تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل سيبقى المظهر الخارجي سبباً للقتل في العراق؟

تتنوع جرائم القتل في العراق وتتشظى أنواعها وصورها، فمن القتل العدائي بلا أي مسوغ، وصولاً إلى الاغتيال والخطف والابتزاز، وليس انتهاءً بالقتل عبر التحريض الممنهج من الجماعات المتطرفة.
Karar_Nushi.jpg

بغداد - جريمة اغتيال الفنان المسرحي كرار نوشي ذو27 عاماً في الثالث من جولاي الحالي، واحدة من الجرائم المروعة التي يشهدها المجتمع العراقي باستمرار.

"لم يعد كرار إلى بيت عائلته ليومين، وكنا نتوقع حينها بأن ثمة اعمال مسرحية تستدعي مبيته خارج البيت، إلا أن عائلته فوجئت باتصال من دائرة الطب العدلي يدعوهم للحضور وتسلم الضحية"، هكذا يقول أحمد العراقي وهو احد الاصدقاء المقربين للضحية كرار نوشي لـ"المونيتور".

ويضيف قائلاً "حادثة اغتيال كرار شكلت صدمة مفاجئة لجميع من يعرفه ، فالضحية ليس لديه أي مشاكل مع أحد، وكان مسالماً وهادئ الطباع ومحبوب من الجميع". وبينما يعتقد أحمد بأن مظهر الضحية الخارجي كان سبباً في مقتله ، يحمل "المليشيات والجماعات الدينية المتطرفة مسؤولية ما يحدث عبر خطب تلقى عبر المنابر الدينية".

وعرف نوشي وهو طالب في كلية الفنون الجميلة في الأوساط العراقية بعد مشاركته في العديد من المسرحيات التي تعرض في بغداد بشعره الطويل الأشقر ومظهره المختلف، فيما اثار مقتله الوحشي ورمي جثته في مكب للنفايات حملة من ردود الافعال الرافضة لمثل هذه الاعمال الوحشية، ونشر بعض المدونين على صفحات التواصل الاجتماعي مقاطع فديوية لبعض رجال الدين تتضمن خطاباً، وصف بالمحرض على قتل ما يسموهم "المتشبهين بالنساء".

قصة هذا الشاب وما تعرض اليه، لم تكن إلا واحدة من عشرات الحالات التي تقع بين الفينة والاخرى، بسبب اتساع ظاهرة ارتكاب جرائم القتل دون أن يجد المجرمون يداً امنية تطالهم.

مرَّ يوم العشرين من مارس ثقيلاً على "لولو" وهو اسم وهمي، بعدما تلقى تهدياً بالتصفية من جهات مجهولة عبر الهاتف ، " لولو" هذا يصنف تحت مسمى المثليين، أو ما بات يعرف في العراق بـــ"الطنطات".

من بغداد إلى اربيل وصولاً إلى بيروت، هي الطرق التي سلكها "لولو" للنجاة بنفسه من القتل المحتوم ، الشاب المثلي الذي يبلغ من العمر 25 سنة يتهم ما يسميها، "الأصوات النشاز المحرضة على ارتكاب جرائم العنف في العراق" سيما ظاهرة قتل المثليين التي توسعت تدريجياً بفعل غياب الأمن، وخلو الشارع من المنظمات الانسانية التي يفترض أن تدافع عن حقوق مثل هذه الشرائح، هكذا بكل بساطة يقول "لولو" للمونتيور عبر الهاتف.

قد يبدو الأمر مستغرباً، لكن هذه الواقعة ليست الأولى التي يضطر فيها المدرجون على لائحة القتل على يد العصابات للهروب خارج العراق والنجاة بأنفسهم، بعد أن تعددت صور القتل ووجد القاتلون ملاذاً آمنا لارتكاب جرائمهم.

"اطلاقة ورسالة توعد بالتصفية الجسدية"، رسالة وجدها هذا الشاب موضوعة على باب منزل عائلته، رسالة سرعان مافك رموزها وهرب إلى بيروت ليجد ضالته في مكتب الأمم المتحدة توطيناً خارج العراق.

وكان العراق قد شهد مطلع العام 2008 قيام جماعات مسلحة بتعذيب بعض المثليين، بعد أن أقدمت على شكل جديد من التعذيب لا سابق له ضدهم، وهو استخدام مادة لاصقة قوية جداً توضع داخل مؤخراتهم لإغلاقها كلياً .

ويلقي عضو لجنة الدفاع البرلمانية عبد العزيز حسن باللائمة على ما يسميهم الجهات الخارجة عن القانون التي تستغل انشغال القطعات العسكرية العراقية في حربها ضد الارهاب وتعبث في امن المواطنين، وتحاول فرض سطوتها وسيطرتها على المجتمع عبر التهديد بالسلاح.

ويجزم النائب البرلماني في تصريحات لـ"المونيتور"، بعجز الحكومة من السيطرة على مثل هذه الاعمال الوحشية مالم يتم حصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفكر المتطرف ومحاكمة دعاة التشدد الديني.

ويضيف" العراق بلد متعدد الطوائف والاديان، وهذه الدعوات تصب في توسيع هوة الخلاف بين مكونات البلد" معتبراً بأن بعض هذه الجرائم يأتي بهدف "الترهيب والتخويف والتهديد ، وهي لا تقتصر على المظاهر الخارجية فقط، بل اغلبها مرتبط بأعمال ارهابية والبعض الاخر يجري بهدف الحصول على المال أو اثارة النعرات الطائفية".

وفي أول رد فعل شعبي لرفض مثل هذه الممارسات الوحشية التي يتبناها بعض الراديكاليين، نُظم مجموعة من المثقفين عقب حادثة اغتيال الفنان المسرحي في شارع المتنبي وسط بغداد، وقفة احتجاجية مستنكرة نددت باختطاف وقتل نوشي، ودعت إلى كشف ملابسات الجريمة والجهات التي تحاول فرض أجندتها على الاخرين بالقوة.

وفيما تصف الأوساط المجتمعية الجرائم التي ترتكب في العراق بانها نوعاً من سلسلة جرائم متواصلة ترتكبها القوى الظلامية وتهدف الى قمع الحريات العامة وفرض ظواهر التخويف والترهيب، ترى البرلمانية شروق العبايجي جريمة اغتيال كرار نوشي وغيره "قتلاً بشعاً لروح المدنية العراقية النقية، ومرتكبوها يحاولون ايصال رسالة للمجتمع بان ليس هناك مجالاً للحريات العامة والخاصة".

لكنها تعتقد في الوقت ذاته عبر تصريحات مقتضبة أدلت بها لـ"المونيتور"، بأن "رد المجتمع العرقي سيكون مزلزلاً ومتبرئ لكل من أرتكب جريمة بغير وجه حق".

وتتهم العبايجي عبر تصريحاتها، "جهات دينية متطرفة تسعى لإشاعة ثقافة القتل في الاوساط المجتمعية"، داعية الحكومة واجهزتها الامنية إلى "كبح جماح اولئك الذين يتخذون من الدين غطاء لأعمالهم الاجرامية وفرض سلطة الأمر الواقع على العراقيين".

وبحسب تقرير نشرته صحيفة الاوبزرفر البريطانية، في الربع الأخير من عام 2009، استناداً الى اقوال منظمة عرّفت نفسها بـ"جماعة المثليين جنسياً في العراق" ويرأسها ناشط يدعى "علي بن حلي" ومقرها لندن، ان 680 مثلياً قتلوا بين عام 2004 و2009، من بينهم 130 مثلياً ، قتلوا على يد جماعة دينية متطرفة كانت تقوم بـ"اصطياد المثليين من على شبكات التواصل الاجتماعي وغرف الشات"، ليتم استدراجهم بعدها وقتلهم.​

وأخيرا مع اندحار داعش في العراق لا يبدو أن العنف والتشدد ضد المختلفين سينتهي في العراق حيث هناك العشرات من الميليشيات ذات الاجندة الدينية تتمتع بنفوذ في المناطق المختلفة من العراق.

More from Hassan al-Shanoun

Recommended Articles