تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حلب في مرحلة الإجلاء بعد معارك عنيفة بقيادة روسيا

بعد ثلاث سنوات من سيطرة المعارضة على أحياء حلب الشرقيّة، دخل جيش النظام إلى حلب الشرقيّة مع الميليشيات الإيرانيّة واللبنانيّة، وانتهت المعارك باتّفاق على إجلاء السكّان كافّة نحو ريف حلب.
RTX2VE58.jpg

اسطنبول - أعلنت روسيا عن سيطرتها على غالبيّة مناطق المعارضة في شرق حلب بعد دخولها إلى الأحياء الشرقيّة، إثر الحملة العسكريّة الشرسة التي بدأت منذ 15 تشرين الثاني/نوفمبر على الأحياء الشرقيّة، والتي كان يسيطر عليها الجيش السوريّ الحرّ منذ عام 2012، والتي تتضمّن ما يقارب الربع مليون شخص مدنيّ، مستخدمة فيها مختلف أنواع الأسلحة التي سبق واستوردتها القوّات الروسيّة إلى سواحل المتوسّط في أوقات متفرّقة من هذا العام، ممهّدة للاستيلاء على حلب. وقد بلغت ذروة هذه الحملة منذ 5 كانون الأوّل/ديسمبر، وسيطر الجيش السوريّ والميليشيات الأجنبيّة معه في 7 منه على قلعة حلب القديمة، وبدأت بعدها الأحياء تتهاوى من سيطرة المعارضة.

بدأ بعض المدنيّين بالخروج من شرق حلب نحو غربها مع دخول النظام إلى حلب الشرقيّة مع التصعيد السابق، لكن بعد صدور تقارير من الأمم المتّحدة عن اختفاء العديد من المدنيّين ممّن نزحوا إلى مناطق النظام، توقّفت حالات النزوح وفضّل المدنيّون البقاء تحت القصف مع إصدار مناشدات إلى العالم بإنقاذهم، وفتح ممرّات آمنة لهم في اتّجاه أرياف حلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

مع دخول قوّات النظام والميليشيات المساندة له إلى أحياء حلب، تردّدت الأخبار حول المجازر من الناشطين في المدينة، وقد نشرت الناشطة لينا الشامي في ليلة 12 كانون الأوّل/ديسمبر على حسابها على تويتر نداء تشرح فيه المجازر في شرق حلب في حقّ المدنيّين بسبب القصف على مناطق مكتظّة بالسكّان، وطلبت من الناشطين مساندة حلب في أصعب أيّامها. وقد أعرب الأمين العامّ للأمم المتّحدة بان كي مون عن قلقه من المجازر التي تحصل في شرق حلب وأبدى تخوّفه من استمرارها.

تحدّث "المونيتور" مع علا كرمان المحاصرة في شرق حلب، ووصفت حالة السكّان بما يلي: "حالة ذعر عند الأهالي المحاصرين داخل المدينة خوفاً من خرق الهدنة من جديد، واقتحام الميليشيات الإيرانيّة المدينة وارتكابها مجازر في حقّ الموجودين من نساء وأطفال، خصوصاً بعد خرق الهدنة وتوقّف عمليّة الإجلاء لمرّات عدّة. أكثر المدنيّين يتمركزون في أحياء "المشهد، صلاح الدين"، ويجلسون في ملاجئ جماعيّة، من دون مياه وتدفئة، كما أنّ هناك العديد من الحالات الصعبة من الجرحى في المشفى الميدانيّ الوحيد في المدينة مع عدم وجود طاقم طبيّ كافٍ بعدما قتل معظم أفراده أو أصيبوا، ولكن من الجيّد أنّ القصف قد توقّف على المدينة".

كما تمكن المونيتور من الاتصال مع رائد الأحمد أحد سكان حلب والذي ينتظر بدوره الخروج من المدينة فقال عبر السكايب:

"الأوضاع هادئة حالياً في مدينة حلب لكن ومع ذلك لا يمكننا البقاء في المدينة بعد أن سيطر عليها النظام السوري والميليشيات الأجنبية لأنهم سيقومون بعمليات انتقامية ضدنا وسيقتلوننا, نعلم أننا سنخرج إلى منطقة غير آمنة نسبياً في ريف حلب أو إدلب، لكن على الأقل سنعيش فيها مع الأمل بالعودة لمدينة حلب يوماً ما."

سبق هذه السيطرة أن قام مجلس قيادة مدينة حلب (وهو هيئة معارضة للإشراف على شؤون المدينة) في 7 كانون الأوّل/ديسمبر بإطلاق مبادرة من أربع نقاط تبدأ بوقف إطلاق نار لخمسة أيّام يليها إجلاء الحالات الحرجة للجرحى، وإجلاء من يريد من المدنيّين عبر طرق آمنة، ثمّ في النهاية يمكن للمجلس أن يجلس ويفاوض على مستقبل مدينة حلب مع الأطراف المعنيّة. لم تقبل روسيا (باعتبارها الطرف الراعي للمفاوضات) بهذه المبادرة، وإنّما وافقت في 13 كانون الأوّل/ديسمبر على إجلاء كلّ من يقطن في حلب الشرقيّة إلى ريف إدلب، الأمر الذي لم تقبل به إيران وعملت على عرقلة سير عمليّة الإجلاء، وإيقاف الباصّات التي من المقرّر أن تنقل المحاصرين فدخلت إيران على الخطّ وطلبت أيضاً إجلاء مجموعات من الموجودين في كفريا والفوعة مع إجلاء مجموعة من المحاصرين في الزبداني ومضايا، فأصبحت العمليّة لا تتعلّق بحلب فقط، وإنّما بمناطق متعدّدة.

خرجت دفعات عدّة من شرق حلب في اتّجاه الريف عبر طريق حلب-دمشق، وقد تحدّث "المونيتور" إلى الصحافيّ أحمد بريمو الذي يتابع عمليّة الإجلاء منذ يومها الأوّل، وقال: "تمّ إجلاء حوالى 7000 شخص من حلب، معظمهم من المدنيّين ومن بينهم حوالى 400 حالة حرجة، وقد خرج بينهم عدد من المقاتلين الذين كان معظمهم من فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) في اليوم الثاني للإجلاء، واتّجه المقاتلون نحو فصائلهم في ريف حلب وإدلب، كما أنّ هناك عدداً من المنظّمات الإنسانيّة التي ترعى المدنيّين بعد خروجهم إلى ريف حلب مثل منظّمة ساعد، منظمة البنفسج، منظمة USSOM، وقد تعلّق الاتّفاق وتفعّل أكثر من مرّة، لما يواجه من عثرات في تطبيقه على الأرض وارتباطه بأكثر من منطقة".

هذا وقد جرت محادثات سابقة بين مجموعة من الفصائل العسكريّة المعارضة من مدينة حلب ووفد روسيّ، حيث اجتمعا في العاصمة التركيّة أنقرة في محاولة من الحكومة التركيّة لأن تصل إلى اتّفاق تسوية بين الطرفين، لكنّ الواضح أنّه لم يتمّ التوصّل إلى مخارج من هذا الاجتماع. وقد قال مصدر من المعارضة السوريّة لـ"المونيتور"، طلب عدم ذكر اسمه إنّ "الاجتماع كان يركّز على مدينة حلب، لكنّه تحدّث عن مناطق أخرى مثل الوعر في مدينة حمص لكن كان هناك تعنّت من الروس في الاجتماع، وكأنّهم لا يريدون التوصّل إلى أيّ اتّفاق مع الوفد المعارض المفاوض ويؤكّدون في شكل دائم قدرتهم على السيطرة على شرق حلب عسكريّاً".

كما قام سلاح الجوّ السوريّ باستهداف المشافي والمراكز الحيويّة في شرق حلب في شكل واسع، حتّى خرج تقرير من مدير صحّة حلب الحرّة (تنظيم أقامته المعارضة للإشراف على المرافق الصحيّة في مناطق سيطرتها) في 19 تشرين الثاني/نوفمبر يعلن فيه أنّ مشافي حلب الشرقيّة كافّة باتت خارج الخدمة بسبب الاستهداف الجويّ، على حسب ما جاء في البيان.

ويقول مدير الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان فضل عبد الغني عن الوضع الإنسانيّ في حلب، في مكالمة هاتفيّة من الدوحة كان قد أجراها معه "المونيتور" في 30 تشرين الثاني/نوفمبر خلال الحملة العسكريّة على حلب: "ما يحصل في حلب الشرقيّة جرائم عدّة متراكمة معاً، لدينا قصف عشوائيّ ومتعمّد، لا يجد أمامه أيّ محرّم ويستهدف كلّ شيء، حتّى لو كان مشفى أو مدرسة، ويشكّل ذلك جريمة حرب، وهذا القصف يتسبّب في قتل مدنيّين في شكل ممنهج من دون مراعاة أو تمييز بين الأهداف المدنيّة والعسكريّة. لدينا أيضاً جريمة حصار المدنيّين وحظر دخول المواد الإغاثيّة والطبيّة وغيرها، وما زالت قوافل الأمم المتّحدة تنتظر إذناً روسيّاً-سوريّاً. من يشارك في جريمة الحصار هو القوّات البريّة التابعة إلى النظام السوريّ، والميليشيات الشيعيّة الإيرانيّة والعراقيّة واللبنانيّة الموالية له. هذه الجرائم تمارسها قوّات النظام السوريّ والقوّات الروسيّة. برأيي، ما هو أسوأ من كلّ تلك الجرائم هو عدم إيقافها وحماية المدنيّين أوّلاً، والصمت عنها ثانياً، فلم نعد نسمع مجرّد إدانة لقصف مشفى أو مدرسة، وكأنّه أصبح أمراً اعتياديّاً".

مع سيطرة النظام السوريّ على مدينة حلب في الكامل، يكون قد حقّق نصراً كبيراً له على حساب طرد المعارضة السوريّة من أكبر مدينة من حيث السكّان والتجارة، ويكسب ورقة جديدة في المجتمع الدوليّ بأنّ مساحة سيطرة المعارضة تقلّصت ولم يعد في يدّها إلّا بعض أرياف المدن، إضافة إلى مدينة إدلب والتي يتواجد فيها العديد من الفصائل المقاتلة المختلفة التوجّهات من فصائل الجيش السوريّ الحرّ، وفصائل إسلاميّة، وتنظيم فتح الشام.