تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مهرجان يغذّي النّجاح المتزايد للسّينمائيّين الصّحراويّين

مهرجان السّينما الأبعد في العالم تضمّن عددًا من الأفلام الصّحراويّة، مشجّعًا الفنّانين الشّباب هناك وجاذبًا الانتباه إلى محنة الصّحراويّين.
fisahara.JPG

أصبحت السّينما المعروفة بالفنّ السّابع، منصّة للشّعب الصّحراوي ليشارك قصصه في مخيّمات اللّاجئين بالصّحراء، حيث يعيشون منذ أكثر من 40 عامًا.

مع حلول الغسق يوم 12 تشرين الأوّل/أكتوبر، اختلط اللّاجئون الصّحراويّون بضيوفهم من كافّة أنحاء العالم في شوارع مخيّم الدّاخلة المغبّرة بالجزائر، مستعدّين للمشاركة في حفل "غالا" التّقليدي الذي أطلق المهرجان العالمي السّنوي الثالث عشر للسّينما بالصّحراء الغربيّة، أو "في صحرا".

هذا الحدث، المعروف عنه أنّه أبعد مهرجانات السّينما في العالم، عرض عشرات الأفلام طوال أربعة أيّام ميّزها حضور قويّ للأفلام الصّحراويّة المنتجة في مدرسة للمرئي والمسموع أنشأها المهرجان منذ خمس سنوات.

عمر أحمد هو مدير معهد "عابدين قايد صالح"، وهي مدرسة للمرئي والمسموع في مخيّم بوجدور. بدأ أوّلاً بالتقاط الصّور كهواية عندما كان يعيش في "العيون" في أرض الصّحراء الغربيّة المتنازع عليها. والتحق في ما بعد بجيش جبهة البوليساريو، وهي حركة التّحرير الصّحراويّة، ليوثّق معارك العصابات التي خاضها شعبه طوال 15 عامًا بهدف الاستقلال عن المغرب.

يتذكّر أحمد أنّه كان جزءًا من مجموعة من الصّحراويّين الشّباب، بقيادة صالح، يعملون في صحيفة اسبانيّة أسّسها صالح تدعى "لا رياليداد" (الواقع). وكان هذا قبل أن يبدأ صالح مهنته كأوّل مصوّر فوتوغرافي صحراوي يغطّي حرب الصّحراء الغربيّة.

تعلّم أحمد عن السّينما عندما سافر إلى كوبا ليتخصّص في التّصوير السّينمائي في العام 1981. ثمّ عاد إلى المنطقة التي تسيطر عليها البوليساريو في العام 1983.

وقد قال للمونيتور، واصفًا شجاعة الجنود الصّحراويّين، "لا أزال أذكر تلك اللّحظات، التي بدت أشبه بفيلم روائي، عندما طارد الصّحراويّون [في سيّارات الأراضي الوعرة] الدّبّابات المغربيّة. لو لم أكن موجودًا، لما صدّقت مثل هذه المشاهد".

وبحسب أحمد، ازدهرت السّينما الصّحراويّة منذ العام 2003 عندما جرى تنظيم "في صحرا" للمرّة الأولى في مخيّم سمارة، وهو الأكبر من بين خمسة مخيّمات صحراويّة في جنوب غرب الجزائر.

وقال أحمد للمونيتور، "فتح ذلك أبوابًا لم نكن نعلم حتّى بوجودها. حصلنا على ممثّلين مشهورين جدًا لم نكن نعرفهم حتّى، وهم سلّطوا الضّوء على القضيّة الصّحراويّة، بمن فيهم "خافيير بارديم" الذي استضافته عائلة صحراويّة" في العام 2008.

بعد أن زار بارديم المخيّمات، قدّم الممثّل الاسباني فيلمًا وثائقيًا يدعى "أبناء الغيوم". ويعرض الفيلم قضيّة الصّحراء الغربيّة، وهي مستعمرة اسبانيّة سابقة، أمام جمهور أوسع، ويضمّ شهادات من عدّة شخصيّات عملوا كمسؤولين تابعين للأمم المتّحدة على القضيّة الصّحراويّة.

وهذا العام، قدّمت الممثّلة الاسبانيّة كلارا لاغو الحفل الختامي. وقالت لاغو للمونيتور إنّ المهرجان كان تجربة استثنائيّة وقد أدهشها كرم الضّيافة الذي قابلوها به.

هذا العام، نال ابراهيم شكاف جائزة الجمل الأبيض عن أفضل فيلم في "في صحرا". وقال شكاف للمونيتور إنّه لا يستطيع التّعبير عن مدى سعادته بالجائزة. وإنّ فيلمه، "لجواد"، يشرح كم يحبّ الصّحراويّون أرضهم. هي قصّة ثلاثة رجال مسنّين يعبرون حوالي 2,000 كم لزيارة الجواد، وهو جبل يمثّل إرثًا تاريخيًا للصّحراويّين.

الجواد هو كهف توجد فيه رسومات قديمة وهو مكان يبقى فيه البدو الصّحراويّون. وهو عُرِف أيضًا بأنّه مكان للجنّ الشّرير، إذ تسري بعض القصص التي تروي سماع أصوات غربية هناك في اللّيل. ويقول آخرون إنّ الأشخاص الذين عاشوا هناك اعتادوا التّفاعل مع الجنّ بطريقة عاديّة كأيّ شخص آخر من البشر.

تجدر الإشارة إلى أنّ شكاف شارك أيضًا في شهر آب/أغسطس في مهرجان السّينما الأفريقيّة بلوزان، سويسرا. ولدى سؤاله عمّا دفعه إلى اختيار هذا الفنّ، قال شكاف، "أردت أن أتعلّم كيف أجعل وضع شعبي واضحًا أمام الجميع وأمنعه من أن يصبح منسيًا".

شكاف هو من خرّيجي مدرسة أحمد، وقال أحمد إنّ تأسيس مدرسة السّينما الصّحراوية كانت أهم خطوة اتّخذها حتى الآن.

وقال، "أنا متفائل جدًّا بشأن مستقبل السّينما الصّحراويّة. لدينا حاليًا عشرات السّينمائيّين ونحن نشارك في مهرجانات السّينما الدّوليّة حول العالم".

أمّا بالنّسبة إلى طاهر مولاي الزين، وهو طالب في مدرسة السّينما، فالسينما إرث يجب أن يحافظ عليه. فقد كان والده الرّاحل مصوّرًا فوتوغرافيًا. وأثناء مراجعة أرشيف والده والنّظر إلى الصّور التي وثّقت اللّحظات التي شاركها معه والده، وقع الزين في حبّ السّينما وأدرك أنّ هذه الأخيرة لا بدّ من أن تكون جزءًا أساسيًا من حياته. وقال للمونيتور، "أدركت أنّ التّصوير في دمي ولا يمكنني أن أقاومه".

سافر الزين إلى بوجدور للسّعي وراء طموحه بأن يصبح منتجًا سينمائيًا. وبعد سنوات من العمل الشّاق في المدرسة والمنزل، بدأت مثابرته تأتي بثمارها. فقد جرى اختيار فيلمه "ذكريات في البال" لعرضه في حدث "في صحرا" هذا العام. ويركّز الفيلم على أمّ تتخيّل أنّ أمورًا سيّئة ستصيب ابنها الذي يرافق دائمًا والده، وهو لحام، إلى العمل.

وقال للمونيتور، "أردت أن أسلّط الضّوء على الحبّ الكبير الذي تكنّه الأمّ لابنها".

إلّا أنّ الزين لم يتمكّن بعد من تحويل عمله إلى مواد رقميّة لاستعمالها في مشاريع مستقبليّة.

قال عثمان محمد سالم، كبعض الطّلاب الآخرين، إنّه لم يكن يعلم حتّى بوجود مدرسة للسّينما في مخيّمات اللّاجئين الصّحراويّين إلى أن حضر "في صحرا" ورأى ورشة عمل للإنتاج.

وقال سالم للمونيتور، "أحببت الأمور التي كانوا يقومون بها وأردت أن أتعلّم، لذا توجّهت إلى المسؤول وعلمت منه أنّها دورة ممتدّة على سنتين، وقرّرت أن أتابعها".

أنتج سالم فيلمًا عن الفيضانات المدمّرة التي ضربت مخيّمات اللّاجئين الصّحراويّين منذ عام. وقد راودته هذه الفكرة عندما كان يزور مدرسة ابتدائيّة في إحدى الخيم وهبّت عاصفة رمليّة. كان الصّوت مرعبًا للغاية، وتعجّب كيف يمكن لأيّ شخص أن يدرس في ظروف مماثلة. وقد شارك فيلم سالم القصير في مهرجان هذا العام كجزء من مشروع لتشجيع الإنتاج الصّحراوي.

إنّ الاهتمام الكبير بالتّصوير السّينمائي في صفوف الشّباب دفع لافدال سالم إلى ترك وظيفته كميكانيكي ليكتشف ما سيكون عليه الحال إذا روى قصّة شعبه. وهو اختار فورًا معالجة القضايا الاجتماعيّة التي يعرّف عنها كحواجز وهميّة. وفي خلال "في صحرا" قدّم عمله، "دانييلا، الفتاة الصّحراويّة"، الذي يروي قصّة فتاة صحراويّة من ذوي الاحتياجات الخاصّة تخطّت التّحدّيات الاجتماعيّة واندمجت في المجتمع.

وقال، "أردت أن أعطي مثال هذه الفتاة كدليل على أنّ النّجاح يتوقّف على الشّخص، وليس على الأحكام المسبقة التي يطلقها الآخرون".

يبدو إذًا أنّ السينما حجزت مقعدًا لها ضمن المجتمع الصّحراوي، لكنّ عراقيل أخرى تلقي بظلالها على هذا القطاع فيما يواجه أوضاعًا ماليّة صعبة. فالتّمويل من المنظّمات غير الحكوميّة يذهب عادة إلى الحاجات الأساسيّة.

وقال أحمد للمونيتور، "مشكلتنا هي أنّ معظم المنظّمات غير الحكوميّة الموجودة هنا تعتقد أنّ الخبز وحبوب الأسبرين كافية للّاجئين". وتجد مدرسته نفسها مجبورة على العمل كمركز تدريب وإنتاج في الوقت عينه، وهو يقول إنّ هذا أمر "يصعب إنجازه في مكان واحد".

More from Habibulah Mohamed Lamin

Recommended Articles