تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بعد سرقة 6 مشكاوات أثريّة... هل قرار نقل محتويات المساجد الأثريّة إلى مخازن الآثار يحميها من السرقات؟

تتعرّض الآثار الإسلاميّة إلى عمليّات سرقة وتعدّيات بين الحين والآخر، كانت آخرها سرقة 6 مشكاوات أثريّة من أصل 15، من داخل حجرة دفن الملك فؤاد الأوّل والأميرة فريال، حفيدي الأسرة العلويّة، ممّا دفع وزارة الدولة لشؤون الآثار إلى إصدار قرار بنقل القطع الموجودة داخل المساجد الأثريّة إلى المخازن التابعة إلى الوزارة، في محاولة منها للحفاظ عليها، فهل تنجح تلك الجهود في حماية الآثار الإسلاميّة في مصر؟
Muslim men attend an evening prayer called "Tarawih", during the holy fasting month of Ramadan, at the Al-Rifai Mosque in the old Islamic area of Cairo, Egypt July 2, 2016. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany - RTX2JFE9

القاهرة – في 4 كانون الثاني/يناير الجاري، أصدرت اللجنة الدائمة للآثار الإسلاميّة والقبطيّة، التابعة إلى وزارة الدولة لشؤون الآثار، قراراً بنقل القطع الأثريّة الموجودة داخل المساجد الأثريّة إلى المخازن التابعة إلى الوزارة، على أن تكون أولويّة النقل للقطع الصغيرة، التي تسهل سرقتها من اللصوص كالمشكاوات، والسجّاد الأثريّ، ومقاعد المقرئين المتنقّلة، وذلك في محاولة منها للحفاظ على المساجد الأثريّة، وحمايتها من السرقات التي تحدث لها بين الحين والآخر، وكان آخرها سرقة 6 مشكاوات أثريّة من مسجد الرفاعي في ميدان القلعة في القاهرة .

ففي الأوّل من الشهر الجاري، أعلنت وزارة الدولة لشؤون الآثار عن اختفاء 6 مشكاوات أثريّة من أصل 15، من داخل حجرة دفن الملك فؤاد الأوّل والأميرة فريال، حفيدي الأسرة العلويّة. ويعود تاريخها إلى عام 1328 هجريّاً، 1911 ميلاديّاً، وهي مصنوعة من الزجاج المموّه، وعليها رنك "ختم" الخديويّ عبّاس حلمي الثاني، وآية قرآنيّة بالخطّ المملوكيّ، ويصل ارتفاع الواحدة منها إلى 40 سنتيمتراً ويبلغ قطرها 17 سنتيمتراً.

وفي اليوم التالي مباشرة بعد عمليّة السرقة، في 2 كانون الثاني/يناير الجاري، أصدر وزير الدولة لشؤون الآثار الدكتور خالد العناني قراراً بتشكيل لجنة لجرد محتويات مسجدي الرفاعي والسلطان حسن في منطقة القلعة، ومطابقة نتيجة الجرد بالمحتويات الأصليّة المسجّلة في الوزارة، وذلك تحسّباً لقيام أيّ أشخاص باستبدال أيّ قطع أثريّة أصليّة داخل المسجد بأخرى مقلّدة. وبالتوازي مع قرار الجرد، أكّد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور مصطفى أمين اتّخاذ الإجراءات القانونيّة اللازمة كافّة للتحقيق في الواقعة، وإحالة الأمر إلى وزارة الداخليّة والنيابة العامّة لتولّي التحقيق.

ولم تكن تلك المرّة الأولى التي يتعرّض فيها مسجد الرفاعي إلى السرقة، حيث قام اللصوص في 24 تمّوز/يوليو 2012، بالسطو على مقبرة الملك فاروق، بعد تخدير العمّال القائمين على المسجد، وسرقوا محتوياتها.

وقال رئيس قطاع الآثار الإسلاميّة في وزارة الدولة لشؤون الآثار آنذاك، محسن علي إنّه تمّ الاتّفاق من قبل على إسناد حراسة المساجد الأثريّة وتأمينها إلى شركات متخصّصة تابعة إلى القوّات المسلّحة لحمايتها من السرقات والتعدّيات، وإنّه تمّ اختيار 76 مسجداً من أصل 128 مسجداً أثريّاً، يتمّ تأمينها كمرحلة أولى، ومن بينها مسجد الرفاعي، إلّا أنّ وزارة الأوقاف تباطأت في تنفيذ ما تمّ الاتّفاق عليه.

والآن، وبعد مرور ما يقارب الأربع سنوات، تعرّض المسجد إلى السرقة مرّة أخرى، في ظلّ ضعف تأمينه وحمايته .

ويعتبر مسجد الرفاعي من أهمّ المساجد الأثريّة في مصر، ويعدّ مقصداً سياحيّاً للزائرين من مختلف دول العالم، نظراً لأهميّته الأثريّة وإحتوائه على رفات عدد من الأسرة الملكيّة في القاهرة، حيث توجد في داخله 8 غرف للأضرحة "المدافن"، تتضمّن 17 ضريحاً، ولا يوجد مسجد آخر فى مصر فيه عدد الأضرحة نفسها. ويبلغ طول المسجد 98 متراً وعرضه 72 متراً، ويتميّز بالزخارف الموجودة على الجدران الخارجيّة، إضافة الى الأعمدة العملاقة الموجودة عند البوّابة الخارجيّة، والتي يصل ارتفاعها إلى 26 متراً.

وتشهد الآثار الإسلاميّة في مصر، وتحديداً المساجد الأثريّة، حالة من الفوضى والإهمال والتهميش، فضلاً عن عمليّات السرقة المستمرّة التي لم تتوقّف طيلة السنوات الماضية، خصوصاً مع تضارب المهام والاختصاصات بين وزارتي الدولة لشؤون الآثار والأوقاف، باعتبار أنّ وزارة الأوقاف مسؤولة عن المساجد في مصر. وهو ما دفع الوزير العناني إلى مخاطبة وزير الأوقاف الدكتور محمّد مختار جمعة، عقب اكتشاف واقعة السرقة مباشرة، ليطالبه بوضع حلّ لـ"التشابك" الحاصل بين الوزارتين في الإشراف على المساجد الأثريّة، من حيث كونها "أثريّة" وفي الوقت نفسه خاضعة إلى الأوقاف.

ففي 14 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، أعلن وزير الدولة لشؤون الآثار آنذاك الدكتور ممدوح الدماطي، عن سرقة 3 مشكاوات أثريّة من مخازن المتحف القوميّ للحضارة، تمّت سرقتها وعرضها للبيع في الخارج، حيث أنّ اللصوص نجحوا في سرقة المشكاوات الثلاث من مخازن المتحف ووضع أخرى مقلّدة بدلاً منها، ولم تكتشف الوزارة الواقعة إلّا بعد عرضها للبيع في الخارح.

وفي 1 حزيران/يونيو 2014، تعرّض مسجد تمراز الأحمدي الكائن في محافظة القاهرة، إلى سرقة النصّ التأسيسيّ من المنبر الأثريّ، والذي يقع فوق أبواب المنبر. ويعود تاريخ المنبر الأثريّ إلى العصر المملوكيّ الشركسيّ، حيث بناه الأمير تمراز الأحمديّ في عام 876 هجريّاً، 1472 ميلاديّاً. كما يوجد في المسجد ضريح الأمير تمراز الأحمديّ.

وفي 29 آذار/مارس من العام ذاته، نجح اللصوص في سرقة أحد الأبواب الأثريّة من المنبر الخشبيّ لمسجد تغري بردي الكائن في محافظة القاهرة، الذي يعود بناؤه إلى عام 1440 ميلاديّاً، نسبة إلي المؤرّخ والأديب الأمير تغري بردي الروميّ.

وفي 27 تشرين الأوّل/أكتوبر 2013، نجح اللصوص في سرقة حشوات نحاسيّة من الباب الرئيسيّ لجامع المؤيد شيخ".

وقال رئيس قطاع الآثار الإسلاميّة في وزارة الدولة لشؤون الآثار السعيد حلمي في تصريحات خاصّة لـ"المونيتور": "لا يخفى على أحد الحال السيء الذي وصلت إليه المساجد الأثريّة، وضعف التأمين عليها. نعترف كوزارة دولة لشؤون الآثار بذلك، وسبب ذلك أمران، أوّلهما أنّ هناك تشابكاً حقيقيّاً في المهام والاختصاصات بين وزارتي الدولة لشؤون الآثار والأوقاف، فلا بدّ من أن توكل إلى وزارة الدولة لشؤون الآثار مهام الإشراف الكامل على المساجد الأثريّة، قبل أن نحاسبها".

وأضاف: "الأمر الآخر هو أنّ خضوع هذا الكمّ الهائل من الآثار إلى حراسات الشركات المتخصّصة يكبّد الوزارة مبالغ طائلة في الوقت الذي نعاني من ركود تامّ في أوضاع السياحة، فضلاً عن الأزمات الاقتصاديّة".

وقال حلمي: "ليس معنى ذلك أن تصمت الوزارة تجاه ذلك، وإنّما نحاول قدر الإمكان الحفاظ على آثارنا وتراثنا الإنسانيّ، حيث شكّلنا لجنة لجرد القطع الأثريّة الموجودة داخل المساجد الأثريّة كافّة، تميهداً لتسجيلها في سجلّات الوزارة وبياناتها، حتّى يسهل استردادها في حال سرقتها أو حدوث تعدّيات عليها، كما أنّ الوزير العناني في صدد الوصول إلى اتّفاق مع وزارة الأوقاف لزيادة أعداد أفراد الأمن في محيط المساجد الأثريّة للتصدّي لأيّ محاولات للسرقة من الخارجين على القانون".