تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل سيعرقل خفض القوّات الروسيّة في سوريا الحلّ السياسيّ؟

تشكك المعارضة السورية بانسحاب موسكو الجزئي من سوريا وتخشى ان تستغل ايران الفراغ الذي ستتركه روسيا من اجل تعزيز نفوذها.
RTX3HDJG.jpg

في 11 ديسمبر/ كانون الأول أعلنت روسيا، للمرّة الثانية، نيّتها تقليل عدد قوّاتها العسكريّة العاملة في سوريا بعدما بدأت تدخّلاً عسكريّاً في 30 أيلول/سبتمبر 2015. المرّة الأولى كانت في آذار/مارس 2016 أي بعد حوالى ستّة أشهر على بدء الحملة الجوّيّة، لكنّ كثافة الغارات في ما بعد عبر القاذفات الاستراتيجيّة والصواريخ على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والمكاسب التي حقّقها النظام جرّاء ذلك على الأرض، أثارت الشكوك لديها ولدى المجتمع الدوليّ، حول جدّيّة هذا الانسحاب.

زكان الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين أمر في 11 كانون الأوّل/ديسمبر الجاري ببدء سحب القوّات الروسيّة من سوريا بعدما أجرى محادثات مع نظيره بشّار الأسد خلال زيارة إلى قاعدة حميميم الروسيّة في محافظة اللاذقيّة على البحر المتوسّط.

الإعلان عن هذا الانسحاب الروسي قوبل من جديد بتشكيك من قبل الدولايات المتحدة الأمريكية التي تملك قواعد عسكرية وجنود على الاراضي السورية. وفي اليوم ذاته أشار المتحدث باسم البنتاغون الرائد أدريان رانكين-غالواي أن سحب القوات الروسية من سوريا لا يعني عادة تقليصاً فعلياً لعديد عسكرييها.

إنّ الأسباب التي ساقت روسيا إلى الإعلان عن سحب قوّاتها هي أنّها هزمت تنظيم "داعش" الإرهابيّ، وحرّرت معاقله الرئيسيّة، وهي المهمّة الأساسيّة للدخول إلى سوريا على حدّ قول المسؤولين الروس، وذلك بعدما "نفّذ الطيران الروسيّ يوميّاً في المرحلة النهائيّة للتنظيم أكثر من 100 طلعة، ووجّه ما لا يقلّ عن 250 ضربة جوّيّة لعناصر التنظيم ومواقعها"، وفق رئيس إدارة العمليّات في هيئة الأركان الفريق سيرغي رودسكوي، في مؤتمر صحفي 7 كانون الأول/ديسمبر.

وقد يكون انسحاب القوّات الروسية الكلامل أو تخفيض عددها بمثابة فرصة أمام إيران عبر الميليشيات العابرة للحدود وقوى لاعبة أخرى، لتعزّز تواجدها العسكريّ وتملأ الفراغ على الأرض الذي يتركه سحب الوحدات الروسيّة، خصوصاً في الحواضن الأساسيّة التي كانت تسيطر عليها قوّات المعارضة، مثل حلب الشرقيّة وأجزاء من حمص وغيرها.

كما أن التدخل الإيراني إلى جانب قوات النظام قد يذهب بالوضع على الأرض إلى مزيد من التدهور في ظل الانقسام الدولي وإعلان انتهاء الجولة الثامنة من محادثات جنيف بين النظام السوري والمعارضة دون التوصل إلى نتائج وتحميل المبعوث الدولي ستافان دي مستورا وفد النظام السوري اللوم بسبب فشل الجولة.

هذا ما سيشجّع قوّات النظام مدفوعة من إيران، على القيام بأعمال عسكريّة ضدّ قوّات المعارضة، وبالتالي تهديد اتّفاق خفض التصعيد، ممّا يعرّض العمليّة السياسيّة في جنيف إلى الانفجار، ويبدّد الحلّ السياسيّ، حيث لا تزال القوّات السوريّة والمتحالفون معها تحاول التقدّم في الغوطة الشرقيّة لدمشق بغطاء جوّيّ روسيّ، وهي منطقة خفض تصعيد، وفي اتّجاه إدلب كذلك في حدودها الإداريّة الجنوبيّة الشرقيّة للمرّة الأولى منذ 3 سنوات.

الدعم الإيرانيّ الذي يقدّم إلى النظام السوريّ يدفعه إلى تحقيق المزيد من المكاسب، وهذا ما يجعل المراقبين يخشون من أن يؤثّر على تجاوب النظام مع الدعوات لحلّ سياسيّ والجلوس على طاولة مفاوضات مع المعارضة. يقول عضو الهيئة السياسيّة في الائتلاف السوريّ لقوى الثورة والمعارضة أحمد رمضان، في مقابلة مع "المونيتور"، إنّ إيران مستمرّة في تحريض النظام على خرق الاتّفاقات للإحجام عن المفاوضات، وهنا لا يمكن بقاء مفاوضات جنيف والعمليّة السياسيّة أسيرة النظام وإيران".

تنقسم المعارضة السوريّة في تقييم الخطوة الروسيّة وانعكاسها على الحلّ السياسيّ والمفاوضات، ولا تملك إجابة موحّدة في احتمال أن تستغلّ إيران وميليشياتها المسعى الروسيّ لصالحها، طالما سعت إلى تعزيز النفوذ والتمركز. سيما وأن إيران رسمياً أعلنت أن قواتها باقية في سوريا حتى في مرحلة ما بعد "داعش" واستمرارها في التعاون مع حكومة دمشق وبأشكال مختلفة.

وكان مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، أعلن في 8 تشرين الثاني/نوفمبر، أن القوات السورية ستبدأ بعد دحر تنظيم داعش من الشرق السوري، عملياتها لاستعادة منطقة إدلب في شمال غرب البلاد.

ولا يعتقد رمضان أنّ تقليل روسيا عديد قوّاتها في سوريا سينعكس إلى حدّ كبير على الصعيد السياسيّ، كما أنّه لن يؤثّر على مستويات السيطرة والتدخّل الروسيّة في الميدان، لأنّ "روسيا تعزّز نفوذها على المستوى السياسيّ والأمنيّ والميدانيّ، ومن هنا نلاحظ مستويات التحكّم بالنظام السوريّ".

بواعتبر أنّ التأثير الوحيد للروس في هذه المرحلة من مسار الحل السياسي السوري، سيكون "إذا قرّروا دعم مفاوضات جنيف في شكل فعليّ ودعم الانتقال السياسيّ وتطبيق التزاماتهم في اتّفاق أستانة حيث قدّموا أنفسهم كضامنين للنظام، لكنّهم لم يفوا بالتزاماتهم، وهي: وقف التصعيد، ووقف إطلاق النار، وفكّ الحصار عن المدن المحاصرة ، وإخراج المعتقلين والمختطفين والمفقودين". و"أيّ من هذه لم يطبّق"، على حدّ قوله.

وعلى اعتبار أنّ سحب القوّات الروسيّة من سوريا أو التقليل منها سيتمّان وفقاً لمقتضيات المرحلة من عمر الصراع، والشروع في إطلاق عمليّة تفاوض حقيقيّة في جنيف برعاية أمميّة وتمهيد الأرضيّة لمحادثات سلام، إلّا أنّ الإعلان عن هذا الانسحاب ما زال يقابله احتفاظ أميركيّ بعدد من الجنود ووحدات التدريب في الشمال السوريّ بحدود 2000 جنديّ، واستمرار إيران بدعم قوّات تقاتل على الأرض وتستغلّ أيّ فرصة للتمدّد لكسب النفوذ والسيطرة، بل وبناء قواعد قرب دمشق، وسط حالة تفاؤل تسود بعض أوساط المعارضة حول جدّيّة الروس في إيجاد حلّ سياسيّ حقيقيّ، وفق قرارات مجلس الأمن والأمم المتّحدة.

يقول عضو منصّة موسكو في وفد المعارضة السوريّة مهنّد دليقان لـ"المونيتور" إنّ "تصريحات الروس بما يخصّ تقليل عدد الوحدات العسكريّة العاملة في سوريا هي في الاتّجاه العامّ كإشارة بما يعني أنّ الحلّ السياسيّ أصبح قريباً جدّاً".

ويضيف أنّ "الروس يضغطون في اتّجاه أنّ الحلّ السياسيّ استحقاق يجب تنفيذه في شكل فوريّ".

وما إذا كانت إيران في صدد الاستفادة من الانسحاب الروسيّ من الأراضي السوريّة، أكّد أنّ "من سيملأ الفراغ الذي سيتركه الروس في سوريا هو الحلّ السياسيّ، وتقليل الوحدات هو إشارة في هذا الاتّجاه".

يأتي هذا في وقت تطالب فيه المعارضة السوريّة بخروج كلّ القوّات الأجنبيّة، وعلى حدّ قوله "سيتمّ ذلك في إطار الحلّ السياسيّ، بحيث لن تبقى أيّ قوّة أجنبيّة، وذلك على أساس الحلّ السياسيّ وتطبيق قرار مجلس الأمن 2254".

ولا يعتقد أنّ عمليّات خروق وقف التصعيد ستستمرّ، لأنّ "الاتّجاه العامّ هو نحو التضييق على من يحاولون التصعيد من أيّ جهة كانت، ولذلك فإنّ محاولات التصعيد هذه الفترة هي في إطار الضغط على الحلّ السياسيّ، ومنع حصوله، لكنّ الاتّجاه الدوليّ العامّ والإقليميّ والداخليّ، يدفع في اتّجاه مفاوضات جادّة ومستمرّة، لذلك سيتراجع التصعيد ويتضاءل".

More from Mohammad Bassiki

Recommended Articles