تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف تستخدم أنقرة الضرائب لاستهداف شاربي الكحول

مع ارتفاع الضرائب على المشروبات الكحولية، استحال الراكي، المشروب الوطني في تركيا، ترفا بعيدا عن متناول العديد من الأتراك العاديين.
Raki bottles are displayed at a restaurant in Ankara September 27, 2011. Turkey is providing rich opportunities for merger specialists trawling for the next big deal, as the country's booming economy and improving corporate governance partially insulate it from a slowing global M&A market. The most popular M&A sectors have been energy, power generation and finance. But the biggest splash so far this year was made by the world's biggest spirits company, Diageo, which agreed in February to buy Turkish raki an

بلغ معدل التضخم في أسعار المستهلكين في تركيا 8.5٪ عام 2016، متجاوزا بذلك هدف الـ 5٪ الذي كانت قد حددته الحكومة. وعديدة هي العوامل التي أدت إلى هذه النتيجة، منها ارتفاع الدولار بنسبة 20٪ مقابل الليرة التركية وارتفاع أسعار المشروبات الكحولية والتبغ، وهي مواد مصنفة على أنها "مواد متعة". تجدر الإشارة إلى أن زيادة الأسعار في هذه الفئة كانت قد قاربت 32% العام الماضي، أي بزيادة 276٪ مقارنة بالتضخم العام في أسعار المستهلكين، علما أن هذه الفئة تمثل أقل من 5٪ من مجموع سلة المستهلك. وعلى الرغم من أن ارتفاع الأسعار لا يشغل سوى عدد محدود من الناس في ظل المناخ السياسي السائد في تركيا، هناك حديث عن تزايد التمييز والتعصب ضد الأتراك الذين يرفضون نمط المحافظة الذي تروج له الحكومة.

وتشير الإحصاءات إلى أن أسعار الراكي، الخمر الوطني بطعم اليانسون، قد ارتفعت العام الماضي بنسبة تجاوزت 25٪ فيما زاد سعر البيرة، المشروب الكحولي الأكثر استهلاكا من حيث الكمية، بنسبة 26٪. أما النبيذ فزاد سعره بنسبة 13٪.

إلا أن ارتفاع أسعار المشروبات الكحولية لم يقتصر على عام 2016 فمنذ أن تولى حزب العدالة والتنمية السلطة في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2002، شهدت تركيا ارتفاعا صارخا في أسعار التبغ والمشروبات الكحولية. ووفقا لأرقام المعهد التركي للإحصاء، ارتفعت أسعار المستهلك الاجمالية 181٪ من 2003 إلى 2016، فيما ارتفع سعر الراكي 500٪. نعم، هذا صحيح - 500٪ وارتفعت أسعار البيرة والنبيذ بنسبة 423٪ و 235٪ على التوالي في خلال نفس الفترة.

يبلغ الحد الأدنى للأجور في تركيا اليوم 1400 ليرة (حوالي 370 دولار)، ما يعني أن على من يتقاضون الحد الأدنى ويرغبون في شراء ليتر من الراكي تخصيص 8.5٪ من رواتبهم لشرائها. وبينما يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من لحم البقر 40 ليرة والكيلوغرام الواحد من جبن كشر 25 ليرة، يبلغ سعر لتر واحد من الراكي 117 ليرة. باختصار، تحول – أو بالأحرى تم تحويل - مشروب الراكي الذي كان سلعة متعة عادية إلى منتج فاخر بعيدا عن متناول معظم الأتراك في المجموعات ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

إن زيادة أسعار الراكي بنسبة 500٪ على مدى السنوات الـ 14 الماضية ليست سوى نتيجة إجراءات حزب العدالة والتنمية إذ إن ارتفاع الأسعار هو نتيجة ضريبة الاستهلاك المفروضة على المشروبات الكحولية وغيرها من المنتجات، علما أن 55٪ من السعر يذهب إلى ميزانية الحكومة. في عام 2016، ولدت الحكومة حوالي 8 مليار ليرة نتيجة الضرائب على مبيعات الكحول في حين وصلت عائدات الضرائب المفروضة على التبغ إلى 30 مليار ليرة، وهو ضعف الضرائب المفروضة على السيارات.

تصل الضرائب المفروضة على المشروبات الكحولية إلى 1.7٪ من إجمالي الإيرادات الضريبية. وفي حين قد لا يكون هذا الرقم مرتفع جدا، إلا أن زيادة الضرائب لا تسعى إلى زيادة الإيرادات، فالهدف الحقيقي منها هو ردع استهلاك الكحول، وخاصة الراكي، وذلك لدواع محض دينية. فبعد أن انفضح الميل الإسلامي لحزب العدالة والتنمية، بدا هذا الحزب عازما على منع استهلاك الكحول.

وقد بدأ هذا المنهاج مع الرئيس رجب طيب أردوغان في التسعينيات، عندما كان رئيسا لبلدية اسطنبول ومنع تقديم الكحول في المرافق البلدية. في تركيا الإقليمية، نمت الضغوط الاجتماعية المحافظة - أو "ضغوطات الحي" كما يسميها الأتراك – وانتشرت على نطاق واسع. فهاجم رؤساء البلديات والحكام مبيعات الكحول تارة من خلال الضغط المعنوي وطورا من خلال الإفراط في ممارسة السلطة. واختفت المشروبات الكحولية من الاستقبالات والاحتفالات، وألغي مهرجان الراكي في أضنة ومهرجان البيرة في أنطاليا.

وقد استخدم أردوغان نصا دستوريا يدعو لحماية الشباب من الإدمان كمبرر لتحركاته. في عام 2005، على سبيل المثال، قال رئيس الوزراء آنذاك: "انظروا إلى المادة 58 في الدستور. ليس من المفترض أن تعتموا مستقبل الشباب. فنحن نقوم بأداء واجب تم تعيينه للدولة لحماية الشباب من الإدمان على الكحول والمخدرات والعادات الضارة. ولا ينبغي لأحد أن ينحرف عن هذه القضية".

في خلال فترة حزب العدالة والتنمية الأولى في السلطة، بقيت معارضة الحزب الواسعة للكحول طي الكتمان، ولكن مع ازدياد شعبيته في الانتخابات اللاحقة، بدأ يتخذ تدابير تتفق صراحة مع نظرته. في يونيو / حزيران 2013، دخل قانون من تسويغ حزب العدالة والتنمية حيذ التنفيذ ليفرض سلسلة جديدة من القيود على الكحول ويمنع المحلات التجارية من بيع الكحول من الساعة العاشرة مساء وحتى الساعة السادسة صباحا. كما حظر هذا القانون جميع أشكال الإعلان والترويج للمشروبات الكحولية، فطالب المتاجر بإزالة كافة اللافتات ومنع منتجي الكحول من رعاية الأحداث ومذيعي التلفزيون من إظهار صور الكحول في الأفلام والمسلسلات والموسيقى والفيديوهات.

إن الأتراك متواضعون في احتساء الخمر مقارنة بالغربيين. ففي استطلاع 2010 بتكليف من وزارة الصحة، وجدت جامعة أنقرة هاستيب أن 23٪ فقط من الرجال الأتراك و4٪ من النساء التركيات يشربون الكحول. وتصدرت مرمرة الغربية القائمة من حيث المناطق، إذ إن 20٪ من سكانها يحتسون الخمر، تلتها منطقة إيجة مع 18.8٪ واسطنبول مع 17.6٪.

وتهيمن البيرة على سوق الكحول، إذ تشكل 90٪ من المبيعات. أما من حيث الكحول النقية - كمية الكحول في المشروبات الكحولية - فبلغ الاستهلاك السنوي في تركيا 1.55 لتر للفرد الواحد، في حين وصلت هذه النسبة إلى 10 لترات في الدول الأوروبية.

فكيف تغير استهلاك الكحول نتيجة للحظر وزيادة الضرائب وضغوطات الحي؟ تبدو النتائج مختلطة. فبحسب الإحصاءات التي أجرتها هيئة تنظيم سوق التبغ والكحول، أدت زيادة الضرائب الباهظة إلى تراجع المبيعات وخصوصا الراكي. وفي حين بلغت مبيعات الراكي 39 مليون لتر عام 2015، كانت قد وصلت إلى حوالي 44 مليون لتر في 2004، أي أنها انخفضت بنسبة 11٪. في المقابل، ارتفعت مبيعات البيرة بنسبة 12٪ ووصلت إلى 908 ملايين لتر في الفترة ذاتها. أما مبيعات النبيذ والفودكا فارتفعت في الوقت نفسه بنسبة 136٪ ووصلت الى 77 مليون ليتر.

 باختصار، نتيجة للضرائب المفروضة على المشروبات الكحولية والتي تمثل أكثر من نصف سعر الراكي و63٪ من سعر البيرة – بات مشروب الراكي بعيدا عن متناول الكثيرين واستحالت البيرة مشروب متعة مكلف جدا. من الواضح أن هذا لا يهدف إلى حماية صحة المواطنين بل هو بمثابة تدخل في نمط حياتهم. وفيما قد يصر حزب العدالة والتنمية على ادعاء العكس، يبقى واضحا أن زيادات الضرائب العالية والقيود المفروضة على المبيعات وضغوط الحي هي علامات تشدد ضد شاربي الكحول، وإن كانوا أقلية صغيرة.

More from Mustafa Sonmez

Recommended Articles