تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

جهود دبلوماسيّة لإرسال قوّات حماية دوليّة إلى قطاع غزّة

خرجت في الآونة الأخيرة سلسلة دعوات عربيّة وإسلاميّة لإرسال قوّات دوليّة إلى الأراضي الفلسطينيّة، عقب وقوع عدد كبير من الضحايا الفلسطينيّين في قطاع غزّة بنيران الجيش الإسرائيليّ، ممّا يطرح مجموعة تساؤلات حول مدى إمكانيّة تنفيذ ذلك.
RTX5IUOQ.jpg

شهدت الحدود الفلسطينيّة-الإسرائيليّة في قطاع غزّة وقوع مجزرة إسرائيليّة دامية ضدّ المتظاهرين الفلسطينيّين في 14 أيّار/مايو، خلال إحياء الفلسطينيّين ذكرى النكبة، واحتجاجاً على نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس في اليوم ذاته، وقد أسفرت عن سقوط قرابة 60 شهيداً فلسطينيّاً، ممّا استدعى صدور دعوات فلسطينيّة وعربيّة وإسلاميّة لتوفير حماية دوليّة للفلسطينيّين.

صدرت دعوات توفير الحماية الدولية للفلسطينيين للمرة الأولى عقب مقتل 38 فلسطينيا بنيران الجيش الإسرائيلي منذ أواخر مارس، خلال مسيرات العودة التي بدأت يوم 30 مارس على حدود غزة وإسرائيل. فبحسب سكاي نيوز في 21 نيسان \ أبريل، طلب الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس من المراقب الدائم لفلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور المطالبة بتوفير حماية للشعب الفلسطينيّ في الأمم المتحدة.

وفي 16 أيّار/مايو، طالب الممثل الدائم للكويت لدى الأمم المتّحدة منصور العتيبي مجلس الأمن، بإصدار قرار "لتوفير حماية دولية للمدنيين".

وقال اجتماع طارئ للقمّة الإسلاميّة لمنظّمة التعاون الإسلاميّ في اسطنبول في 18 أيّار/مايو، "ندعو الى توفير الحماية الدولية للسكان الفلسطينيين من خلال إجراءات منها إيفاد قوة دولية للحماية".

وأعلن وزير الخارجيّة التركيّ مولود جاويش أوغلو في 22 أيّار/مايو أنّه "لأول مرة يتخذ العالم الإسلامي قرارا، حيث سنرسل قوة دولية لحماية أشقائنا الفلسطينيين والقدس، وعقب ذلك لن تتمكن إسرائيل من مهاجمتهم متى شاءت". "بالطبع سنفعل ذلك مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي (...)".

ودعا المراقب الدائم لفلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور في 15 أيّار/مايو لتوفير الحماية الدوليّة للشعب الفلسطينيّ، لأنّها أصبحت أمرا ملحّاً.

وأبلغ مسؤول فلسطينيّ مقرّب من الرئيس عبّاس، لم يرغب بالإفصاح عن هويّته، "المونيتور" أنّ "الجهود الفلسطينيّة منصبّة في هذه الآونة على تحشيد الدعم والتأييد لفكرة إرسال قوّات حماية دوليّة إلى الأراضي الفلسطينيّة عموماً، وقطاع غزّة خصوصاً، لا سيّما من خلال أعضاء مجلس الأمن الدوليّ، فضلاً عن القيام باتّصالات مع بعض دوائر صنع القرار في العالم، مثل موسكو وبكين وباريس، لمحاولة التأثير على باقي الدول للموافقة على الفكرة، والبحث معها في التفاصيل اللازمة حول هذه القوّات، جنسيّاتها، تمويلها، صلاحيّاتها، والعلاقة معها، على الرغم من علمنا بحجم المعارضة الإسرائيليّة لهذا المطلب".

وفيما قال نائب المندوب البريطاني الدائم لدي الأمم المتحدة السفير جوناثان آلين يوم 22 مايو إن إرسال قوات حماية دولية للفلسطينيين يتضمن مسائل ونقاط يتعين توضيحها، ومنها: "كيف ستعمل هذه القوات، وميزانيتها، النتائج المترتبة على تشكيلها".

فقد حذّر الممثل الإسرائيليّ الدائم في الأمم المتّحدة داني دانون في 26 أيّار/مايو، مجلس الأمن من خطورة التصويت على قرار بنشر قوّات للحماية الدوليّة في قطاع غزّة، لأنّه يعزّز نظام حماس الذي يهدّد أمن الإسرائيليّين.

أكّد نائب رئيس كتلة حماس البرلمانيّة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ يحيى موسى لـ"المونيتور" أنّ "حماس لديها موقف متّفق عليه في أطرها الداخليّة حول موضوع القوّات الدوليّة، لا نفضّل إعلانه الآن قبل صدور قرار دوليّ يسمح بإرسالها، كما أنّ حماس في حال صدور القرار ستقوم بإجراء المشاورات اللازمة مع باقي الفصائل لتحديد آليّة متّفق عليها للتعامل مع هذه القوّات الدوليّة، مع أنّنا نرى صعوبة في تمرير الطلب الفلسطينيّ بإرسال القوّات الدوليّة إلى قطاع غزّة، لأنّ الأمم المتّحدة ومجلس الأمن تسيطر عليهما دول كبرى، خصوصاً الولايات المتّحدة الأميركيّة، التي ستقف ضدّ خطوة من هذا النوع عبر إصدار قرار الفيتو، تماشياً مع رغبة إسرائيل".

يعتبر موقف حماس هذا مختلفاً عن مواقف سابقة للحركة من موضع القوّات الدوليّة ومتقدّماً عليها، حيث أعلنت الحركة في عام 2014 أنّها ضدّ قوّة مراقبة عسكريّة أجنبيّة، كجزء من أيّ اتّفاق سلام مستقبليّ بين إسرائيل والفلسطينيّين، وأنّها ستتعامل مع هذه القوّات الدوليّة كما الجيش الإسرائيليّ.

هذا التغيّر في موقف حماس قد يرتبط بتطوّر نضجها السياسيّ من جهة، وربّما من جهة أخرى تعزيز التواجد الدوليّ في غزّة لتقليص السيطرة الإسرائيليّة قدر الإمكان عليها، ومحاولة تحصيل نوع من الاستقلال السياسيّ لغزّة عبر التواجد الدوليّ فيها.

ترتفع وتيرة الدعوات الفلسطينيّة لتقديم حماية دوليّة للشعب الفلسطينيّ، استناداً إلى تجارب دوليّة أثبتت نجاحها، على الرغم من التعقيدات التي رافقتها، كما حصل في تيمور الشرقيّة وكوسوفو والبوسنة، كما لا يعدّ حديث الفلسطينيّين عن الحاجة إلى حماية دوليّة أمراً جديداً، فقد طالب الرئيس محمود عباس في تموز 2014 إبان حرب غزة الأخيرة من الأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كي مون، وضع الأراضي الفلسطينية تحت الحماية الدولية، وهم ينظرون إليها باعتبارها قوّات شرطة دوليّة تمنع التجاوزات العسكريّة الإسرائيليّة وتراقبها، وتحمي الفلسطينيّين وأراضيهم.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر في غزّة مخيمر أبو سعدة لـ"المونيتور" إنّ "إرسال قوّات دوليّة يجب أن يشمل الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وليس غزّة فحسب، لأنها إذا اقتصرت على قطاع غزة فإنه يعني الفصل بين المنطقتين، وهنا قد نصطدم برفض إسرائيليّ لوجود هذه القوّات الدوليّة في الضفّة الغربيّة، لأنّها ستقيّد حركتها العسكريّة بين المدن الفلسطينيّة".

تحيط بفكرة إرسال قوّات دوليّة مخاوف فلسطينيّة أهمّها أنّ إحضارها إلى غزّة فقط قد يرسّخ الفصل بين الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، الذي بدأ منذ عام 2007، كما أنّ إحضارها قد يعمل على حرف بوصلة المقاومة الفلسطينيّة، فبدلاً من أن تكون معركتها مع الاحتلال الإسرائيليّ، تصبح المواجهة مع القوّات الدوليّة، التي قد يكون من مهامها منع تنفيذ أيّ هجمات فلسطينيّة ضدّ إسرائيل.

يتعيّن تحديد رؤية واضحة لحيثيّات طلب الفلسطينيين حماية من قوّات دوليّة للفلسطينيّين تشمل كلّ النقاط المرتبطة بها، عددها، ميزانيّتها، الدول المشاركة فيها، وطبيعة المهام والصلاحيّات الموكلة إليها، وإلّا سيبقى حديثاً ناقصاً، لأنّه يفتقد إلى خطّة عملياتيّة محدّدة ومفصّلة، من أجل توفير الظروف لاستخراج قرار من مجلس الأمن لدعمها، ويحقّق الغاية المرجوّة منه وهي حماية الفلسطينيّين.

ولذلك فإن المرحلة القادمة قد تشهد المزيد من النقاشات الدبلوماسية لتوضيح النقاط المتعلقة بالقوات الدولية، لاسيما في الأمم المتحدة، وربما يرتبط ذلك بزيادة التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، الذي قد يزيد من مشروعية الطلب الفلسطيني لهذه الحماية الدولية.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles