تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سلسلة مطاعم شعبيّة في غزّة تطعم الفقراء مجّاناً

بادرت سلسلة مطاعم شعبية في غزة بحملة لإطعام الفقراء مجاناً بشكل يومي، حيث خصصت لكل عائلة وفرد من المحتاجين الطالبين للفطور والغذاء وجبة، لاقت الحملة اقبالاً من عدد من الأسر الفقيرة في غزة وكثير من طلبة المدارس الفقراء.
Abdullah_Restaurant.jpg

مدينة غزّة - انتشرت في الأشهر الأخيرة في قطاع غزة العديد من الحملات الشخصية التي تهدف لمساعدة الفقراء في غزة على توفير الطعام أو توفير العلاج للفقراء أو سداد ديونهم، فكانت حملة "سامح تؤجر" لاسقاط الديون على الفقراء، وحملة "فكر بغيرك" لتوفير العلاج والطعام للمرضى منهم، وأخيراً حملة فردية نفذتها سلسلة مطاعم عبد الله الشعبية في مدينة غزة لتوفير وجبتي الافطار والعشاء للفقراء يومياً.

الأفرع الثلاثة للمطعم في حي الرمال غرب مدينة غزة، وحي الصبرة جنوب غزة وحي الزيتون جنوب المدينة أيضا بدأت حملة فردية لتوفير وجبتي الإفطار والعشاء لمائة عائلة فقيرة يومياً.

 وقال محمّد عطا والذي يعمل نادلاً في فرع المطعم بحي الصبرة- جنوب مدينة غزة: "منذ أعلنّا حملة الوجبات الشعبيّة المجانيّة للفقراء، بدأت عائلات عدّة لا تملك المال لشراء الطعام تقصد فروعنا الثلاثة لتناول الفطور أو العشاء بحكم أنّنا مطعم للفول والفلافل والحمص، ولا نقدّم إلاّ هاتين الوجبتين تحديداً".

بعض طلاّب المدارس لا يملك المال لشراء سندويشات. لذا، يقصد بعضهم مطعم "عبد الله" صباحاً، قبل موعد الدوام المدرسيّ للحصول على سندويش فلافل مع قليل من السلطة، وقال عطا: "كنّا قبل الحملة نعطي الأطفال سندويشات فلافل من دون مقابل أثناء ذهابهم إلى المدرسة صباحاً، فلا يكلّفنا الأمر سوى قرصيّ فلافل ورغيف خبز فقط، فيما يراه الأطفال شيئاً كبيراً".

وقال لـ"المونيتور" عصام جودة، وهو طفل في التاسعة من عمره تناول سندويشاً من يدّ عطا وهمّ بالذهاب إلى مدرسته: نحن 6 أبناء، فأنا الابن قبل الأخير لعائلتي، والدي كان يعمل في البناء وتوقّف عن العمل منذ فترة طويلة جدّاً. عادة، عندما نملك فائضاً من الخبز تعطيني والدتي ساندويشاً من الدقّة – القمح المحمّص المطحون. وفي بعض المرّات، أذهب إلى المدرسة من دون تناول الفطور".

عرض أحد العاملين في المطعم على جودة ورفيقه أن يتناولا على حساب المطعم سندويشات الفلافل مجّاناً، عندما رآهما ينظران إلى العامل، وهو يخرج الفلافل من الزيت. وفي اليوم التالي، حصلا على حصّة جديدة من الفلافل، حتّى صار الأمر شبه اعتياديّ.

صاحب سلسلة مطاعم "عبد الله" عبد الله لافي يبلغ من العمر 40 عاماً، وهو عمل منذ أن بلغ الـ15 عاماً عاملاً وأجيراً في المطاعم الشعبيّة حتّى صار صاحب أوّل محلّ للفول والفلافل في منتصف العشرينيّات، وقال لـ"المونيتور": عائلتي كانت فقيرة. ولذا، كان من الضروريّ أن أعمل لأساعدها. وأتذكّر أنّي كنت أذهب إلى المدرسة قبل أن أتسرّب منها بعمر الـ15 عاماً من دون تناول الفطور. وعندما عملت في أوّل مطعم للفلافل، كنت أقتص من أجري لأشتري سندويشاً من السندويشات التي أعدّها لآكله. ولذا، عندما أرى الأطفال الصغار على أبواب المحلّ غير قادرين على الدخول لشراء سندويش بشيكل واحد فقط أيّ ما يقارب الـ29 سنتاً أشعر بالألم".

اجتهاد عبد الله لافي وتوفيره المال مكّناه من افتتاح مطعمه الشعبيّ الأوّل، حيث قدّم الفلافل والفول والحمّص وفتّة الحمص، وأصبح لديه زبائن دائمون. وبعد ذلك، تمكّن من افتتاح المطعم الثاني والثالث على فترات امتدّت ما بين 5 و10 أعوام.

قال لافي: "اعتدت على طلب الأطفال الصغار منّي ومن العاملين في المطعم الطعام أثناء الذهاب إلى المدرسة، وبعد غروب الشمس في بعض المرّات، وهي الأوقات التي نفتتح فيها المطعم. وذات يوم، جاءتني أمٌ شابة تخبرني بأنّ أطفالها يشتهون فتّة الحمص، وهي عبارة عن خبز مفتّت وحمّص وتزيّن باللوز، وأحياناً باللحم المفروم، وأنّها غير قادرة على شرائها، رغم أنّ أصغر صينيّة منها تباع بـ5 شواكل أيّ ما يقارب الدولار ونصف الدولار فقط".

تلكَ الحادثة دفعت بلافي إلى التفكير مليّاً بحملته لإطعام الفقراء مجّاناً، وقال: "حسبت دخلي اليوميّ، وما أحصل عليه من ربح أسبوعيّ، فوجدت أنّي قادر على توفير طعام الفطور أو العشاء لمئة عائلة فقيرة أسبوعيّاً بـ5 شواكل لكل وجبة، وأعلنت عن الحملة في محلاّتي الـ3 للزبائن وبعض العائلات الفقيرة التي نوفّر لها الطعام قبل 5 أشهر تقريباً، حتّى بدأ عدد المحتاجين المقبلين على المطاعم الـ3 يزداد شيئاً فشيئاً"، وأضاف أنه باتت تستفيد سبع عائلات بالمتوسط يومياً من الحملة.

لقد فكّر لافي بأن يعلن عن حملته في شهر مارس إعلاميّاً عن طريق بعض أصدقائه وزبائنه العاملين في مجال الإعلام فقط دفعاً للمطاعم الأخرى لأن تحذو حذوه، وقال: "رأيت أنّ المقبلين على المطعم حاجتهم إلى الأكل من دون امتلاكهم المال ترتفع، ناهيك عن الظروف الماليّة السيّئة التي يعيشها القطاع نظراً لاستمرار الحصار الإسرائيليّ وفرض السلطة المزيد من العقوبات على القطاع من قبيل تقليص رواتب الموظّفين وإحالة عدد منهم على التقاعد".

أضاف: "لاحظت ارتفاع عدد المحتاجين المستفيدين من الحملة بعد تقليص وكالة الغوث مساعداتها، إثر تقليص حصّة الولايات المتّحدة الأميركيّة لحصّة الدعم وفق ما سمعناه في الأخبار، هذا إضافة إلى بطء حركة الإِعمار التي جعلت العديد من العمّال في مجال البناء يحصلون على مبالغ ماليّة ضئيلة في فترات متباعدة جدّاً".

لم يحصل لافي على أيّ مساعدات أو دعم لتدعيم حملته من أيّ جهة حكوميّة أو خيريّة أهليّة في غزّة، إذ قال: "لم نطلب الدعم من أيّ جهة، ولم تبادر أيّ مؤسّسة حكوميّة أو أهليّة إلى دعم الحملة أو المساهمة في امتدادها، غير أنّ فلسطينيّين في الخارج تواصلوا معي بشكل مباشر لزيادة عدد المستفيدين من الحملة أسبوعيّاً على أن يتحمّلوا جزءاً من تكلفة الأمر، وأظنّني سأقبل بذلك إذ أنّ عدد المحتاجين يزداد، ولا أريد أن أردّ أحداً خائباً".

كشفت الحملات الغذائيّة التي يتبرّع بتنفيذها مواطنون من غزّة حجم الفقر المنتشر بينَ العائلات الغزيّة، غير أنّ المبادرات الفرديّة لا تلبّي حاجات الفقراء المتزايدة. وبحسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية يعتمد 80% من سكان غزة على المساعدات الإنسانية لتأمين معيشتهم.