تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

آثار العراق تستقطب خبرات التنقيب الأجنبيّة من جديد

تجتذب المواقع الأثرية العراقية من جديد، بعثات التنقيب، بعد فترة غياب طويلة
Tel_Khyber_Iraq.jpg

بغداد - بوصول بعثة تنقيب بريطانيّة إلى تلّ خيبر التاريخيّ، غربيّ الناصريّة (375 كلم جنوب بغداد)، في 16 كانون الثاني/يناير من عام 2014، ضمن عقد مبرم مع الهيئة العامّة للآثار العراقيّة والجانب البريطانيّ، تنعقد آمال العراقيّين في استئناف أعمال التنقيب بنحو 17 ألف موقع، منها 1200 موقع أثريّ في محافظة ذي قار (جنوب) يعود معظمها إلى عصر فجر السلالات (2800 قبل الميلاد) والحضارات السومريّة والأكديّة والبابليّة والعصر الإسلاميّ، وحوالى 623 موقعاً أثريّاً في بابل (وسط)، ونحو 200 موقع أثريّ بعضها ما زال مطموراً تحت الأرض في محافظة كربلاء (وسط)، فيما تضمّ النجف (جنوب) 200 موقع أثريّ مكتشف، وفي حال إكمال المسوحات، سيتضاعف العدد.

وأوّل الغيث في عمل البعثة البريطانيّة، اكتشاف مدينة سكنيّة ومركز تجاريّ (مول)، فضلاً عن رقم طينيّة وأختام وقبور في مدينة أور الأثريّة وموقع تلّ خيبر في محافظة ذي قار، وهو أمر يدفع إلى تحشيد المزيد من البعثات العلميّة ونشرها في أنحاء العراق لكشف ما تخبّئه أرض بلاد الرافدين الغنيّة، وإخراج ما في باطن الأرض من كنوز أثريّة إلى النور. ويقضي قانون للآثار يرجع إلى عام 1932 بأن يسلّم المنقّبون كلّ ما يكتشفونه إلى المتحف الوطنيّ العراقيّ.

وفي حين أطلقت وزارة السياحة والآثار في عام 2015 "الحملة الوطنيّة لحماية الآثار العراقيّة"، وتتضمّن مسح المواقع الأثريّة والتراثيّة وتوثيقها وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن وجود أيّ موقع أثريّ قرب مكان سكنهم بهدف توثيقه، إلاّ أنّ ما يحول دون تحقيق ذلك، عدم توافر الظروف الأمنيّة الملائمة، لا سيّما في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم "داعش" مثل الموصل (شمال)، وقبل ذلك الرمادي (غرب) التي ما زال التنظيم يحظى بنفوذ في مناطق حولها. كما تسببّت الحروب المتتالية، التي شهدها العراق منذ بداية ثمانينيّات القرن الماضي، بغياب التنقيب المتواصل والمنهجيّ لعقود طويلة.

وإذ أكّد الناشط في مجال حماية الآثار ليث سهار خلال حديثه لـ"المونيتور" "دور الاستقرار الأمنيّ في الكشف عن الكثير من آثار العراق المدفونة في الرمال وتعزيز فرص الاستثمار في التنقيب"، قال: "إنّ ذلك سيساهم بشكل واضح في مشاركة العالم بإخراج المخفيّ من الآثار إلى نور الشمس".

أضاف: "إنّ العراق منذ عام 2003، وهو العام الذي تبدّل فيه النظام السياسيّ وانفتح بعده على العالم ثقافيّاً، نجح في جذب البعثات العلميّة من الجامعات، والمنقّبين من مختلف البلدان، لكن ليس بالعدد الكافي، إذ أنّ كثرة المواقع الأثريّة تتطلّب توسيع التعاون مع الخبرات الأجنبيّة".

ورأى أنّ "الأمر لا يحتمل التأجيل، نظراً لاستمرار أعمال سرقة الآثار من قبل المهرّبين وضياع الكثير منها، وتضرّرها بسبب الظروف البيئيّة مثل الأمطار". وبالفعل، جرفت الأمطار على التلال والمناطق الأثريّة في5 إبريل/نيسان من عام 2016 نحو 74 قطعة أثريّة تعود إلى الحقبة البابليّة في مدينة بابل الأثريّة فوق سطح الأرض.

وفي سجل النجاحات في مجال توسيع أعمال التنقيب، مباشرة البعثة الإيطاليّة بالتنقيب في 14 نيسان/إبريل من عام 2016 في تلّ البقرات (40 كلم غرب مدينة الكوت)، مركز محافظة واسط، بالتّعاون مع مفتشيّة آثار واسط وجامعة تورينو الإيطاليّة.

كما زارت بعثة من مكتب منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) في 15 كانون الأوّل/ديسمبر من عام    2016 موقع نمرود الأثريّ (جنوب شرقيّ الموصل) في محافظة نينوى شماليّ العراق، لتقييم حجم الأضرار في الموقع الأثريّ، الذي دمّره تنظيم "داعش"، منذ سيطرته على المنطقة في حزيران/يونيو من عام 2014.

كما كشف عن تصاعد وتيرة النشاط الآثاريّ، المنّقب في مفتشيّة آثار ذي قار عامر عبد الرزاق الزبيدي في اتّصال مع "المونيتور"، حيث أكّد أنّ "العراق بدأ بالفعل يستقطب البعثات الأجنبيّة للتنقيب في أرضه، لا سيّما في مناطق الوسط والجنوب بسبب استقرار الوضع الأمنيّ وتعاون الجمهور في تلك المناطق مع البعثات، ومساعدة دوائر الآثار في المحافظات".

وتحدّث عن وجود "عدد من البعثات التي تعمل الآن في محافظة ذي قار (جنوب)، وهي: الإيطاليّة في تلّ أبو طبيرة الأثريّ وتلّ زرغل، البريطانيّة في تلّ خيبر، الأميركيّة في مدينة أور الأثريّة، السلوفاكيّة في موقع أوما، والفرنسيّة في مدينة كرسو.

وأماط اللثام أيضاً عن "بعثات على أبواب توقيع عقود المباشرة بعملها، ومنها البعثة الإيطاليّة في أريدو، والألمانيّة في بادتبيرا، وكذلك البعثة الإيطاليّة في محافظة واسط بتلّ البقرات، والبعثة الألمانيّة في الوركاء في محافظة المثنى، وهناك المئات من الجامعات العالميّة والمتاحف تنتظر توقيع العقد مع الجانب العراقيّ".

وعن المشاريع والإمكانات التي سُخّرت لهذه الأعمال التنقيبيّة، أشارت رئيسة لجنة السياحة والآثار في مجلس محافظة ذي قار أجيال سلمان لـ"المونيتور" إلى أنّ "اللجنة الماليّة في مجلس النوّاب تمكّنت من استحصال الموافقات لتخصيص 90 مليار دينار عراقيّ لتطوير المناطق الأثريّة"، لافتة إلى "أنّ حصّة محافظة ذي قار ستكون الأكبر بسبب كثرة المواقع الأثريّة فيها"، داعية "خبراء الآثار والمنقّبين والمدرّسين إلى المساهمة في الكشف عن معالم الحضارات القديمة المدفونة تحت أرض العراق منذ آلاف السنين".

كما كشفت عن "خطّة عمل واعدة لتطوير المناطق الأثريّة، لا سيّما أنّ العراق سجّل قدوم أكثر من 6 آلاف سائح في الشهر خلال عام 2016 "، معتبرة "أنّ حضارة العراق تهمّ كلّ شعوب العالم لأنّها دوّنت تاريخ البشر على الأرض". ​

على العراق مهمّة تتجاوز حدود استقطاب البعثات الأجنبيّة، وهي العمل المنهجيّ على تأهيل كوادر علميّة عراقيّة تستطيع التنقيب عن الآثار وتعيد تأهيل المواقع الأثريّة بجهود "وطنيّة" وتحويلها إلى مشاريع استثمار تعرّف بحضارة العراق، وتدرّ عليه أموالاً تساهم في تعزيز قدرات التنقيب وتطوّر إمكاناته.

More from Adnan Abu Zeed