تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل ينتصر الإعلام والسينما للزيادة السكانيّة أم يحاربانها؟!

بعد أن بلغ تعداد المصريّين 104 ملايين نسمة، دعا الرئيس عبد الفتّاح السيسي الإعلام إلى مواجهة ظاهرة الزيادة السكانيّة، رغم أنّ نقّاداً وخبراء يرون أنّ السينما والإعلام كان لهما دور محدود في مواجهة الظاهرة في السابق.
People travel on an overcrowded train in Cairo January 17, 2013. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany (EGYPT - Tags: TRANSPORT SOCIETY) - GM1E91H1SN901

القاهرة – في الـ30 من سبتمبر، حضر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي احتفالية الانتهاء من التعداد السكاني لعام 2017، وخلال كلمته في الاحتفالية قال أن التعداد الأخير يلقي الضوء على عدد من المشكلات ومن أبرزها الزواج المبكر (زواج القصر)، وتدهور منظومة الإسكان، والزيادة السكانية، مشيرا إلى أنه يتوقع أن يلعب الإعلام دورا هاما في الاستفادة من نتائج التعداد لمواجهة هذه المشكلات بالتعاون مع المجتمع المدني والحكومة.

كأنّ كلمات عبد الفتّاح السيسي عن دور الإعلام كانت الضوء الأخضر للعديد من الصحف والمواقع الإخباريّة لتفنيد دور الإعلام والسينما أيضاً في مواجهة ظاهرة الزيادة في التعداد السكانيّ، إذ انتقد موقع "مصر العربيّة" في تقرير بـ30 أيلول/سبتمبر مساء أداء الإعلام والسينما في مكافحة ظاهرة التعداد، حيث وصف أغلب النقاد السينمائيين وخبراء الإعلام، الذين تحدثوا في التقرير، أداء السينما والإعلام بمحاولة استرضاء الدولة دون تقديم أعمال وحملات مقنعة للمواطن بأهمية تنظيم الأسرة وتحديد النسل، بينما نشر موقع "صدى البلد" تقريراً آخر في1 تشرين الأوّل/أكتوبر بعنوان: "بعد تسجيل 104 ملايين نسمة في التعداد السكانيّ... السينما تقدّم أعمالاً سطحيّة عن الزيادة السكانيّة".

وتجدر الإشارة إلى أنّ نتائج حصر السكّان وتعدادهم، التي أعلنت خلال الاحتفاليّة، أكّدت أنّ تعداد المصريّين بلغ 104 ملايين نسمة حتّى منتصف عام 2017. كما كشفت أنّ معدّل الزيادة السنويّة من عام 2006 حتّى عام 2017 بلغ 2،56 في المئة، بعد أن كان 2،04 في المئة وفقاً للحصر والتعداد من عام 1996 حتّى عام 2006، الأمر الذي يؤكّد أنّ معدّلات الزيادة السكانيّة في العقد الثاني من الألفيّة الثالثة ترتفع بشكل مرعب.

وطرحت السينما مشكلة الزيادة السكانيّة والمشكلات المرتبطة بها للمرّة الأولى في ستينيّات القرن الماضي من خلال فيلم "أمّ العروسة" عن ربّ أسرة تتزايد عليه ضغوط الحياة بسبب كثرة الإنجاب ويضطرّ إلى الاختلاس. وفي السبعينيّات، قدّمت السينما جزءاً ثانياً من الفيلم بعنوان "الحفيد" عن محاولة ابنتي الأسرة تحديد النسل وسط ضغوط اجتماعيّة من الأمّ والأصدقاء لسرعة الإنجاب وكثرته، ثمّ فيلم "عالم عيال عيال" عن أرملين يتزوّجان ويواجهان ضغوط الإقامة في منزل واحد مع 12 طفلاً، ويليه فيلم "أفواه وأرانب" عن أسرة تتعرّض إلى ضغوط اقتصاديّة بسبب كثرة الإنجاب ويضطرّ ربّ الأسرة إلى إكراه شقيقة زوجته على الزواج من أحد الأثرياء للخروج من أزمته، الأمر الذي يضطرّها إلى الهرب.

وفي منتصف الثمانينيّات، قدّم الفنّان محمّد صبحي فيلم "هنا القاهرة" عن مهندس صعيديّ يزور القاهرة لتواجهه مشكلات عدّة ناجمة عن الزيادة السكانيّة مثل ازدحام المواصلات وكثرة ظواهر الفقر والتسوّل وجرائم السرقة. كما قدّم الفنّان عادل إمام فيلم "كراكون في الشارع" عن أسرة تضرّرت من الزيادة السكانيّة رغم التزامها تحديد النسل، عندما انهار مسكنها وتعرّضت للعديد من المصاعب في البحث عن مسكن بسبب الزيادة السكانيّة وما سبّبته من ارتفاع في أسعار المساكن.

وعلى مستوى الإعلام عموماً، قدّم التلفزيون المصريّ العديد من حملات وإعلانات التوعية على مخاطر الزيادة السكانيّة مثل حملة "حسنين ومحمّدين" في السبعينيّات، والتي كانت تخاطب المواطن الأمي ومتوسط التعليم في الريف والصعيد، وتدعوه إلى ضرورة الاكتفاء بطفلين فقط لضمان حسن تربيتهما وتعليمهما، وهما: "حسنين" و"محمّدين". واستعان التلفزيون في تلك الحملة بمطربة شعبيّة شهيرة هي فاطمة عيد. كما استعان لاحقاً بالفنّانة كريمة مختار لتقديم حملة في التسعينيّات، وقدّم الفنّان أحمد ماهر حملة أخرى في الفترة نفسها تخاطب الرجال وتدعوهم إلى ضرورة تحمّل مسؤوليّاتهم تجاه أسرهم بتحديد النسل.

وتساءل "المونيتور" في هذا التقرير عن أسباب فشل تلك الأفلام والحملات في الحدّ من معدّل الزيادة السكانيّة ومدى قدرة السينما أو التلفزيون على طرح أعمال جديدة بهدف التوعية على ضرورة الحدّ من الزيادة السكانيّة وتحديد النسل؟

وردّ أستاذ النقد في المعهد العاليّ للفنون السينمائيّة طارق الشناوي قائلاً لـ"المونيتور": "لا يمكن أن يكون للسينما تأثير بمفردها، لأنّ المسألة ترتبط بالعديد من الاعتبارات الدينيّة والاقتصاديّة والتنظيميّة، فعلى سبيل المثال على الحكومة أن تعيد توزيع التعداد السكانيّ للقضاء على كثافة السكّان في وادي النيل والدلتا من خلال تأسيس مدن جديدة في الصحراء. أمّا الأزهر والكنائس فعليهما مواجهة الآراء التي تحرّم تحديد النسل".

أضاف: "السينما قادرة على تقديم أعمال جادّة ومؤثّرة إذا توافرت العوامل السابقة وإذا توافر في الأفلام عنصر جديّة الطرح ودقّته، إذ أنّ الأفلام السابقة كانت سطحيّة، وكانت تنتصر في النهاية للزيادة السكانيّة من خلال أخطاء بناء الشخصيّات أو الرغبة في الحفاظ على النهاية السعيدة للفيلم، فنجد أنّ الرجل الراغب في محاربة الزيادة السكانيّة في فيلم "الحفيد" يرفض الإنجاب تماماً ويتخلّى عن زوجته عند الحمل، وهو نموذج منفر من الزيادة السكانيّة. كما نجد أنّ مشكلات ربّ الأسرة في "أمّ العروسة" تنتهي نهاية سعيدة رغم اختلاسه. كما تنتهي مشكلات الأسرة في "أفواه وأرانب" برعاية ثريّ لها كأنّ الأزمة الوحيدة هي كيفيّة استيعاب المجتمع للطاقات البشريّة وأنه ليس هناك أزمة حقيقية في التعداد وأنه ليس هناك ضرورة لتحديد النسل وتنظيم الأسرة طالما أن الدولة والمجتمع مطالبان باستيعاب تلك الطاقات أيا كان عددها".

واتّفق أستاذ النقد الأدبيّ في أكاديميّة الفنون المسرحيّة شوكت المصريّ مع طارق الشناوي في ما قاله، وأضاف لـ"المونيتور": "إنّ الشعب يشعر بأنّ كلّ الحملات في التلفزيون وأفلام السينما موجّهة إرضاء للدولة، التي تتساهل في أداء دورها في حلّ مشكلات المواطنين الاقتصاديّة والاجتماعيّة بمطالبتهم بتحديد النسل. ولذلك، ذهب المواطنون إلى الاتّجاه المغاير لتلك الأفلام والحملات، ويجب أن يحظى الإعلام والسينما بالاستقلالية التامّة وأن يطمئن المواطن إلى ذلك حتّى يتمكّن من أن يثق في طرح الإعلام والسينما بخصوص قضيّة الزيادة السكانيّة وتحديد النسل".

بينما اختلف عنهما في الرأي بشكل تام أستاذ الصحافة في كليّة الإعلام بجامعة القاهرة محمود خليل، إذ قال لـ"المونيتور": "إنّ الإعلام والسينما لعبا دوراً مهمّاً في معالجة قضيّة الزيادة السكانيّة، والدليل أنّه مع توقّف حملات التوعية والأفلام الداعية إلى تنظيم الأسرة منذ نهاية التسعينيّات وبداية الألفيّة عاد معدّل الزيادة السكانيّة إلى الارتفاع، وهو ما أكّده الإحصاء الأخير. ولذلك، أطالب بضرورة التنسيق بين الدولة والإعلام وصانعي السينما لإعادة تقديم حملات توعوية تلفزيونية وأفلام سينمائيّة للتشجيع على تنظيم الأسرة ومحاربة الانفجار السكانيّ، على أن يخصّص الجانب الأكبر من تلك الحملات والأفلام لمخاطبة سكّان الريف والصعيد".