تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

طريق السّلام طويل أمام المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا

غسان سلامة، المبعوث الأممي إلى ليبيا الذي جرى تعيينه حديثًا، عليه مراجعة جميع الخطوات والسّياسات السّابقة التي اتّبعها أسلافه لتفادي تكرار أخطائهم فيما تستمرّ الحرب والفوضى بإثقال كاهل ليبيا.
Ghassan_Salame.jpg

قام أمين عام الأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس بتعيين غسان سلامة مبعوثه الخاصّ الجديد إلى ليبيا ورئيسًا لبعثة الأمم المتّحدة في البلاد، المعروفة ببعثة الأمم المتّحدة للدّعم في ليبيا. وأتى تعيينه بعد أشهر من البحث عن المرشّح المناسب.

في شهر شباط/فبراير، حاول غوتيريس تعيين سلام فياض، رئيس الوزراء الفلسطيني السّابق. لكنّ الولايات المتّحدة، وهي عضو له حقّ النّقض في مجلس الأمن الدّولي، اعترضت على هذا التّعيين، متّهمة الهيئة الدّوليّة بـ"الانحياز بشكل غير عادل لصالح السّلطة الفلسطينيّة على حساب حلفائنا في إسرائيل"، وفق ما وصفت المسألة آنذاك السّفيرة الأميركيّة لدى الأمم المتّحدة نيكي هالي.

مهمّة سلامة ليست سهلة، وحتّى الآن، فشل أربعة من أسلافه في تحقيق السّلام والمصالحة في البلد الذي تمزّقه الحرب.

مباشرة بعد اجتماعه الأوّل مع مجموعة من السّياسيّين اللّيبيّين قبل تعيينه، غرّد سلامة في 19 أيار/مايو قائلاً إنّ "ثلاثة أيام من اللّقاءات مع القادة اللّيبيّين كانت مرهقة، ولكنّني آمل أن تساعد عمليّة المصالحة الوطنيّة"، مشيرًا إلى أنّه يعرف ما سيواجهه من صعوبات.

تجدر الإشارة إلى أنّ سلامة هو ثاني شخص لبناني يتولّى هذا المنصب بعد طارق متري الذي جرّب حظّه مع اللّيبيّين بين عامي 2012 و2014، قبل أن يحلّ محلّه برناردينو ليون.

ونلفت إلى أنّ سلف سلامة، مارتن كوبلر، فشل في حمل الفصائل اللّيبيّة المتحاربة على القبول باتّفاقيّة السّلام برعاية الأمم المتّحدة التي جرى التّوقيع عليها في الصّخيرات بالمغرب في شهر كانون الأوّل/ديسمبر من العام 2015. وفي خلال ولاية ليون حصل التطوّر الهام وجرى التّوقيع على الاتفاقيّة السّياسيّة الليبيّة. وقد أنجبت هذه الاتفاقيّة حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج. ومنذ ذلك الحين، وعلى الرّغم من الدّبلوماسيّة المكوكيّة، لم يتحقّق شيء ولا يزال هناك الكثير ممّا ينبغي القيام به.

منذ سقوط الزّعيم اللّيبي معمر القذافي في 20 تشرين الأوّل/أكتوبر 2011، انقسمت ليبيا بين حكومتين متعارضتين وهيمنت عليها عشرات الميليشيات المسلّحة. ولم يشهد البلد تقدّمًا يُذكَر في ما يتعلّق بالسّلام، والمصالحة الوطنية والاستقرار الاقتصادي.

ما يضيفه سلامة إلى المنصب هو على الأرجح خبرته كوزير لبناني سابق ملمّ بصعوبة حمل الفصائل المتنازعة على الاتّفاق في ظلّ غياب حوار وطني جدّي. بالإضافة إلى ذلك، هو مفكّر عربي معروف، وأكاديمي وكاتب. وقبل شغله الوظيفة في الأمم المتّحدة، كان عميدًا مؤسّسًا لمعهد الشّؤون الدّوليّة التّابع لخليّة تفكير وجامعة "معهد الدّراسات السّياسيّة" الرّفيع المستوى في باريس.

وبعد تعيينه مبعوثًا أمميًا جديدًا، يجب أن يراجع سلامة بدقّة جهود الأمم المتّحدة السّابقة في ليبيا، وأن يحدّد الأخطاء المرتكبة في معالجة الأزمة اللّيبيّة لتجنّب تكرارها. وكان أحد الأخطاء الرّئيسيّة التي ارتكبها جميع الدّبلوماسيّين السّابقين في الأمم المتّحدة هو تهميش اثنين من اللّاعبين السّياسيّين المهمّين المحتملين: الموالون للنّظام السّابق الذين يشكّلون عددًا ضخمًا من سكّان البلاد المقسّمة إلى قبائل، وكذلك النّسيج القبلي للمجتمع اللّيبي الذي لا يمكن تهميشه إذا أردنا إفساح المجال أمام تحقيق السّلام.

ينظّم الموالون للنّظام السّابق في المنفى أنفسهم الآن ليتولّى سيف الإسلام، ابن القذافي، قيادتهم كمجموعة واحدة بعد إطلاق سراح القذافي الابن من السّجن يوم 11 حزيران/يونيو. وهذا يضيف بعدًا جديدًا إلى النّزاع، بما أنّ هذه ستكون المرّة الأولى التي يدخل فيها أحد أبناء القذافي المشهد السّياسي.

أمّا بالنّسبة إلى النّسيج القبلي في ليبيا، فأغلبيّة القبائل اللّيبيّة تمثّلها مجموعة رئيسيّة تدعى "المجلس الأعلى للقبائل والمدن اللّيبيّة" تعمل من مصر المجاورة. في الماضي، تجاهل جميع مبعوثي الأمم المتّحدة السّابقين القبائل، وهو خطأ يجب ألا يكرّره سلامة.

من المشاكل الرّئيسيّة الأخرى التي يجب أن يحاول سلامة معالجتها هي التدخّل الخارجي في الشّؤون اللّيبيّة، بخاصّة من قبل دول المنطقة. فالتدخّل في الشّؤون الدّاخليّة لم يسهم إلا في زيادة التوتّرات، ما جعل الحروب المحليّة الصّغيرة المتفرّقة أقرب إلى حرب بالوكالة بين الإمارات العربيّة المتّحدة ومصر الدّاعمتين للحكومة في طبرق، في حين تدعم تركيا، والسّودان وقطر فصائل أخرى في غرب ليبيا. ومع انسحاب قطر، قد يتمتّع المبعوث الجديد بمجال أكبر للتّصرّف.

لا يجوز أن يحاول سلامة فتح الاتّفاقيّة السّياسيّة الليبيّة لإعادة التّفاوض فيما تدعو أحزاب كثيرة إلى إعادة صياغة اتّفاق الأمم المتّحدة. في الواقع، ما يمكن إعادة التّفاوض بشأنه هي فقط بعض الموادّ المتعلّقة بدور الجيش وخفض عدد أعضاء المجلس الرّئاسي من تسعة أعضاء حاليّين إلى ثلاثة ربّما يمثّلون كلّاً من المناطق الثلاث في البلاد: تريبوليتانا في الغرب، وبرقة في الشّرق وفزان في الجنوب.

يتمتّع سلامة بعلاقات جيّدة مع فرنسا التي أدّت دورًا عسكريًا رائدًا في إسقاط نظام القذافي في العام 2011 ويشعر بالحيرة من حينها بسبب الفوضى المعقّدة التي تعيشها ليبيا. يعرفه السّياسيّون الفرنسيّون جيّدًا وتربطه علاقات قويّة بصانعي القرار ما سيساعده على مواءمة الخطط التي أعدّها مع أفكار الاتّحاد الأوروبي الأكبر في ما يتعلّق بمعالجة الأزمة اللّيبيّة.

وهو يجب أن يستفيد من حقّ النّقض الذي تتمتّع به فرنسا في مجلس الأمن الدولي من خلال الحرص على أن يخضع الذين يعرقلون العمليّة السّياسيّة للمساءلة أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة في لاهاي. ولا شكّ في أنّ تكتيك العصا والجزرة سيردع عددًا كبيرًا من التحرّكات السّلبيّة.

لا يزال قرار الأمم المتّحدة رقم 1973 الصّادر في شهر آذار/مارس 2011 ينطبق على ليبيا التي تطالب المحكمة الجنائيّة الدّوليّة بالتّحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المشتبهة والجرائم المحتملة ضدّ الإنسانيّة. لكن منذ العام 2011، لم يخضع أحد للتّحقيق على الرّغم من كلّ ما تعانيه ليبيا من حروب صغيرة وعنف.

ما من مبعوث أو وسيط أممي يملك حلّاً سحريًا، وتبقى النّتائج التي يمكن أن يتوصّل إليها سلامة محدودة. في النّهاية، يجب أن يكون السّلام خيار الفصائل اللّيبيّة المتنازعة إذا كانت تهتمّ لأمر بلادها وشعبها بقدر ما تهتّم لمصالحها السّياسيّة الخاصّة.

More from Mustafa Fetouri

Recommended Articles