تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يمكن إنقاذ العلاقات الأميركيّة التّركيّة؟

لم تكن زيارة رئيس الوزراء التّركي بن علي يلدريم إلى واشنطن الأسبوع الماضي مثمرة بما يكفي للإشارة إلى فتح فصل جديد في العلاقات.
RTS1798V.jpg

تواجد رئيس الوزراء التّركي بن علي يلدريم في واشنطن الأسبوع الماضي في محاولة لفتح "صفحة جديدة" في العلاقات مع الولايات المتّحدة، نظرًا إلى أنّ العلاقات التّركيّة الأميركيّة تعاني حاليًا توتّرًا غير مسبوق ولّد تساؤلات لدى الكثيرين عمّا إذا كان بالإمكان إنقاذ العلاقة.

كان هناك إجماع عام على أنّ لقاء يلدريم بنائب الرّئيس مايك بينس لم يفض إلى ما هو أكثر بكثير من البديهيّات الدّبلوماسيّة بشأن ضرورة مواصلة "الشّراكة الاستراتيجيّة".

ولم يبد يلدريم إيجابيًا قبل محادثاته مع بينس، وقال للصّحفيّين الأتراك في واشنطن إنّ العلاقة بعيدة عن كونها ممتازة ولا يجوز توقّع نتيجة مباشرة من هذه الزّيارة".

وكان مساعد وزير الخارجيّة الأسبق للشّؤون الأوروبيّة والأوروبيّة الآسيويّة فيليب غوردون، الذي تعامل مع تركيا لسنوات طويلة، قد كشف عن التشاؤم في واشنطن قبل زيارة يلدريم بوقت قصير.

ومع تأكيده على أنّ "تركيا والولايات المتّحدة تقفان أمام نهاية شراكة واعدة"، أعلن غوردون في مقال كتبه لصحيفة فاينانشال تايمز عن أنّ "العلاقة أصبحت على الأرجح غير قابلة للإصلاح".

أمّا ستيف بانون، كبير المخطّطين الاستراتيجيّين السّابق للرّئيس دونالد ترامب، فذهب أبعد من ذلك بقوله مؤخّرًا لصحيفة الشرق الأوسط التي تملكها السّعوديّة إنّ تركيا تشكّل أكبر تهديد على الولايات المتّحدة اليوم، أكبر حتّى من إيران.

وبقدر ما قد تكون تصريحات بانون غير منطقيّة، هي تعكس المزاج المعارض لتركيا في أوساط الدّوائر اليمينيّة بواشنطن.

وطبعًا نجد أنّ تركيا تبادل المشاعر عينها إذ يسود الاعتقاد، بخاصّة بين مناصري حزب العدالة والتّنمية الحاكم، بأنّ الولايات المتّحدة تقف في نهاية المطاف خلف محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت العام الماضي ضدّ الرّئيس رجب طيب أردوغان.

أفادت مراسلة صحيفة حريت في واشنطن قانصو قمليبل، التي كانت تغطّي زيارة يلدريم، بأنّه على الرّغم من توقّعات أنقرة العالية بأنّ العلاقات ستتحسّن في عهد إدارة ترامب، "ذهبت التطوّرات في مجالات الإشكال الرّئيسيّة في الاتّجاه المعاكس".

تبقى قائمة "المشاكل الرّئيسيّة" مخيفة، وعلى رأس القائمة محاولات تركيا غير النّاجحة في ضمان تسليم فتح الله كولن، الداعية الإسلامي المقيم في بنسيلفانيا والذي تتّهمه أنقرة بالتّخطيط لمحاولة الانقلاب.

تصرّ أنقرة على أنّها قدّمت أدلّة كافية للولايات المتّحدة تربط كولن بالانقلاب الفاشل. لكنّ التّقارير المتداولة في الإعلام الأميركي، والمستندة إلى مصادر رسميّة، تواصل التّأكيد بأنّ الأدلّة المقدّمة غير حاسمة.

يشدّد الجانب الأميركي أيضًا على أنّ تسليم كولن مسألة تبتّ فيها المحاكم الأميركيّة وليس أمرًا تستطيع الإدارة تحقيقه.

أوضح يلدريم موقف بلاده في واشنطن عندما قال للمراسلين، "إذا لم تتّخذ الولايات المتّحدة أيّ خطوات بشأن كولن، لن تتحسّن العلاقات بيننا"، معتبرًا هذا الأمر "التّهديد الأكبر للعلاقات الثّنائيّة".

ولفتت قمليبل إلى أنّ "القلق بشأن ممارسة الحقوق والإجراءات الواجبة يلقي بظلاله على هذه المسألة في عقول الأميركيّين"، مشيرة إلى أنّه من النّاحية القانونيّة، ربّما تقوم أنقرة بتضييع الوقت في مقاربتها إزاء هذه المسألة.

تبدّلت القضيّة نحو الأسوأ بعد أن قال أردوغان في شهر أيلول/سبتمبر إنّه إذا أرادت واشنطن إطلاق سراح أندرو برونسون، القسّ الأميركي المسجون في تركيا على خلفيّة تهم بارتباطه المزعوم بكولن، سيتوجّب عليها تسليم كولن لتركيا.

فُسِّر ذلك في واشنطن على أنّه "دبلوماسيّة الرّهائن"، وهو اقتراح اكتسب مزيدًا من الزّخم بعد توقيف مواطن تركي يعمل في القنصليّة الأميركيّة باسطنبول بسبب ارتباطه المزعوم بجماعة كولن.

ردّت واشنطن على عمليّة التّوقيف هذه بتعليق جميع طلبات التّأشيرات من تركيا، ومع أنّ بعض هذه القيود رُفِعت قبيل زيارة يلدريم، تبقى المسألة عالقة، ما يُحدث شرخًا آخر في العلاقات التّركيّة الأميركيّة.

بدلاً من أن تخفّ حدّة المشكلة المحيطة بمسألة كولن بين أنقرة والولايات المتّحدة – مع استعداد يلدريم للسّفر إلى واشنطن - ازدادت مع الكشف عن قيام المستشار الأميركي الخاصّ روبرت مولر بالتّحقيق في الادّعاءات بأنّ تركيا عرضت على مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السّابق لترامب، مبلغ 15 مليون دولار لاختطاف كولن وتسليمه لتركيا.

إلا أنّ تركيا نفت هذا الاتّهام باعتباره "سخيفًا ولا أساس له".

تجدر الإشارة إلى أنّ مسألة كولن ليست المشكلة الوحيدة بين تركيا والنظام القانوني الأميركي. فأثناء المحادثات مع بينس، تطرّق يلدريم إلى القضيّة المرفوعة في نيويورك ضدّ رضا ضراب، رجل الأعمال الإيراني التركي، ومحمد حقان أتيلا، نائب مدير بنك خلق المملوك للدّولة التركيّة.

يقبع الرّجلان في السّجن في الولايات المتّحدة بعد أن جرى اتّهامهما بالتّحايل المزعوم على العقوبات الأميركيّة المفروضة على إيران واستعمال الرّشوة وغير ذلك من الأساليب غير القانونيّة لتحقيق هذه الغاية. وقد جرى أيضًا اتّهام وزير الاقتصاد السّابق في حكومة أردوغان، ظافر شاغليان، في هذه القضيّة.

يؤكّد نقّاد حزب العدالة والتّنمية أنّ هذه القضيّة قادرة أن تتحوّل إلى حقل ألغام سياسي، ليس فقط بالنّسبة إلى الحكومة التّركيّة التي كانت تربطها علاقات وثيقة بضراب، بل أيضًا بالنّسبة إلى أردوغان. تصرّ أنقرة على أنّ الدّليل في هذه القضيّة ليس مقبولاً وتطلب من حكومة ترامب التدخّل وإسقاطه.

تريد أنقرة أيضًا إسقاط الدّعوى المرفوعة ضدّ 19 شخصًا من حرّاس أردوغان المتّهمين بضرب متظاهرين أكراد خارج مقرّ السّفارة التّركيّة في واشنطن في خلال زيارة أردوغان في وقت سابق من العام الحالي.

ويبدو أنّ المطالب التي قدّمها يلدريم بشأن هذه القضايا أثناء محادثاته مع بينس لم تلق آذانًا صاغية.

يمكن قول الأمر عينه بشأن القضيّة الرّئيسيّة الأخرى التي تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين، وهي دعم الولايات المتّحدة لوحدات حماية الشّعب، حليف واشنطن الرّئيسي في سوريا ضدّ تنظيم الدّولة الإسلاميّة.

تقول تركيا إنّ وحدات حماية الشّعب تنظيم كردي إرهابي مرتبط بحزب العمال الكردستاني المحظور الذي أدرجته الولايات المتّحدة على قائمة المجموعات الإرهابيّة، لكنّها فشلت في إقناع واشنطن في هذا الصّدد.

ربّما تكون القراءات المنفصلة من البيت الأبيض ورئاسة الوزراء التّركيّة حول اللّقاء بين يلدريم وبينس قد أعادت التّأكيد على "الشّراكة الاستراتيجيّة الثابتة" بين الجانبين وشدّدت على الأمل بأنّ هذا الاجتماع "سيساعد على الإعلان عن فصل جديد" في العلاقات.

لكنها لا تتضمّن ما يشير إلى إحراز أيّ تقدّم في المسائل التي من شأنها أن تسهّل فتح هذا "الفصل الجديد"، بل تذكر فقط ما يطلبه الجانبان أحدهما من الآخر.

وقد ورد في القراءة الأميركيّة أنّ "نائب الرّئيس أعرب عن قلق عميق بشأن توقيف المواطنين الأميركيّين، وموظّفي البعثة الأميركيّة المحليّين في تركيا، والصّحفيّين وأعضاء المجتمع المدني في ظلّ قانون الطّوارئ، وحثّ على الشّفافيّة والإجراءات الواجبة في حلّ قضاياهم".

أمّا القراءة التّركيّة فأوردت أنّه "في خلال الاجتماع، كرّرنا مطلبنا بتوقيف [كولن] وإعادته وبوقف أنشطته. وذكّرنا أيضًا بأنّ الدّليل المزعوم في القضيّة بنيويورك [قضيّة ضراب] التي تضرّ بالعلاقات بيننا، مزيّف وجرى جمعه بطريقة غير قانونيّة".

وأضاف الجانب التّركي بأنّ "عدم ارتياحنا لتوريد الأسلحة إلى تنظيم وحدات حماية الشّعب الإرهابي جرى تكراره أيضًا، وكذلك أملنا بوضع حدّ لهذا الدّعم".

بالنّظر إلى هذه الصّورة العامة، يبدو أنّ المشاكل التي تكتنف الشّراكة الاستراتيجيّة لا يمكن تخطّيها بما أنّ أيّا من الجانبين لا يتمتّع بالإرادة أو بالقدرة على تحقيق مطالب الآخر.

بالإضافة إلى ذلك، لم يتّضح متى ستقوم إدارة ترامب بترشيح سفير جديد إلى أنقرة بعد أن غادر مؤخّرًا السّفير السّابق جون باس الذي لامه أردوغان على تغذية تدهور العلاقات.

عمليًا، هذا يعني أنّ واشنطن خفّضت مستوى تمثيلها في تركيا، بدون أيّ مؤشّر على توقيت رفعه من جديد.

وإنّ برهان الدين دوران، المدير العام لمؤسّسة سيتا البحثيّة التّابعة للحكومة، هو من بين الذين يعتقدون أنّ العلاقات التّركيّة الأميركيّة تسير نحو نقطة اللاعودة.

وقد كتب دوران في عموده بصحيفة صباح الموالية للحكومة إنّه "في حال العجز عن وضع المشاكل الرّاهنة بين قوسين، ووضع العلاقات على مسار الإصلاح؛ والأهمّ بكثير، في حال عدم صياغة أجندة جديدة للتّعاون، فقد تؤدّي الفوضى العالميّة والإقليميّة الوشيكة إلى ضرر في العلاقات يتعذّر إصلاحه".

وبالنّظر إلى كيفيّة ترتيب الأوراق اليوم، يعتقد كثيرون أنّنا اقتربنا كثيرًا من تلك النّقطة.

More from Semih Idiz

Recommended Articles