تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في مشهد غير مألوف.. فتيات غزيّات يقدمن "عروض فنية" لإحياء حفلات الزفاف

في مشهد غير مألوف في أوساط المجتمع الفلسطيني المحافظ، انتشرت مؤخراً في قطاع غزة فرق فنية نسائية لإحياء حفلات الزفاف المحلية، في محاولة من النساء خلق فرصة عمل لهن وتجاوز طابور البطالة الضخم في غزة من جهة، والتمرد على المجتمع الذي يحصر أداء العروض الفنية على الذكور فقط من جهة أخرى.
17191033_709025412603934_5459914705566415117_n.jpg

مدينة غزة - في مشهد غير مألوف في أوساط المجتمع الفلسطيني المحافظ، انتشرت مؤخراً في قطاع غزة فرق فنية نسائية لإحياء حفلات الزفاف المحلية، في محاولة من النساء خلق فرصة عمل لهن وتجاوز طابور البطالة الضخم في غزة من جهة، والتمرد على المجتمع الذي يحصر أداء العروض الفنية على الذكور فقط من جهة أخرى.

ووصلت نسبة بطالة الإناث في المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية إلى 44.7 بالمئة وهي ضعف نسبة بطالة الذكور التي وصلت إلى 22.2% مع نهاية عام 2016، بحسب إحصائيّة رسميّة صادرة عن الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، ونشرت في 7 مارس الحالي، بمناسبة يوم المرأة العالمي.

الشاب "محمود سالم" (23 عاماً) ينشغل في وضع ترتيبات حفل زفافه المقرر عقده في الخامس من شهر إبريل المقبل في أحد الفنادق في مدينة غزة. وإلى جانب حجزه لفرق الدبكة الشعبية والفدعوس ذات الطابع الذكوري، قرر أيضاً حجز إحدى الفرق الفنية النسائية، مشيراً إلى أن الفرق النسائية تتقاضى أجراً يوازي الأجر الذي تتقاضاه الفرق الذكورية والبالغ متوسطه نحو 250 دولاراً.

ويقول محمود لـ"المونيتور": "قررت حجز إحدى الفرق النسائية الفنية نزولاً عند رغبة والدتي التي شاهدت وأعجبت بأداء أعضاء هذه الفرقة من الفتيات في أحد حفلات الزفاف بغزة، ولكن هذا الأمر بالنسبة لي يبدو غريباً وخارجاً عن ما جرت عليه العادات".

وبحسب العادات الفلسطينية فإن حفلات الزفاف تقام للنساء والرجال بشكل منفصل، حيث ينظم العريس حفل زفاف بحضور الذكور فقط ويُزف فيه العريس فقط، وبعد ليلة من هذا الحفل ينظم العريس حفل الزفاف الرئيسي ويحضره الإناث فقط ويزف فيه العروسين سوياً.

وتقدم الفرق الفنية النسائية عروضها في حفلات الزفاف النسائية فقط، على غرار الفرق الفنية الذكورية التي تقدم عروضها في حفلات الزفاف الخاصة بالرجال.

تقول السيدة "هديل سالم" والدة محمود لـ"المونيتور" إنها بذلت جهد كبير لإقناع نجلها باستئجار إحدى فرق الفتيات لإحياء حفل زفافه، وأضافت: "المجتمع ينظر لعمل المرأة وتقاضيها أجراً مقابل تقديمها هذه العروض الفنية أمراً معيباً، لأن هذه العروض تعتمد بدرجة كبيرة على حركات الجسد، ولكن الفرق الفنية النسائية لا تخرج عن طابع هذه العادات وتحافظ على حشمة الملبس وتقدم أداءً فنياً جميلاً".

فرقة "الأكابر" الفنية، هي أشهر تلك الفرق النسائية التي تقوم بإحياء حفلات الزفاف، ورغم أن هذه الفرقة تأسست في عام 2010 كأول فرقة فنية نسائية في غزة، إلا أن شهرتها بدأت قبل سنوات قليلة فقط بسبب صعوبة تمرير فكرة تقديم الفتيات للعروض الفنية خلال حفلات الزفاف، إلى المجتمع المحلي.

تقول مديرة الفرقة هبة الهندي لـ"المونيتور"، إن فرقتها أحدثت لمسة نوعية رائعة على حفلات الزفاف وكسرت الروتين المتعارف عليه، ونالت رضا واعجاب معظم الحضور، من خلال عروضها الفنية المختلفة.

وأوضحت الهندي أن هذه العروض تبدأ بزفة العروسين حيث تصطف الفتيات العاملات في صفين إلى جانب العروسين مستخدمات السيوف والطبول، فضلاً عن تقديم استعراضات فنية مثل الدبكة الشعبية والفلكلور الشعبي، وفقرة الـ"show cake" الخاصة باستقبال كيكة العروسين داخل قاعة الأفراح، حيث تقوم الفتيات العاملات بالدوران حول الكيكة وبأيديهن السيوف وعلي نغمات الأغاني، ما تجعل الأجواء حماسية وأكثر بهجة.

وتتكون فرقة "الأكابر" الفنية من 60 فتاة عاملة تبلغ أعمارهن بين (13-23 عاماً)، حيث يمكنها إحياء عدة حفلات زفاف في اليوم الواحد، بواقع ستة فتيات في كل حفل زفاف. وتتقاضي الفرقة عن إحياء حفل الزفاف الواحد ما بين 500-1000 شيقلاً (135-270 دولاراً)، يزيد وينقص الأجر بحسب العروض المتفق عليها لتقديمها.

رغم امتناع الهندي عن الكشف عن قيمة ما تتقاضاه الفتيات من أجر، لفتت النظر إلى أنهن يتلقون رواتب شهرية جيدة جداً بالنسبة لهن ولعائلاتهن.

وتقول مديرة الفرقة إن حاجة الفتيات للعمل لديها مختلفة، فبعضهن انتسبن لممارسة موهبتهن الفنية، وأخريات انتسبن بسبب حاجتهم للمال لإكمال تعليمهم الجامعي، أو للمساعدة في إعالة أسرهن.

معين رجب أستاذ العلوم الإقتصادية في جامعة الأزهر بغزة، أكد أن المجتمع الفلسطيني يعيش في حالة اقتصادية سيئة للغاية، أبرز مظاهرها عدم قدرة رب الأسرة على توفير احتياجات أسرته، الأمر الذي دفع الفتيات لتولي دورهن لممارسة أعمال نسائية من أجل زيادة الدخل المالي للأسرة.

وقال رجب لـ"المونيتور": "مشاركة الفتيات في مثل هذه الفرق الغنائية هو أكبر من مجرد ممارسة فن أو هواية، بل هو البحث عن مصدر رزق، وتوفير المال لتغطية الاحتياجات الضرورية التي لا يستطيع رب الأسرة توفيرها وأهمها الاحتياجات التعليمية والصحية".

"رباب" (20 عاماً) هي إحدى أعضاء فرقة الأكابر الفنية، تقول هذه الفتاة التي اشترطت عدم ذكر اسمها بالكامل لـ"المونيتور" إنها رفضت الزواج وقررت الانتساب إلى هذه الفرقة لمساعدة أسرتها المكونة من سبعة أفراد على تغطية احتياجاتها الحياتية. وتقدم رباب خلال حفلات الزفاف فقرة "رقصة الزومبا"، كما تشارك في زفة العروسين وتقديم عروض الدبكة الشعبية.

وأضافت رباب: "إن هذه الموهبة الفنية نشأت لدي منذ كنت طفلة صغيرة، ومع مرور السنوات استطعت تنميتها ذاتياً، حتى أصبحت أشارك في تقديم العروض من جهة، وتدريب فتيات أخريات من جهة أخرى".

أما "نهي" (22 عاماً) التي تعمل في فرقة فنية أخرى التي رفضت أيضاً ذكر اسمها كاملاً أو ذكر اسم الفرقة التي تعمل بها، قالت لـ"المونيتور": "إن فرقتنا تحاول منافسة الفرق النسائية الأخرى من خلال تقديم رقصات غربية وشرقية، فأنا على سبيل المثال متخصصة بأداء رقصة السامبا، فيما هناك فتيات أخريات متخصصات في أداء أنواع رقص من نوع أخر مثل السالسا، وهناك فتيات متخصصات بالرقص الشرقي".

الحاجة لإكمال الدراسة الجامعية كان دافع نهى التي تدرس المحاماة للانتساب إلى هذه الفرقة الفنية، وتقول: "إن والدي غير قادر على تغطية التكاليف المالية الجامعية، لذلك أحاول اساعده من خلال هذا العمل".

ولكن الفتاة أشارت إلى أنها تواجه نظرات انتقاد من المجتمع المحيط بها رغم تأييد الأهل، لاعتبار أن كسب المال لقاء تقديم أعمال فنية تعتمد على تحريك الجسد، أمراً معيباً، مضيفةً: "إلا أنني لا أرى في ذلك عيباً، فما أقوم به يدخل البهجة والسعادة في قلوب العروسين والنساء المدعوات أيضاً".

ورغم النظرة المجتمعية السلبية تجاه ما تقدمه فرق الفتيات الفنية في حفلات الزفاف، إلا أن نهى تتجاهلها تماماً، وتقول: "إنها لن تقف عائقاً أمام مصدر رزقي، وأمام تطوير موهبتي الفنية وصولاً لتحقيق الشهرة في هذا المجال".

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles