيّة: أساليب الحماية وفرص الانتقام

بالتزامن مع الأزمة الاقتصاديّة التركيّة، ومع تجميد الأردن اتّفاقيّة التجارة الحرّة مع تركيا، دعا العديد من أعضاء مجلس النوّاب المصريّين والعديد من المصنّعين إلى فرض رسوم إغراق على المنتجات التركيّة، وتطبيق معايير جودة قاسية عليها، معتبرين ذلك حماية للسوق المصريّة، بينما اعتبر التجّار وبعض الخبراء تلك الإجراءات محاولة للانتقام السياسيّ من تركيا، على الرغم ممّا لها من أضرار على السوق المصريّ.
Protesters hold a poster with Turkish President Recep Tayyip Erdogan and Egypt's former president Mohamed Morsi during a demonstration against the US and Israel at Fatih Mosque in Istanbul on December 6, 2017.  
Hundreds of people staged protests in Istanbul angrily denouncing the US president's move to recognise Jerusalem as the capital of Israel. / AFP PHOTO / YASIN AKGUL        (Photo credit should read YASIN AKGUL/AFP/Getty Images)

القاهرة: في ظلّ أزمة اقتصاديّة أصابت بوادرها تركيا مع بداية عام 2018 لتصل إلى ذروتها في شهر أيّار/مايو 2018، بهبوط سعر الليرة التركيّة بنسبة 20% مقابل الدولار الأميركيّ لتصل إلى 4.25 ليرة، كثّفت وسائل الإعلام المصريّة والعربيّة والإقليميّة تناولها تأثير الأزمة الاقتصاديّة التركيّة على اتّفاقيّات التجارة الحرّة بين تركيا وبعض الدول العربيّة ولا سيما مصر.

وكانت قد تصاعدت حدة التوتر بين مصر وتركيا بعد أن أطاحت القوات المسلحة المصرية في 30 يونيو 2013 بالرئيس المصري محمد مرسي التابع لجماعة الإخوان المسلمين. رأى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الانقلاب على مرسي بمثابة انقلاب عسكري واستضافت تركيا العديد من قادة الإخوان المسلمين المطلوبين من قبل السلطات القضائية المصرية بسبب اتهامهم بالتخطيط لأعمال إرهابية ضد مصر وتمويلها.

حيث نشر موقع "عربي 21" في 4 حزيران/يونيو تقريراً تحت عنوان "إلغاء اتّفاقيّات تركيّة عربيّة: أزمة ماليّة أم دافع سياسيّ"؟! وتناول التقرير مستقبل اتّفاقيّات التجارة الحرّة بين تركيا من جهة وكلّ من السعوديّة وتونس والسودان وقطر ومصر من جهة أخرى، بعد تجميد الأردن في 28 أيّار/مايو، اتّفاقيّة التجارة الحرّة بينها وبين تركيا، كما تناول التقرير تأثير تجميد اتّفاقيّة الأردن على تركيا، والتأثير المحتمل لتجميد اتّفاقيّات أخرى مشابهة على الاقتصاد التركيّ.

وحذّر الكاتب الصحافيّ في جريدة "اليوم السابع" دندراوي الهواري، في مقاله في 26 أيّار/مايو، من خطّة قياديّي جماعة الإخوان المسلمين الهاربين من مصر إلى تركيا لحماية الاقتصاد التركيّ، دعماً للرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة المزعم عقدها في 24 حزيران/ يونيو الحالي.

وتتضمن هذا الخطة بحسب الهواري إغراق السوق المصريّة بالمنتجات التركيّة بواسطة شركات الاستيراد التي يملكونها في مصر، حيث أنّ إغراق الأسواق المصريّة بالمنتجات التركيّة سيحقّق للاقتصاد التركيّ عائداً دولاريّاً ضخماً وفائضاً في العملة الصعبة، ممّا يؤدّي إلى تراجع سعر الدولار في مقابل الليرة. ورأى الهواري أنّ كثافة استيراد مصر المنتجات التركيّة ستضرّ بالاقتصاد المصريّ بإهدار العملة الصعبة.

ويذكر أنّ عدداً كبيراً من قياديّي الإخوان المسلمين في مصر، ومن بينهم العديد من رجال الأعمال وأصحاب شركات الاستيراد الذين هربوا إلى تركيا، بعد إسقاط نظام محمّد مرسي.

وتزعّمت عضو لجنة القوى العاملة في مجلس النوّاب مايسة عطوة، عدداً من أعضاء مجلس النوّاب في 29 أيّار/مايو، في التقدّم إلى رئيس مجلس النوّاب بطلب إحاطة ضدّ وزارة المالية في شأن الإجراءات التي ستتّخذها لمنع إغراق السوق المصريّة بالمنتجات التركيّة.

وقالت عطوة في تصريحات إلى "المونيتور": "تراجع سعر الليرة مقابل الدولار يأتي بسبب تراجع سيولة الدولار في السوق التركيّة، وقد قال قياديّو جماعة الإخوان المسلمين وأعضاؤها في العديد من التدوينات على مواقع التواصل الإجتماعي عن الأزمة التركيّة أنّهم سيجاهدون بالمال عن طريق إغراق الأسواق العربيّة بالمنتجات التركيّة، لتحصل تركيا على سيولة الدولار من الدول العربيّة، وعلى رأسها مصر، نظير تلك المنتجات، ممّا يؤثّر على اقتصاد مصر سلباً".

وتابعت عطوة: "تركيا يمكن أن تستغلّ استثمارات الإخوان المسلمين والأتراك أنفسهم والسوريّين المحبّين لأردوغان في مصر لإغراق السوق المصريّة بالبضائع التركيّة، للحصول على العملة الصعبة (الدولار)، إذ يتم استيراد المنتجات التركية من تركيا بالدولار الأمريكي ويتم بيعها في مصر بالجنيه المصري ، مما يثير المخاوف من هدر العملة الصعبة."

وأضافت: "لذلك لا بدّ للحكومة أن تتّخذ خطوات للحماية من هذا المخطّط، مثل فرض رسوم إغراق ضخمة على استيراد المنتجات التركيّة، وتشديد رقابة الدولة على الأسواق، لأنّ أنصار تركيا ربّما يستوردون بضائع تركيّة ليس للسوق المصريّة حاجة لها، مقابل أن تخرج العملة الصعبة من مصر وغيرها من البلاد العربيّة إلى تركيا".

ويذكر أنّ غرفة الصناعات الهندسيّة في اتّحاد الصناعات المصريّ دعت في 27 أيّار/مايو، إلى تطبيق معايير جودة دقيقة على المنتجات التركيّة التي تدخل الأسواق المصريّة، وقال نائب رئيس الغرفة محمّد بودي لـ"المونيتور": "مع ارتفاع سعر النقد الأجنبيّ كما هو الحال في تركيا، سيرتفع معدّل التضخّم وترتفع أسعار المواد الخام لأغلب الصناعات، وبالتالي ستجد تركيا نفسها مضطرّة إلى الخفض من جودة المنتج للحفاظ على السعر، لذلك ربّما تؤدّي الأسعار المتدنّية للمنتجات التركيّة إلى ضرب الصناعة المصريّة، حتّى لو كانت الصناعات المصريّة المنافسة أكثر جودة".

من جهته علّق رئيس مجلس إدارة المركز المصريّ للدراسات الاقتصاديّة ECES عمر مهنّا على مطالب فرض رسوم الإغراق أو تطبيق معايير الجودة على الواردات التركيّة، قائلاً لـ"المونيتور": "يعتبر ذلك مخالفاً للفقرة الثانية (ب) من المادة الأولى من اتّفاقيّة التجارة الحرّة بين مصر وتركيا، والتي تنص على إزالة المعوقات أو القيود على حركة البضائع بين الدولتين، بما فيها المنتجات الزراعية".

وأضاف: "لابد أن تكون رسوم الإغراق لفترات محدودة. وتركيا لم تفرض رسوم إغراق على دخول المنتجات المصريّة عندما تراجعت قيمة الجنيه المصريّ أمام الدولار بنسبة أكثر من 100% في عامي 2015 و2016، وبالنسبة لمعايير الجودة، من حقّ مصر تطبيق معايير جودة ولكن لا بدّ أن يطبّق ذلك على واردات الدول كافّة من دون تفرقة أو تمييز".

ووفقاً لمهنّا، تعتبر منتجات حديد التسليح والأجهزة الكهربائيّة أبرز الواردات التركيّة إلى مصر، وفي ذلك السياق أفاد رئيس شعبة الأدوات الكهربائيّة في الاتّحاد العامّ للغرف التجاريّة المصريّة بهجت حسن، لـ"المونيتور" أنّ أسعار المنتجات التركيّة كانت تنافسيّة مع الحفاظ على الجودة من قبل الأزمة الاقتصاديّة، مشيرين إلى أنّ فرض رسوم إغراق على المنتجات التركيّة سيدفع المصنّعين المصريّين إلى احتكار السوق وفرض أيّ أسعار، مهما كانت مرتفعة، ممّا يضر بالمستهلك، كما حدث عندما فرضت الحكومة المصرية رسوم إغراق على واردات الحديد والصلب من تركيا في كانون الأوّل/ديسمبر 2017.

وعلى الرغم من الجدل الدائر حول الإجراءات السابقة، استبعد الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة يسري العزباوي، في تصريحاته إلى "المونيتور" أن تستغلّ مصر الأزمة الاقتصاديّة التركيّة للانتقام السياسيّ من نظام أردوغان بسبب الخلافات بين نظامه ونظام الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي، مشيراً إلى أنّ الدولة المصريّة اتّبعت مبدأ الفصل بين المصالح الاقتصاديّة والخلافات السياسيّة في العلاقة بين الدولتين بدليل لقاءات وزير التجارة والصناعة المصريّ طارق قابيل مع المستثمرين الأتراك ودعوتهم من قبل الوزارة إلى زيادة استثماراتهم في مصر أكثر من مرّة.

More from David Awad

Recommended Articles