تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يهجر المصريّون الرواية الكلاسيكيّة؟

فجّرت أرقام توزيع روايات نجيب محفوظ خلال 12 عاماً الجدل حول عزوف المصريّين عن قراءة الرواية الكلاسيكيّة في شكل عامّ، واعتبر البعض ذلك نتيجة الممارسات الاحتكاريّة لبعض دور الطبع والنشر، واعتبر آخرون أنّه نتيجة طبيعيّة للإقبال على الرواية الشبابيّة والسينما والتلفزيون، بينما يرى آخرون أنّ معدّلات توزيع الرواية الكلاسيكيّة ما زالت مبشّرة.
RTXKXHX.jpg

القاهرة — 650 ألف نسخة. أهذا رقم يليق بتوزيع روايات الأديب المصريّ الحائز على جائزة نوبل في الأدب نجيب محفوظ في أكثر من 12 عاماً؟ البعض يراه رقماً ضعيفاً بالنسبة إلى عبقريّة مؤلّفات محفوظ، كما يراه مؤشّراً إلى تراجع معدّلات قراءة الرواية الكلاسيكيّة المصريّة في وجه عامّ، بينما يراه البعض الآخر رقماً مبشّراً باستمرار حبّ المصريّين للرواية الكلاسيكيّة، على الرغم ممّا أصاب القراءة في مصر من تدهور وتراجع على مستوى أعداد القرّاء.

ويذكر أنّ دار الشروق للطبع والنشر، صاحبة حقوق ملكيّة طبع روايات محفوظ ونشرها، أصدرت بياناً في 15 آذار/مارس، قالت فيه إنّ ما حقّقته دار الشروق من جودة واتّقان وانتشار لهذه الكتب إنجاز متميّز. وأضاف البيان: "نشرنا كتب محفوظ بكمّيّات غير مسبوقة، وفي أكثر من طبعة من كلّ عنوان، بل منها عناوين تعدّت طبعاتها الـ16 طبعة، ووصل إجمالي كميّاتها إلى حوالى الـ650 ألف نسخة في 12 عاماً، آملين أن تتعدّى رقم المليون بفضل اهتمام القرّاء الأعزّاء ومتابعتهم خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعتبر إنجازا متميّزاً فى المكتبة العربيّة".

وعن تقييم الروائيّ المصريّ حسن عبد الموجود لمعدّلات توزيع روايات نجيب محفوظ في الـ12 عاماً الأخيرة ومستوى تداول الروايات الكلاسيكيّة في وجه عامّ في مصر، قال في تصريحات خاصّة لـ"المونيتور": "هذه معدّلات منخفضة وغير مرضية إطلاقاً، ولا تتناسب مع مكانة نجيب محفوظ فهي تعني أنّ كل روايات محفوظ البالغة 54 رواية ومجموعة قصصيّة كانت توزّع في المتوسّط 54 ألف نسخة سنويّاً، أيّ بمعدّل 1000 نسخة لكلّ رواية فقط في دولة بها أكثر من 100 مليون، بينهم أكثر من 74 مليون يجيدون القراءة، ولا أظنّ أنّ الأزمة تكمن في روايات محفوظ أو في الروايات الكلاسيكيّة".

وأضاف عبد الموجود أنّه يلمس تراجع توزيع روايات محفوظ والروايات الكلاسيكيّة في وجه عامّ مثل روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدّوس ويوسف إدريس ويحيى حقّي وتوفيق الحكيم وغيرهم، بسبب السياسات الاحتكاريّة في سوق الطبع والنشر، مشيراً إلى أنّ دور النشر التي تحتكر نشر مؤلّفات كاتب معيّن مثل محفوظ أو غيره من الكتّاب السابقين وتوزيعها، تغالي في أسعار رواياتهم ولا تهتمّ بإتاحة نسخ من كلّ الروايات في فروع التوزيع، وتوقف في بعض الأحيان طباعة الروايات التي تشعر بضعف توزيعها، بدلاً من الاهتمام بالترويج الجيّد لها.

ويذكر أن عبد الموجود فجّر أزمة احتكار بعض دور النشر مؤلّفات الروائيّين الكلاسيكيّين من خلال بيان نشره على حسابه الشخصيّ على موقع التواصل الاجتماعيّ "فيسبوك" في 12 آذار/مارس، عن احتكار دار الشروق لمؤلّفات محفوظ، وجاء في البيان الذي تضامن معه العشرات من الأدباء والروائيّين: "نطالب نحن المثقّفون المصريّون وزارة الثقافة بالتحرّك ضدّ دار الشروق لنزع ملكيّة نشر روايات محفوظ، (...)، وبحكم مكانة تلك الروايات العالميّة وكلاسيكيّتها، فمن حقّ المصريّين نزع تلك الملكيّة عن الجهة المحتكرة".

واتّفق معه في الرأي في خصوص التأثير السلبيّ للاحتكار على توزيع الرواية الكلاسيكيّة في مصر الروائيّ أشرف الصبّاغ، حيث قال في تصريحاته إلى "المونيتور" إنّ العديد من طلّاب كلّيّات الآداب بتوجيه من أساتذتهم توجّهوا إلى دار الشروق، في أكثر من فرع، للحصول على بعض مؤلّفاته، ولكنّهم لم يتمكّنوا من ذلك بسبب عدم وجود هذه المؤلّفات.

إلّا أنّ الروائيّ المصريّ الشهير والنائب يوسف القعيد يرى أنّ الأزمة لا تكمن في الاحتكار وإنّما هي تطوّر طبيعيّ لمبيعات الرواية بين الأجيال في مصر، مشيراً في تصريحاته إلى "المونيتور" إلى أنّ أغلب القرّاء في مصر من الشباب وهم من يفضّلون قراءة روايات أحمد مراد وأحمد خالد توفيق وغيرهما من الروائيّين المتخصّصين في الرواية الشبابيّة، ولفت إلى أنّ الأمر يتكرّر من جيل إلى جيل، وأنّه في ستّينيّات القرن الماضي وسبعينيّاته، مع ارتفاع توزيع روايات محفوظ وعبد القدّوس والسباعي، تراجع توزيع الروايات الأقدم أو الأكثر كلاسيكيّة مثل روايات طه حسين وزكي نجيب محمود ومحمود تيمور.

من جهته، قال أستاذ النقد الأدبيّ في جامعة القاهرة محمّد الشحات لـ"المونيتور": "على الرغم من أعداد من يجيدون القراءة والكتابة، إلّا أنّ سوق الرواية المصريّة الكلاسيكيّة والحديثة شهد تراجعاً ملحوظاً في أعداد القرّاء، وبدأ ذلك التراجع مع ظهور الراديو والسينما والتلفزيون وأخيراً الإنترنت، إلّا أنّ ثورة 25 كانون الثاني/يناير أعادت لفت انتباه العديد من الشباب إلى أهمّيّة القراءة وقيمتها في الوعي والتثقيف الاجتماعيّ والسياسيّ، وربّما تراجع توزيع الرواية الكلاسيكيّة المطبوعة بسبب تداول تلك الروايات في نسخ إلكترونيّة عبر الإنترنت".

فيما قال مدير التوزيع في دار الشروق محمّد خضر لـ"المونيتور" إنّ وسائل الإعلام مثل التلفزيون والسينما يلعبان دوراً هامّاً في الترويج للرواية الكلاسيكيّة، واستشهد بارتفاع توزيع رواية "أفراح القبّة" لنجيب محفوظ بعد إنتاج مسلسل يحمل الاسم نفسه وعرضه في عام 2016، وأضاف أنّ من يتّهمون دار الشروق بالتقصير في الترويج لأعمال محفوظ وغيره من الروائيّين الكلاسيكيّين يغفلون أنّ دار الشروق ساهمت في إنتاج العديد من المسلسلات الناجحة المقتبسة من الروايات وعلى رأسها رواية "أفراح القبّة".

فيما اتفقت أميرة أبو المجد، مدير النشر بدار الشروق، في الرأي مع الشحات حول دور ثورة يناير في رفع معدلات القراءة في مصر بوجه والرواية الكلاسيكية بالتبعية، حيث قالت لـ"المونيتور": "المعدلات المتراجعة للتوزيع كانت في فترات الركود السياسي التي لم يكن الشباب مهتم فيها بالثقافة وهو أمر خارج عن إرادة كافة دور النشر ويسبب لهم خسائر، وحاليا تستفيد دور النشر من اهتمام الشباب بالقراءة والدليل على ذلك أن الشباب العاملين في السينما والإنتاج التليفزيوني بدأوا يدركون قيمة الرواية الكلاسيكية وكان ذلك السبب في خروج بعض الأعمال مثل أفراح القبة على أيدي صناع الدراما الشباب".