تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حفتر يضع العاصمة نصب عينيه بعد تحقيق النصر في بنغازي

انّ الإعلان عن انتصار الجيش الوطني الليبي الذي يقوده اللواء خليفة حفتر على الإسلاميين في بنغازي يعزّز من الدور الذي يمكن أن يلعبه اللواء في رسم مستقبل ليبيا.
General Khalifa Haftar, commander in the Libyan National Army (LNA), leaves after a meeting with Russian Foreign Minister Sergei Lavrov in Moscow, Russia, November 29, 2016. REUTERS/Maxim Shemetov - RTSTRWB

أعلن اللواء خليفة حفتر الانتصار الناجز على ائتلاف المسلحين الإسلاميين في بنغازي، شرق ليبيا، بعد حوالى ثلاث سنوات من المعارك التي حوّلت ثاني أكبر المدن الليبيّة إلى ركام.

بدا حفتر واثقاً من حسن سير مهمّته الآيلة إلى "تحرير" باقي [المدن] الليبيّة مما وصفه بـ "الإرهاب"، وذلك خلال خطاب النصر الذي ألقاه في 6 تموز/يوليو. الاّ أنه لم يشر إلى احتمال اشتداد المعارك غرب ليبيا، بما في ذلك العاصمة طرابلس. وتجدر الإشارة إلى أن حفتر بدأ صلحياً تجاه الخصوم العسكريين الآخرين، إذ وصف تحرير مدينة سرت من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بـ "الإنجاز الوطني" بدلاً من اعتباره لعبة، كما سبق وفعل. فعندما نجحت قوات مصراتة الخصمة، المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، بتحرير سرت من داعش في كانون الأول/ ديسمبر 2016، اعتبر حفتر هذا النصر مجرّد لعبة بين الميليشيات المختلفة.

وعندما أطلق حفتر معركته ضد الإسلاميين في العام 2014، لم يكن ليدرك أحد أن اللواء غير المعروف سيصل الى هنا، نظراً الى أن البداية كانت صعبة وقاتمة وتفتقر تقريباً إلى كل ما يلزم لإنجاح الحرب على الميليشيات الإسلامية العديدة، ومنها داعش.

ويأتي هذا النصر العسكري على خلفية الأحداث المتسارعة في المنطقة، ومنها الأزمة الخليجية بين التحالف الذي تقوده السعوديّة من جهة، والذي يضم مصر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وبين قطر من جهة أخرى. اتّهم المحور السعودي الدوحة بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار في العديد من الدول ومنها ليبيا، حيث خسر داعش معقلاً له في مدينة سرت، وحيث تمّ الآن طرد الجماعات الإسلامية جميعها تقريباً من بنغازي. ولطالما اتُهمت الدوحة بأنها الداعم الرئيسي للميليشيات الإسلامية المختلفة في ليبيا، وعلى الأخصّ في بنغازي.

تحوّلت الحرب في ليبيا منذ أوائل العام 2014 إلى حرب بالوكالة بين الدول المتنازعة على النفوذ والمصالح في مرحلة ما بعد معمّر القذافي في ليبيا. دعمت كلّ من مصر والإمارات العربيّة حفتر، الذي يحظى أيضاً بدعم البرلمان الليبي المنتخب في طبرق. أما تركيا وقطر، اللتان كان لهما دور عسكري أساسي في الإطاحة بالقذافي في عام 2011، فدعمتا مختلف الجماعات الإسلامية، بما في ذلك جماعة الإخوان الليبية.

تكمن مشكلة حفتر الأساسيّة في حكومة الوفاق الوطني في طرابلس والتي تحظى باعتراف دولي والتي أنشأها المبعوث الأممي السابق في ليبيا، برناردينو ليون، عام 2015، بعد موافقة الفصائل الليبية الرئيسية وتوقيعها الاتفاق في كانون الأول\ديسمبر 2015.

ولا يعترف حفتر بحكومة الوفاق الوطني لأنها لا يعترف به ولا بالجيش الوطني الليبي الذي يقوده ويعتبره حجر الأساس في أي جيش ليبي مستقبلي. وعلى الرغم من الاجتماع الذي التقى فيه برئيس حكومة الوفاق فايز السراج في آذار/مارس في أبوظبي، لا تزال الميليشيات غير الشرعية في طرابلس هي المسيطرة على حكومة الوفاق، بنظر حفتر. كما يرى أن حكومة الوفاق قد فشلت في تحسين الحالة المعيشية للملايين من الليبيين.

لم ينجح حفتر بدوره في كسب ثقة حكومة الوفاق الوطني، شأنها شأن العديد من أنصارها وبعض الميليشيات المسلحة غرب ليبيا. إذ ترى الأغلبية أنه يتطلّع إلى السلطة ولأن يكون الرئيس الليبي التالي، وذلك على الرغم من أنه أكّد في مناسبات عدّة أن هدفه الوحيد من القتال يكمن في جعل البلد أكثر أماناً للجميع. ويُشبّه حفتر أحياناً بمؤيّده، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي قاد الانقلاب العسكري ضد الرئيس محمد مرسي التابع لجماعة الإخوان المسلمين، واستثمر شعبيّته للفوز في الانتخابات الرئاسية المصريّة عام 2013.

أياً يكن الوضع، يُعتبر حفتر حالياً قوة لا يستهان بها، ولا يمكن النظر إليه على اعتباره اللواء الصغير الذي كان عليه قبل سنوات. إذ مكّنته شعبيته في شرق ليبيا وبعض المدن في الأجزاء الغربية والجنوبية من البلد من أن يصبح أهمّ من البرلمان المنتخب الذي يدعمه. وقد تجلى ذلك في الدور السياسي المتزايد الذي يلعبه. فقد قام بزيارة الإمارات العربية المتحدة مؤخراً، وهي إحدى الدول الاقليميّة التي تدعمه بشكل رئيسيّ. كما زاره [في ليبيا] عدد من الدبلوماسيين، كالسفير الإيطالي في ليبيا. وأشادت عدّة دول أوروبية، ومنها فرنسا، بجهود قوات حفتر في تحرير بنغازي.

بات حفتر يتمتع بوجود أقوى من ذي قبل، باعتباره لاعباً عسكرياً رئيسياً في ليبيا. إذ بات للقوات الموالية له موطئ قدم في أجزاء كثيرة من غرب ليبيا وجنوبها، بما في ذلك عاصمة الجنوب سبها، وذلك بعد أن استولت على القاعدة العسكرية الاستراتيجية في الجفرة في حزيران\يونيو 2017. وجاء التقدّم بعد مرور أسابيع قليلة على مقتل 141 شخص من المدنيين والجنود الموالين لحفتر، في هجوم مفاجئ شنّه إسلاميون متحالفون مع خصومه في بنغازي.

وعلى الرغم من اعتراف السراج بتحرير بنغازي، الاّ أنه رفض تهنئة حفتر. اذ اكتفت حكومة الوفاق بإصدار بيان تهنّئ فيه سكان بنغازي على تحرير مدينتهم من الإسلاميين، من دون تسمية الجيش الوطني الليبي. وقد جعلت مواقع التواصل الاجتماعي شرق ليبيا من الأمر مشكلة، متّهمة حكومة الوفاق بالنفاق.

وفي 15 تموز/ يوليو، أعلن السراج في خطوة مفاجئة وذلك في رسالة مسجّلة بثّت على التلفزيون الوطني عن خارطة طريق تتألّف من تسع بنود لحل المأزق السياسي الحالي. تضّم البنود الرئيسية في "مبادرة السراج" — كما باتت معروفة في وسائل الإعلام — تنفيذ وقف القتال في جميع أنحاء البلد وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في آذار\مارس 2018 وعودة جميع الجماعات المسلحة إلى مقارها.

تبدو المبادرة ظاهرياً مجرد مناورة للتقدّم في غياب أي فرصة واقعية للنجاح. أولاً، يكاد يكون تنظيم انتخابات شرعية ونزيهة أمراً شبه مستحيل، في ظلّ غياب القانون في أنحاء كثيرة من البلد، ولا سيما في منطقتي تريبوليتانيا وفزان، حيث تمتلك الميليشيات نفوذاً كبيراً. كما أنه من غير المحتمل أن يكون كلّ من برلمان طبرق وحفتر مستعدين لقبول المبادرة — بمعنى أنهما يملكان الوسائل اللازمة لوقف العملية الانتخابية في شرق ليبيا، في حال إجراء الانتخابات بدون موافقتهما.

كما أنه من المستبعد جداً أن تتوقّف الأعمال العدائية لإعطاء الانتخابات فرصة الانعقاد بسلام، لأن حكومة الوفاق لا تحكم السيطرة على الميليشيات المسلحة التي تدعمها في طرابلس الكبرى، فكيف بالأحرى في بقية أنحاء البلد.

انّ الأمر برمّته الآن رهن بمقترحات المبعوث الجديد للأمم المتحدة، غسان سلامة، خلال المفاوضات. وهناك احتمال كبير أن يحصل تغيير طفيف في الاتفاق السياسي الليبي ليشمل الحقائق الجديدة على الأرض والمتعلّقة بالدعم الذي يحظى به حفتر. انّ الرجل باق هنا، وهذا هو الواقع الذي لا بدّ أن نراه كما هو.

More from Mustafa Fetouri

Recommended Articles