تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يجد النّقاد المتعارضون أنّ الولايات المتّحدة وروسيا مقرّبتان أكثر من اللّازم أو متباعدتان أكثر من اللازم

غطّى الرّئيسان الأميركي والرّوسي مواضيع متعدّدة – بما في ذلك النزاع في سوريا – في خلال اجتماعهما الطّويل على نحو غير المتوقّع الأسبوع الماضي، وفي حين تبقى العلاقات المستقبليّة بين البلدين غير أكيدة، اتّفق الرّجلان على الاختلاف على بعض الجبهات.
U.S. President Donald Trump meets with Russian President Vladimir Putin during the their bilateral meeting at the G20 summit in Hamburg, Germany July 7, 2017. REUTERS/Carlos Barria - RTX3AI59

موسكو – ليس في الأمر مبالغة إذا قلنا إنّ الاجتماع الأوّل بين الرّئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين كان أكثر اللّقاءات السّياسيّة المنتظرة بترقّب لهذا العام. ونظرًا إلى التّركيز السّياسي الأميركي على روسيا في خلال الأشهر الثّمانية الماضية، وطبيعة العلاقة المتوتّرة بين موسكو وواشنطن، أمل بعض المراقبين في أن يشير الاجتماع إلى بداية جديدة، في حين شعر آخرون أنّه سيكون اختبارًا حاسمًا لتحديد ما إذا كانت الدّولتان ستكملان على درب المواجهة.

إنّ بعض المشكّكين بترامب في موسكو يثقون في قدرة "الدولة العميقة" الأميركيّة أكثر ممّا يثقون في قدرة الرّئيس على تغيير الموقف الأميركي تجاه الكرملين؛ وهم يتوقّعون استمرار المواجهة. وبعض نقاد بوتين في واشنطن لديهم اعتقاد كبير بتدخّله في الانتخابات الأميركيّة وبتواطؤ روسيا مع الإدارة؛ وهم يتوقّعون أن يجد ترامب نفسه خاضعًا لـ"القيصر الرّوسي" أو مغلوبًا على يده. لذا عندما بدأ التّداول بالتّقارير الأولى حول نتائج الاجتماع – الذي دام أكثر من ساعتين بدلاً من نصف السّاعة المحدّدة – شعر عدد كبير من الأشخاص في العاصمتين أنّ توقّعاتهم دقيقة. لكن الفرق الوحيد هو أنّ المشكّكين الرّوس في ترامب، ولإثبات وجهة نظرهم، عليهم الانتظار لرؤية ما إذا كانت الاتّفاقيّات بين بوتين وترامب ستتداعى نتيجة معارضة الحكومة الأميركيّة، في حين أنّ النقاد الأميركيّين لبوتين يعتقدون أنّ لديهم بالفعل سببًا كافيًا للقلق من التّقارب الكبير بين الولايات المتّحدة وروسيا.

أمّا بالنّسبة إلى المراقبين عن كثب للاجتماع الذي جرى على هامش قمة مجموعة العشرين المنعقدة يومي 7 و8 تموز/يوليو في هامبورغ ألمانيا، فلغة الجسد بين الزّعيمين كانت جديرة بالذّكر. فقد استعمل الرّجلان إيماءات مفتوحة وتعابير لطيفة لتحية أحدهما الآخر، في محاولة لإعطاء انطباع بالمودّة والاسترخاء. إلا أنّ التواصل غير اللّفظي أشار أيضًا إلى أنّهما حافظا على تركيزهما، وهذا دليل على أنّ الاجتماع الذي يحضّران له منذ وقت طويل كان بالغ الأهميّة لكليهما. ووصف ترامب الاجتماع لاحقًا بـ"الهائل" في حين قال وزير الخارجيّة الأميركي ريكس تيلرسون إنّه لمس "تفاعلاً إيجابيًا" بين الزّعيمين.

ولدى سؤال بوتين في المؤتمر الصّحفي الختامي لقمّة العشرين عن رأيه بترامب، حرص على الثناء عليه.

فقال إنّ "ترامب الذي ترونه على التلفزيون يختلف كثيرًا عن ترامب الحقيقي. هو محاور جيّد، [يفهم] محاوره كما يجب، وهو سريع التّحليل"، كما إنّه قادر على الإجابة على الأسئلة ومعالجة مختلف المواضيع التي تطرأ أثناء المحادثات. "إذا واصلنا بناء علاقاتنا كما بدأنا يوم أمس، كلّ الأسباب متوافرة للقول إنّنا نستطيع أن نعيد ولو جزئيًا مستوى التفاعل الذي نحتاج [كلانا] إليه".

تعكس تصريحات بوتين محاولة روسيا تبنّي نهج مختلف قليلاً في التّعامل مع الرّؤساء الأميركيّين على مستوى شخصي. فطوال سنوات، افترضت موسكو أنّ "التّفاعل الشّخصي الجيّد" قد يولّد علاقات ثنائيّة فاعلة وصحيّة. لكن "رفقة" الكرملين مع الرّؤساء الأميركيّين السّابقين بيل كلينتون، وجورج دبليو بوش وباراك أوباما (في ولايته الأولى) لم تشكّل درعًا واقيًا كلّما تأذّت العلاقات – سواء أكان ثنائيًا أم دوليًا. ومع كلّ المزاعم الحاليّة بالتّواطؤ، لم تكن "مصادقة ترامب" واردة حتّى لدى الكرملين. بدلاً من ذلك، إنّ تبنّي نهج عمليّ ووديّ بدون شكّ، يخلو من أيّ تدخّلات أو تصريحات على الأمور الشّخصيّة، قد يثبت أنّه أكثر إنتاجيّة في نهاية المطاف، بحسب منطق الكرملين. وحتّى لو فشل هذا النّهج في النّهاية، هو يستحقّ المحاولة.

ناقش بوتين وترامب الأمن السيبراني، وموضوعي سوريا وأوكرانيا والتّعاون في مجال مكافحة الإرهاب. وقال وزير الخارجيّة الرّوسي سيرغي لافروف إنّ الطّرفين اتّفقا على "تسريع الإجراءات اللّازمة لتعيين السّفيرين الجديدين – السّفير الأميركي إلى روسيا والسّفير الرّوسي إلى الولايات المتّحدة". وقال مصدر في الكرملين للمونيتور إنّ "موسكو تتوقّع أن يكون السّفيران كلّ في عاصمته بحلول نهاية العام، مع أنّ القيام بذلك قد يطرح تحديًا أكبر أمام الولايات المتّحدة نظرًا إلى كلّ الإجراءات التي عليها اتّخاذها". بالإضافة إلى ذلك، من المتوقّع أن يقوم كيرت فولكر، المبعوث الأميركي لأوكرانيا المعيّن مؤخّرًا، بزيارة موسكو قريبًا للتحدّث في إطار اتّفاقيّة منسك لإنهاء القتال في أوكرانيا.

كان التدخّل الرّوسي المزعوم في الانتخابات الأميركيّة الموضوع الأكثر إثارة للجدل ربّما؛ وقال لافروف يوم 7 تموز/يوليو إنّ ترامب "قبل تأكيدات بوتين" أنّ روسيا لم تتدخّل. وعندما طُلِب منه أن يوضح ما كانت ردّة فعل ترامب بالتّحديد، قال بوتين إنّ "الرّئيس الأميركي طرح المسألة بالفعل وقام بذلك عدّة مرّات. وإنّ موقفنا معروف وقد شدّدت عليه، ما من أسس للافتراض بأنّ روسيا تدخّلت في الانتخابات الأميركيّة". وبعد الإلحاح عليه، أضاف بقوله، "شعرت أنّه فكّر مليًا في الموضوع ووافق عليه. لكن من الأفضل أن تسأله هو عن شعوره حيال الموضوع".

هذا وذكر بوتين أنّ الجزء الأهمّ من هذه المحادثة كان "اتّفاقنا على أنّ مثل هذه الحالات المشكوك فيها لا يجوز أن تحدث في هذا المجال في المستقبل. اتّفقنا على إنشاء مجموعة عمل [حول الأمن السيبراني وعلى] العمل سويًا على كيفيّة منع أيّ تدخّل في الشّؤون الدّاخليّة لدول أخرى – نحن نتحدّث عن روسيا والولايات المتّحدة. وإذا تمكّنّا من إنجاز الأمور بالشّكل المناسب، لن يكون هناك مزيد من التكهّنات حول هذه المسألة".

وقد بدا بوتين راضيًا عن إنشاء منطقة جديدة لخفض التّصعيد في جنوب غرب سوريا وعن المسار السّوري بشكل عام.

وقال بوتين، "بغضّ النّظر عن ردّة فعل أيّ شخص على الموضوع، عليّ القول إنّ هذا واحد من الإنجازات التي نجحنا في تحقيقها في مسار عملنا مع الرّئيس ترامب. وهذه نتيجة حقيقيّة لعملنا المشترك مع الولايات المتّحدة، والأردن وبعض دول المنطقة الأخرى التي انضمّت إلينا. ولقد تشاورنا مع إسرائيل وسنواصل القيام بذلك".

وقال إنّ العمل سيتواصل على مناطق أخرى لخفض التّصعيد، مع مشاركة أطراف أخرى.

"لقد تحدّثنا بهذا الشّأن بشكل مفصّل مع الرّئيس التّركي [رجب طيب أردوغان] – وهناك أمور كثيرة لا تتوقّف علينا فهي مرتبطة بدول المنطقة. للجميع مخاوفهم، وتفضيلاتهم الخاصّة، ومصالحهم المشروعة – وعلينا التّعامل معها بهذا الشّكل – لكن يجب أن نبحث عن حلول وسط. ونحن ننجح في إيجادها أحيانًا: جرى على الأقلّ وقف الأعمال العدائيّة؛ ومناطق خفض التّصعيد هي خطوة ضخمة. علينا الاتّفاق الآن حول حدودها الواضحة، وحول كيفيّة توفير الأمن في تلك المناطق. هذا العمل مضن ومملّ حتّى، لكنّه بالغ الأهميّة."

وأضاف أنّه "بفضل حسن نيّة إيران، وتركيا وطبعًا الحكومة السّوريّة، يمكننا اتّخاذ خطوات إضافيّة".

بدأ وقف إطلاق النّار الذي جرى التّفاوض بشأنه للأراضي في 9 تموز/يوليو ظهرًا بتوقيت دمشق. ووافقت الولايات المتّحدة عمليًا على أن تقوم قوّات الشّرطة العسكريّة الرّوسيّة بالحفاظ على وقف إطلاق النار في المنطقة وهذا أمر مهمّ بالنّسبة إلى موسكو بحيث يجري الاعتراف بروسيا كجزء من الحلّ ويجري تقسيم العمل بين الاثنين. ذكر لافروف أنّ الاتّفاقيّة تشمل أيضًا "ضمان الوصول الإنساني" لروسيا والولايات المتّحدة إلى المنطقة و"إقامة اتّصالات بين المعارضة في المنطقة، فضلاً عن مركز مراقبة يجري إنشاؤه في العاصمة الأردنيّة [عمان]".

وتجدر الإشارة إلى أحد تصريحات بوتين، الذي بدا أنّه غاب عن انتباه المراسلين على الرّغم من أهميّته المتعلّقة برؤية روسيا لمستقبل سوريا، وهو يتمحور حول فكرة مناطق خفض التّصعيد نفسها، فقد قال بوتين إنّ "هدفنا النهائي من مناطق خفض التّصعيد هو ضمان وحدة الأراضي في سوريا. لذا هذه المناطق هي نموذج لأراضي سوريا المستقبليّة التي يمكن أن تتعاون في ما بينها ومع دمشق. إذا تمكنّا من القيام بذلك، يمكن أن يكون لدينا أساس جيّد، وبعض الشّروط الضّروريّة، لحلّ الأزمة السّوريّة بالوسائل السّياسيّة".

قد تشير وجهة النّظر هذه إلى أنّ موسكو تعطي الأولويّة حاليًا للفيدرالية باعتبارها أفضل البدائل الممكنة لسوريا في حدودها الحاليّة. إلا أنّ الرّئيس السّوري بشار الأسد رفض الفكرة.

وفي تعليقه على تصريح تيلرسون بأنّ الولايات المتّحدة ما زالت لا ترى "دورًا على المدى البعيد لعائلة الأسد أو نظام الأسد"، قال بوتين إنّ "السّيد تيلرسون هو شخص يحظى باحترام كبير كما تعلمون وهو نال وسام الصّداقة الرّوسي، ونحن نحترمه ونحبّه، لكنّه ليس مواطنًا سوريًا. وإنّ مستقبل سوريا ومستقبل الأسد يجب أن يحدّدهما الشّعب السّوري".

وفي تطرّقه إلى جانب آخر من المعضلة السّوريّة، وهو هجوم تركي متوقّع على المناطق الكرديّة السّوريّة، قال بوتين إنّ "القضيّة الكردية هي بالفعل قضيّة كبيرة ومتعدّدة الأوجه. ولا يخفى أنّنا على اتّصال مع عدد من التّنظيمات الكرديّة".

وقال إنّ العدد الكبير من قوّات حفظ السّلام العسكريّة في سوريا لم تشهد على أيّ استعدادات تركيّة لعمليّات قتاليّة جديدة. "على العكس، نأمل أن [ينجح] عملنا الأوّلي على مناطق خفض التّصعيد، سواء أكان في إدلب أم في الشّمال، وذلك مستحيل بدون دعم من تركيا".

تشير الاتّفاقيّات بين ترامب وبوتين إلى أنّ فريقي عمل الزّعيمين يعملان بشكل وثيق على القضايا السّوريّة. ويتجلّى ذلك في قرار مناطق خفض التّصعيد، فمثل هذه القرارات تستغرق وقتًا طويلاً وتحتاج جهدًا كبيرًا للنّجاح، بخاصّة أنّه لا مفرّ من الاختلافات. والملفت أكثر حتّى هو القدرة على إبقاء العمل الجاري سريًا نسبيًا بين الأطراف، على الرّغم من التّسريبات الكثيرة والمتكرّرة هذه الأيّام. المهمّ الآن هو أن يبقى كلّ من روسيا والولايات المتّحدة واقعيًّا بشأن التّحدّيات المقبلة وأن يحافظا على الإرادة السّياسيّة بمواصلة الدّرب بغضّ النّظر عن المشاكل المحتملة. وإنّ التوقّعات في الكرملين هي عينها في الجوهر كما في البيت الأبيض: يجب أن يكون الطّرفان قادرين الآن على الالتزام بالاتّفاقيّات.