تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تخويف من انتشار الإلحاد في العراق... تمهيد مبكر للحفاظ على المنجز الانتخابيّ للإسلاميّين

يواجه الملحدون واللادينيّون العراقيّون ظروفاً صعبة للغاية، في ظلّ التهديدات المستمرّة ضدّهم من قبل زعامات تيّارات الإسلام السياسيّ.
Ammar al-Hakim, leader of the Islamic Supreme Council of Iraq (ISCI), speaks during news conference with Iraqi Kurdish regional President Massoud Barzani in Baghdad, Iraq, September 29, 2016. REUTERS/Khalid al Mousily     - RTSQ39J

يتصاعد التحذير من انتشار الإلحاد في العراق وضرورة مواجهته من قبل تيّارات الإسلام السياسيّ، خوفاً من الخسارة للرصيد الاجتماعيّ للإسلاميّين، والذي من الممكن أن ينعكس واقعاً سياسيّاً في الانتخابات المقبلة المزعم إجراءها في نهاية هذا العام وبداية العام المقبل.

ففي محاضرة دينيّة–سياسيّة خلال شهر رمضان في مكتبه في بغداد، حذّر زعيم التحالف الوطنيّ ذات الأغلبيّة السياسيّة في البرلمان والحكومة العراقيّة السيّد عمّار الحكيم من شيوع ظاهرة الإلحاد، مشيراً إلى أنّ "هناك ممتعضين من تمسّك المجتمع العراقيّ بثوابته الدينيّة ومن علاقته بالله سبحانه وتعالى". ومن ثمّ، دعا الحكيم إلى "مواجهة هذه الأفكار الدخيلة (الأفكار الإلحاديّة) على المجتمع، بالفكر والضرب بيد من حديد على داعمي هذه الأفكار وتعرية الأساليب التي يعتمدونها في نشرها".

وتعدّ دعوة الحكيم مخالفة للدستور العراقيّ الذي يضمن حريّة المعتقد والتعبير عنه في بنود عدّة منه، ويجرّم التحريض ضدّ الآخرين وإكراههم على اعتناق عقيدة محدّدة أو رفض عقيدة أخرى.

وتشهد المحاضرات الدينيّة في المدن الشيعيّة في الوسط والجنوب والتي تعدّ القاعدة الرئيسيّة للأحزاب الإسلاميّة، هجوماً واسعاً خلال شهر رمضان من هذا العام ضدّ انتشار الأفكار العلمانيّة والإلحاديّة، وفي شكل عامّ الرؤية النقديّة للدين، معتبرة ذلك تحدّياً يهدّد المجتمع العراقيّ.

وكان رئيس الوزراء العراقيّ نوري المالكي، والذي يمتلك نفوذاً واسعاً لدى الفصائل العسكريّة الموالية لإيران ضمن مؤسّسة الحشد الشعبيّ، قد حذّر في 30 أيّار/مايو الماضي، من وجود مؤامرة خطيرة لإقصاء المشروع الإسلاميّ من قبل التيّارات العلمانيّة وغير الدينيّة.

وما يعني من الإلحاد في الثقافة العربيّة كما بيّنه الفيلسوف المصريّ المعاصر عبد الرحمن البدوي في كتابه "تاريخ الإلحاد"، هو أعمّ من مجرّد إنكار الله، ويشمل إنكار عدد من المعتقدات الدينيّة الرئيسيّة مثل النبوّة. ولهذا التيّار امتداد تاريخيّ واسع في تاريخ شعوب الشرق الأوسط. فالإلحاد في هذا المصطلح دائرة واسعة وضبابيّة من الأفكار والسلوكيّات المنتقدة للدين، تشمل إنكار الله واللاأدرية، وشملت في الفترة الأخيرة، وبعد ظهور التيّارات العلمانيّة على وجه التحديد، إنكار الدور السياسيّ للدين، وهذا هو الذي يتمّ التخويف منه، ويطلق عليه اسم الإلحاد من قبل تيّارات الإسلام السياسيّ.

ولذلك يتمّ عادة الترابط بين العلمانيّة والإلحاد في خطاب الإسلام السياسيّ من خلال استخدام تعبير "التيّارات والأفكار العلمانيّة الإلحاديّة"، وذلك على رؤية السيّد قطب وهو أحد مؤسّسي الإسلام السياسيّ الذي يحظى بقبول واسع لدى الإسلاميّين في العراق، بأنّ إبعاد الدين عن الحكم السياسيّ هو بمثابة إنكار الحاكميّة الإلهيّة والكفر بالله.

في بلد لم يشهد إحصاء سكّانيّاً وطنيّاً منذ ثلاثة عقود، لا يمكن تقديم أعداد رسميّة للمنتمين إلى مختلف المعتقدات فيه، خصوصاً إن كان الحديث عن معتقدات محرّمة في مجتمع محافظ ينظر بازدراء إلى أصحاب تلك المعتقدات، وهم في معرض تهديد من قبل المجموعات العسكريّة بل وحتّى الزعماء السياسيّين الذين يطالبون بالضرب "بيد من حديد" عليهم.

ولكنّ تقارير استقصائيّة أجريت بعد اكتساح "داعش" للأراضيّ العراقيّة تظهر أنّ نسبة المشكّكين في المعتقدات الإسلاميّة أو الرافضين للدين الإسلاميّ في تصاعد كبير بسبب خيبة الأمل الناتجة عن الصورة السلبيّة التي قدّمتها الجماعات المتطرّفة عن الدين الإسلاميّ. وقد أظهرت تقارير سابقة أجريت في عام 2011 أنّ نسبة المنكرين لوجود الربّ قد بلغت 7%، بينما بلغت نسبة المشكّكين أعداداً أكبر من ذلك بكثير، حيث أجاب فقط 67% بنعم عن السؤال: "هل تعتقد بوجود الله"؟

وبالفعل يشاهد المتابع للمكتبات في شارع المتنبّي في بغداد، والذي يمثّل مركز بيع الكتب في العاصمة العراقيّة، توافر الكتب الإلحاديّة العربيّة والمترجمة، مثل مؤلّفات الملحد السعوديّ عبدالله القصيمي، والفيلسوف البريطانيّ ريتشارد دوكينز، والإقبال الكثير عليها من قبل الشباب. وحتّى في مدينة مقدّسة كالنجف وداخل المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة، شاهد "المونيتور" عدداً من طلبة العلوم الدينيّة، وتحدّث معهم، ممّن بدأ يشكّك بمعتقدات أساسيّة للدين الإسلاميّ، بل بالمبادئ الرئيسيّة للأديان على وجه العموم.

وفي طبيعة الحال، لا يتمكّن الملحدون والمشكّكون من التعبير عن معتقداتهم بحرّيّة بسبب التهديدات التي قد تواجههم من الجماعات المتطرّفة في مختلف أشكالها، بل وحتّى في شكل عامّ، من المجتمع الذي يفرض عزلة اجتماعيّة عليهم في أقلّ حدّ ممكن.

وفي حوار مع الناشط في حقوق الإنسان والكاتب العراقيّ الساخر فيصل سعيد المطر، قال إنّ الملحدين في العراق يواجهون ظروفاً صعبة للغاية في ظلّ حكومة ذات أغلبيّة للأحزاب الإسلاميّة وهيمنة الميليشيات الإسلاميّة على المجتمع. وأضاف فيصل أني بوصفي، وهو متابع لنشاطات الملحدين العراقيّين في مواقع التواصل الاجتماعيّ: "أرى تصاعد نسبة الملحدين بوضوح كبير في مختلف مناطق العراق". وقام بوصفي في الآونة الأخيرة بتأسيس منظّمة "أفكار خارج الحدود"، والمهتمّة بالدفاع عن الملحدين العراقيّين، ومساعدتهم في تنظيم أنفسهم والمطالبة بحقوقهم في العراق.

وقد اضطرّ عدد كبير من الملحدين إلى الهروب من العراق بسبب المضايقات والتهديدات. فقد واجه جمال البهادلي، وهو ملحد ناشط في مواقع التواصل الاجتماعيّ، ويدافع عن الإلحاد ويدعو إليه في شكل علنيّ، تهديدات مباشرة بالتصفية الجسديّة من قبل الميليشيات الشيعيّة في بغداد، أجبرته على مغادرة العراق في عام 2015 والهجرة إلى ألمانيا. يقول البهادلي لـ"المونيتور": "كوني ملحداً في العراق، كنت أشعر بالغبن، وكنت محروماً من أبسط الحقوق المدنيّة، وأشعر أنّ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لا يشملني أو غير سارٍ في العراق إطلاقاً".

وأخيراً أقلّ ما تدلّ عليه التصريحات المتكرّرة لزعماء التيّارات الإسلاميّة في العراق ضدّ الإلحاد والملحدين، أنّ هناك مؤشرات إلى ازدياد عددهم، ممّا يخيف الأحزاب الإسلاميّة المتسلّطة من هبوط رصيدها السياسيّ.