تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

للسوريّين المحاصَرين أسباب للبقاء وأخرى للرحيل

على ضوء موجات النزوح الواسعة الأخيرة وإقرار قانون جديد للتملّك في سوريا، تتضاءل احتمالات عودة عدد كبير من اللاجئين والنازحين داخلياً إلى قراهم وبلداتهم.
RTS1Q95U.jpg

غازي عنتاب، تركيا – مع انطلاق الحافلات لنقل مقاتلي المعارضة السورية وعائلاتهم من جيب محاصَر في شمال حمص وجنوب حماه إلى شمال سوريا في السابع من أيار/مايو، تُضاف هذه الأعداد إلى الأشخاص الذين نزحوا سابقاً إلى تلك المنطقة، والذين يتكبّدون أصلاً صعوبات شديدة من أجل شق طريقهم نحو الأمام بالطريقة الأكثر براغماتية.

لقد أدّت عمليّات "الإجلاء" المتعدّدة في المناطق المحاصَرة إلى تضاعف عدد سكان إدلب في شمال غرب سوريا في الأعوام القليلة الماضية، ليصبح أكثر من مليونَي نسمة.

أفادت التقارير بأنّ ما لا يقل عن 66,000 شخص نُقِلوا منذ شهر آذار/مارس الماضي من الغوطة الشرقية إلى محافظة إدلب شمال غرب البلاد، حيث يشكّل "غياب المساكن، والقتال المتواصل، وانعدام الأمن، تحدّيات مستمرّة يواجهها النازحون إلى تلك المنطقة".

غالباً ما تطلب العائلات من بعض الأنسباء البقاء لحراسة المنازل عندما تصل قوات النظام برفقة العناصر المتحالفين معها، وذلك أملاً بالعودة ذات يوم.

ابراهيم، الذي طلب ذكر اسمه الأول فقط، هو أحد الناجين من الأزمة الإنسانية التي عانتها بلدة مضايا نتيجة الحصار الذي استمرّ نحو عامَين، وقد غادر في إحدى حافلات الإجلاء إلى إدلب في نيسان/أبريل 2017.

ومن أصل نحو 40,000 شخص محاصَر في البلدة، سجّل 2,200 شخص فقط، وفق ما أُفيد، أسماءهم للمغادرة: ومعظمهم من النشطاء، والمقاتلين والأشخاص الذين قدّموا رعاية طبية للمصابين أو كانوا مطلوبين من النظام لأسباب أخرى.

قُتِل أحد أشقاء ابراهيم بصاروخ، وسقطت والدته ضحية رصاص قنّاصٍ تابع للحكومة على مقربة من منزلهم أثناء الحصار. ومع ذلك، بقي اثنان من أشقائه الأكبر سناً في مضايا عند مغادرته البلدة.

قال ابراهيم لموقع المونيتور إنّ الخطوة براغماتية – إنها شكل من أشكال "التحوّط ضدّ خسارة الأملاك" التي أصبحت أمراً شائعاً في سوريا منذ بداية الحرب. وقد حصل الأمر عينه عند سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على أراضٍ في مناطق أخرى، مع بقاء الكثير من أفراد العائلات في منازلهم، واقتصر المغادرون فقط على الأشخاص الأكثر عرضةً للخطر.

أقرّت الحكومة السورية قانوناً في شهر نيسان/أبريل ينصّ على منح مهلة لأصحاب الأملاك حتى 11 أيار/مايو لتقديم إثباتات عن ملكيّتهم. وفي حال لم يُقدّموا المستندات اللازمة، تتم مصادرة أملاكهم.

لقد اعتبر البعض أنّ القانون ضروري للبلاد من أجل انطلاق عمليّة إعادة الإعمار، إنما لا يمكن إنكار أنّ عدداً هائلاً من العائلات لم يعد يمتلك المستندات الرسمية التي تثبت الملكية، أو أنه عاجز عن التنقّل من أجل الحصول عليها في هذه المهلة الزمنية القصيرة، هذا إذا افترضنا أنه اطّلع على القانون أصلاً.

أما شقيقا ابراهيم الناجيان اللذان مكثا في منزل العائلة فقد أرغمهما الجيش، بعد توقيفهما عند حواجز التفتيش، على أداء الخدمة العسكرية على جبهات ناشطة، أحدهما قرب دمشق والثاني قرب حمص.

يقول ابراهيم إنّ شقيقه المتواجد على الجبهة قرب حمص يعمل في مجال تنظيم توزيع الحصص الغذائية في خلال الحصار، وهو من المساهِمين في صمود الكثيرين وبقائهم على قيد الحياة.

وأضاف: "عندما وصلت المساعدات الإنسانيّة في نهاية المطاف، أكلنا وأخيراً وجبة حقيقية بعد طول انتظار. ما زلت أتذكّر مذاق الأرز والفاصوليا مع صلصة الطماطم"، مستعيداً الذكريات في مكان إقامته الحالي في جنوب تركيا حيث يبحث الآن عن وظيفة ويتعلّم اللغة التركية.

وأردف ابراهيم: "لكن بعد فترة، أصبح الأرز مملاً. حصلنا على كميات كبيرة منه، إنما على القليل من الأطعمة الأخرى. فصنعنا منه المايونيز، والمادّة اللاصقة ليلعب بها الأولاد. ثم صنعنا الزعتر من البذور وتظاهرنا بأنه الزعتر الحقيقي"، مشيراً إلى أن الجانب الصعب كان رتابة الحياة في ظل الحصار بعد تلبية الاحتياجات الأساسية.

أصيب ابراهيم برصاصة في بطنه أطلقها قنّاص متحالف مع الحكومة، في اليوم الذي فُرِض فيه الحصار في منتصف العام 2015، وتم تهريبه عن طريق نفق إلى الزبداني المجاورة لإجراء أول عملية جراحية من أصل عمليّتَين كان بحاجة إليهما للبقاء على قيد الحياة؛ فلم يكن يوجد أيّ أطباء مؤهَّلين في مضايا.

إنّ رئيس الوحدة الطبيّة في البلدة المحاصَرة، محمد يوسف، متخصّص في العلوم البيطريّة، ويتواجد الآن في إدلب حيث يتولّى تنسيق أنشطة النازحين داخلياً من ضواحي دمشق.

قال يوسف لموقع المونيتور، في محادثة عبر "واتساب" من إدلب، إنه في خلال العام المنصرم، "دفع بعض الأشخاص مبلغاً يصل إلى 5,000 دولار أميركي للعودة إلى مضايا"، بعدما وجدوا أنّ ظروف العيش في إدلب لا تطاق، في غياب أي طريقة عمليّة لعبور الحدود أو بناء مستقبل.

لكنه لفت إلى أنّ كثراً منهم "أوقِفوا لدى عودتهم. وقد نُقِل بعضهم إلى جبهة دير الزور، وآخرون إلى جبهة حمص، واضطُرّ البعض إلى دفع 10,000 دولار للخروج من السجن، في حين لا يزال آخرون قابعين في السجن، وبينهم نساء وأطفال".

يُقرّ ابراهيم بأنه كان محظوظاً جداً. فقد درس علوم الحاسوب قبل الانتفاضة، وزاول لبعض الوقت التدريس في مدرسة خاصّة معروفة في دمشق. وفي خلال الحصار، ولاحقاً في إدلب، غالباً ما كان يجني المال من خلال العمل في تصليح الهواتف الجوّالة.

تجنّب ابراهيم التواصل مع أصدقائه الذين التحقوا بتنظيم "أحرار الشام"، وهو التنظيم الأكبر من المقاتلين المسلّحين في مضايا المحاصرة والزبداني المجاورة. ويقول في هذا الصدد: "لم نكن يوماً عائلة من المقاتلين. ولم أرد أن أتورّط". وقد نجح في نهاية المطاف في دخول تركيا.

على ضوء موجات النزوح الواسعة الأخيرة وقانون التملّك، تتضاءل على ما يبدو احتمالات عودة عدد كبير من اللاجئين والنازحين داخلياً إلى منازلهم.

سيتقرّر إلى حد كبير في إدلب حجم الأراضي التي ستصبح تحت الحماية التركية بحكم الأمر الواقع في شمال البلاد، وحجم الأراضي التي ستخضع لسيطرة النظام وحلفائه.

شدّد مستشار الأمم المتّحدة للشؤون الإنسانيّة، جان إيغلاند، في الثالث من أيار/مايو، قائلاً: "لا يجوز أن تندلع حرب في إدلب. أردّد ذلك باستمرار على مسامع روسيا، وإيران، وتركيا، والولايات المتّحدة وكلّ أصحاب النفوذ"، لافتاً إلى أنّ ملايين المدنيّين هم في دائرة الخطر.

يمكن أن تؤدّي الأعداد الهائلة من النازحين داخلياً، والهجمات الجويّة المتواصلة التي يشنّها النظام على المنشآت الطبّية والمدنيّين، ووجود المجموعات المسلّحة التي تخوض منافسة في ما بينها، وإغلاق الحدود المستمرّ منذ سنوات، إلى وقوع كارثة في المكان الذي تحوّل إلى ما يشبه المكبّ حيث يوضَع الناجون غير القادرين أو غير الراغبين في المكوث في المناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها.

غالب الظن أن عدداً كبيراً من العائلات النازحة، التي تشعر بالتشوّش واليأس بعد سنوات من الحصار وبعد نفاد مدّخراتها، لن "يحالفها الحظ" مثل ابراهيم.

More from Shelly Kittleson