تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إلى أي درجة المحاكم الفلسطينية مستقلة؟

أثار قرار محكمة العدل العليا الفلسطينية إرجاء الانتخابات المحلية سجالاً في أوساط الفلسطينيين، مع اتهام بعضهم السلطة القضائية بأنها تخضع للتلاعب على أيدي السلطة التنفيذية.
Palestinians walk at the headquarters of the High Court in the West Bank city of Ramallah September 8, 2016. REUTERS/Mohamad Torokman   - RTX2ON41

عندما قرّرت محكمة العدل العليا الفلسطينية في السابع من أيلول/سبتمبر الجاري تعليق الانتخابات البلدية التي كان من المزمع إجراؤها في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، أثار القرار حفيظة عدد كبير من الأشخاص. فالهيئة التشريعية الفلسطينية تعاني من الشلل منذ العام 2007 بسبب الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، وقلّة توقّعت أن يتصرّف القضاء الفلسطيني بطريقة مستقلة. وقد طرح كثرٌ السؤال البسيط: هل كان قرار المحكمة مستقلاً فعلاً أم أنها تتحرك بالنيابة عن السلطة التنفيذية؟

قال رئيس المحكمة العليا، علي غزلان، إنه لا يمكن إجراء الانتخابات في مكان وعدم إجرائها في مكان آخر، مضيفاً: "لا يمكن إجراء الانتخابات في القدس وأحيائها. فضلاً عن ذلك، هناك مشكلات في تركيبة المحاكم في غزة. ... لذلك تُقرر المحكمة تعليق الانتخابات".

وقد حمّلت كل من حركة "فتح" و"حماس" الطرف الآخر مسؤولية القرار الصادر عن المحكمة.

يشدّد ماجد العاروري، رئيس الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء، على أن المحكمة تصرفت بطريقة مستقلة، لكنه أكّد في مقابلة مع "المونيتور" أن استقلال المحاكم مهدَّد وأنها تتصدّى لضغوط شديدة: "يتعرّض القضاء الفلسطيني للتهديد من السياسيين الذين يحاولون السيطرة عليه من أجل تقنين ممارساتهم"، مضيفاً أن هذا التهديد يتعاظم في ظل الاستمرار في الامتناع عن تنظيم انتخابات عامة في فلسطين.

تابع العاروري: "يريد هؤلاء القادة فرض سيطرتهم على المحاكم من أجل انتزاع شرعية لهم من خلال السلطة القضائية".

وقد عبّر زياد أبو زياد، وهو محامٍ فلسطيني مخضرم ووزير سابق، عن آراء مماثلة في عموده الأسبوعي في صحيفة "القدس" في 11 أيلول/سبتمبر الجاري، مشدّداً على أن المحاكم تصرفت باستقلالية وأن لديها سجلاً عريقاً في إصدار قرارات مستقلة. أضاف: "في الأعوام الأخيرة، أصدرت المحكمة العليا قرارات كثيرة لم تُعجب القيادة الفلسطينية – منها إبطال قرار صادر ضد معارضين للقيادة، وإصدار أمر إلى السلطة التنفيذية بالإفراج عن صحافيين وسجناء آخرين".

لكن على الرغم من هذه الحجج، يعتقد كثرٌ أن قرار المحكمة استند في شكل أساسي إلى اعتبارات سياسية وليس قانونية. فقد اعتبر راسم عبيدات، وهو ناشط من القدس، في مقال نُشِر في صحيفة "القدس" في 11 أيلول/سبتمبر، أن القرار سياسي. وعرض عبيدات تحت عنوان "القدس ليست الشمّاعة لقراراتكم وتأجيل انتخاباتكم"، الأسباب التي تدفعه إلى الاعتقاد بأن القرار سياسي الطابع. فقد كتب: "الذرائع والمبرّرات التي ساقتها محكمة العدل العليا لتأجيلها الانتخابات، والتي هي عملية إلغاء لها، في أغلبها ليست وجيهة أو مقنعة لطفل فلسطيني، فهي تدرك تمام الإدراك، أنّ عملية التأجيل والطعون التي قُدِّمت في العملية الانتخابية، تحمل بصمات وأبعاداً سياسية، وليس إجرائية وقانونية".

انقسم الفلسطينيون الذين يشكّكون في التبرير القانوني حول الأسباب التي دفعت المحكمة إلى اتخاذ قرارها. فقد اعتبرت "حماس" أنه جرى إرجاء الانتخابات من أجل حماية محمود عباس وحركة "فتح" من خسارة أكيدة في صناديق الاقتراع.

أما المعلّقون الموالون لحركة "فتح" فرأوا من جهتهم أن المحاكم غاضبة من "حماس" ومن شطب الحركة قوائم كاملة ومنعها من الترشح في غزة، واعتبروا أن هذا هو السبب الذي دفع بالمحاكم إلى التدخّل لوقف المحاولات التي يبذلها القضاة الذين عيّنتهم "حماس" للتدخّل في الانتخابات البلدية.

تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات التي أُرجِئت هي انتخابات بلدية وليست عامة، ما يعني أنها على صلة بالخدمات المحلية أكثر منه بالمسائل السياسية الشاملة. لكن بما أنها المرة الأولى منذ العام 2007 التي تتعامل فيها حركتا "حماس" و"فتح" مع خلافاتهما في صناديق الاقتراع، كان كثرٌ يأملون بأن تكون تسوية النزاعات عن طريق الانتخابات أكثر تمدّناً إلى حد كبير. منذ العام 2007، أجريت الانتخابات البلدية مرة واحدة في الضفة الغربية في العام 2012، إنما ليس في قطاع غزة، حيث لم تُجرَ أي انتخابات منذ فوز المرشحين الموالين لـ"حماس" في الانتخابات البرلمانية في العام 2007.

لكن يبدو أن مصالحة حقيقية تقف خلف الشائعات التي يجري تداولها عن السعي إلى تحقيق اختراق ما عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية. فقد ورد في تقرير نشره موقع "مدار نيوز" الإلكتروني في 18 أيلول/سبتمبر، أن حكومة الوحدة الوطنية المقترحة سيتولّى رئاستها محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، وأن نائبه من غزة سيكون أحمد يوسف، المستشار السابق لاسماعيل هنية، وهو إسلامي معتدل نسبياً يمكن أن تتقبّله إسرائيل والغرب بسهولة.

علاوةً على ذلك، يشير التقرير إلى أن جزءاً من المصالحة يقوم على تغيير النظام الانتخابي بحيث يعطي الأفضلية للأفراد بدلاً من الأحزاب أو القوائم. ويضيف أن الاتفاق الذي يجري العمل على إبرامه سراً بين قياديين كبار في حركتَي "فتح" و"حماس" حول حكومة الوحدة والنظام الانتخابي الجديد سوف يقترح إجراء الانتخابات على دفعتَين، على أن تتم الجولة الأولى في الضفة الغربية، وتتبعها جولة ثانية في غزة في غضون ستة أشهر.

قال مصدر رفيع في الحكومة الفلسطينية لموقع "المونيتور" طالباً عدم الكشف عن هويته، إن نقاشات جدّية تجري على مستوى رفيع بين القيادة الفلسطينية و"حماس"، وإن حكومة الوحدة الوطنية التي يأتي التقرير على ذكرها هي من الفرص المتاحة لتحقيق اختراق عن طريق المصالحة.

مما لا شك فيه أن المحكمة العليا الفلسطينية حرّكت العملية السياسية المتعثّرة. ففي وقتٍ عجزت فيه السلطتان التنفيذية والتشريعية عن إحداث أي تغييرات فعلية، أظهرت السلطة القضائية أنها قادرة على تقديم مساهمة جدّية في النقاش الفلسطيني الراهن. لا يعني استقلال القضاء أنه غير مدرِك للمشهد السياسي العام؛ والهدف من تدخّله في الانتخابات البلدية هو رفع راية حمراء للتنبيه من مخاطر إجراء الانتخابات من دون حد أدنى من الاتفاق الداخلي. ليس واضحاً كيف ستردّ السلطة التنفيذية على تمنّيات المحكمة، غير أن هذه الأخيرة أظهرت استقلالية كافية لتعلن بحزم عن الحاجة إلى تحسين الأجواء السياسية قبل إجراء الانتخابات التي يبدو أن الهدف منها هو تجنّب الوحدة الوطنية بدلاً من دعمها. في هذه الحالة، أثبتت المحكمة أنها تتمتع باستقلال نسبي.

More from Daoud Kuttab

Recommended Articles