تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

استفتاء كردستان العراق... أزمة متعدّدة الوجوه

يعيد الاستفتاء حول استقلال إقليم كردستان العراق المزمع إجراؤه في الخريف المقبل، الأزمة السياسيّة في الإقليم إلى الواجهة من جديد، كما أنّه يزيد من مخاوف دول الجوار المعارضة لتقسيم العراق، في وقت تحاول الحكومة العراقيّة تجنّب الصدام المباشر مع القوى الكرديّة الآن، وتترك الباب مفتوحاً أمام المفاوضات لتجاوز أسباب التوجّه نحو الاستفتاء.
Kurdish Regional Government President Masoud Barzani speaks to the media during his visits in the town of Bashiqa, after it was recaptured from the Islamic State, east of Mosul, Iraq, November 16, 2016. REUTERS/Azad Lashkari - RTX2TYYB

بغداد - أعلنت حكومة إقليم كردستان العراق في 24 أيّار/مايو أنّها أبغلت مجلس الأمن الدوليّ رسميّاً بنيّتها إجراء الاستفتاء حول استقلال الإقليم من خلال الممثّل الخاصّ للأمين العام للأمم المتّحدة في العراق يان كوبيش.

وتعمل حكومة إقليم كردستان العراق على ثلاثة مستويات من أجل إنجاز الاستفتاء على استقلال الإقليم قبل نهاية العام الجاري، ومن ثمّ تحقيق حلم الدولة الكرديّة الذي تلتقي فيه جميع الأطراف الكرديّة.

المستوى الأوّل هو تصفير الأزمات الداخليّة مع الأحزاب الكرديّة المختلفة، والثاني يتمثّل في المفاوضات مع بغداد لتأمين استقلال سلميّ وسلس، أمّا المستوى الثالث فهو تطمين القوى الإقليميّة بأنّ الاستقلال لن يؤدّي إلى أيّ أضرار في العلاقات المتشابكة في المنطقة.

وكانت حكومة الإقليم قد أعلنت في 13 نيسان/أبريل الماضي أنّ الاستفتاء سيكون في خريف العام الجاري، وكشفت عن تشكيل وفود من الحزبين الرئيسيّين في الإقليم وهما الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ والديمقراطيّ الكردستانيّ للتفاوض في هذا الخصوص مع بغداد وإيران وتركيا.

وفي ما يخصّ مفاوضات حلّ الأزمة الداخليّة في إقليم كردستان والتي بدأت في عام 2015 بانتهاء ولاية رئيس الإقليم مسعود بارزاني وتعطيل البرلمان الكرديّ وطرد رئيسه القياديّ في حركة التغيير الكرديّة يوسف محمّد من أربيل، قال عضو الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ سيروان اسماعيل لـ"المونيتور" إنّ حزبه ردّ بإيجابيّة على "مقترحات الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ، لحلّ المشاكل الداخليّة للإقليم والتي لن تكون سبباً في تعطيل الاستفتاء، لأنّه يمثّل طموحات جميع الأطراف الكرديّة. وأمّا في ما يخصّ حركة التغيير التي عارضت المشاركة في لجنة تنظيم الاستفتاء، فإنّها تشكيل سياسيّ صغير لن يؤثّر موقفه على الإجماع الكرديّ".

وأضاف: "نعتقد أنّ الاستفتاء سيتمّ تحت أيّ ظرف، مع أنّنا لا نريده أن يتمّ من دون مواقفة بغداد، وهذا ما قمنا بشرحه للحكومة المركزيّة التي لم تبيّن أيّ موقف واضح حتّى الآن".

وأشار اسماعيل إلى أنّ "الوفود الكرديّة حاولت تطمين كلّ من تركيا وإيران بأنّ الاستقلال لن يشكّل خطراً على مصالحها أو يؤثّر على الأقلّيّات الكرديّة فيها، كما سنسعى خلال الفترة المقبلة إلى نيل مباركة القوى العالميّة الأخرى".

إلّا أنّ الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ بزعامة رئيس الجمهوريّة السابق جلال طالباني يشترط أوّلاً تحقيق ما أسماه "خارطة طريق" لحلّ مشاكل الإقليم تتضمّن 12 بنداً يتعلّق أهمّها بـ"العلاقات بين الأحزاب السياسيّة في الإقليم، خصوصاً بين حزبي الاتّحاد الوطنيّ والديمقراطيّ، والاتّحاد مع حركة التغيير، وإيجاد الحلول للمشاكل العالقة بين الإقليم والمركز، إلى جانب الاستعداد لكلّ الاحتمالات لمرحلة ما بعد "داعش"".

وقال عضو الاتّحاد الوطنيّ فرهاد قادر لـ"المونيتور" إنّ "الحزب يؤيّد الاستفتاء مع ضرورة تصفير المشاكل في الإقليم وإعادة تفعيل البرلمان المعطّل الذي يجب أن يصادق على نتائج الاستفتاء وفق خارطة الحلّ التي أعلنها الحزب قبل أسابيع".

وأشار قادر إلى أنّ حزبه في صدد "تفعيل اتّفاق مسبق مع حركة التغيير لتوحيد المواقف في شأن المشاكل الداخليّة في الإقليم ومع الحكومة المركزيّة في بغداد". وأضاف: "ما يهمّنا هو موقف بغداد التي يجب عليها تقبّل الحقّ الدستوريّ والقانونيّ للإقليم بإجراء الاستفتاء".

في هذه الأثناء، تبدو الحكومة المركزيّة برئاسة حيدر العبادي غير مستعدّة حتّى الآن لإعلان موقف صريح من مشروع الاستفتاء الكرديّ على الاستقلال، وأبرز ما رشّح عنها هو ما نقله النائب عن التحالف الكردستانيّ عرفات كرم في 25 أيّار/مايو 2017، قائلاً: "حكومة الإقليم فاتحت رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي بالأمر في شكل غير رسميّ، فضلاً عن رئيس التحالف الوطنيّ عمّار الحكيم لكنّهما وعدا بحلّ المشاكل وأكّدا جدّيّتهما فيها وطلبا تأجيل الاستفتاء إلى إشعار آخر".

ويفهم من موقف العبادي الذي يتحرّك وفق توازنات دقيقة ومعقّدة للغاية، أنّه لا يريد أزمة جديدة مع الأكراد حول موضوع الاستفتاء في الوقت الراهن، وقبل انتهاء الحرب مع تنظيم "داعش" التي تنسّق فيها القوّات العراقيّة مع قوّات البيشمركة الكرديّة على أعلى المستويات، كما لا يرغب في فتح جبهة مواجهة سياسيّة أخرى في توقيت يخوض حروب غير معلنة مع أطراف شيعيّة متمثّلة في القوى السياسيّة المتحالفة مع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي يسعى إلى تحقيق مشروعه في الغالبيّة السياسيّة، ويتّخذ مواقف متشدّدة من الأكراد.

وعليه، قد تراهن بغداد، التي طلما عارضت انفصال أيّ جزء من العراق، على الخلافات الداخليّة في إقليم كردستان، وربّما على الضغوط التي ستمارسها القوى الإقليميّة وخصوصاً تركيا وإيران لعرقلة خطوات الاستقلال، على الرغم من تسليم الولايات المتّحدة الأميركيّة بإمكان تحقيق الحلم الكرديّ، واعتبارها أنّ الاستقلال الكرديّ أصبح "مسألة وقت ليس إلّا"، حسب تصريح مدير الاستخبارات العسكريّة الأميركيّة فينسنت ستيوارت في 23 أيّار/مايو.

وعلى أيّ حال، فإنّ الأسابيع المقبلة ستكون حبلى بالتغيّرات، وخصوصاً إذا علمنا أنّ طهران أكّدت أنّها ستدافع عن وحدة العراق وسيادته الوطنيّة، ولن تقبل باستقلال أكراد العراق، وهو الموقف ذاته تقريباً الذي أعلنته الحكومة التركيّة سابقاً، ممّا يعني ضمناً أنّ طهران وأنقرة لن تقفا متفرّجتين على استقلال كردستان العراق، وستعملان على تعطيل المساعي الكرديّة في هذه الخصوص أو إفشالها، الأمر الذي يتماهى مع مواقف القوى السياسيّة السنّيّة والشيعيّة في بغداد المعارضة أصلاً للاستفتاء المحتمل.