تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إنشاء الجمعيّة الأولى للرفق بالحيوان في غزّة وسط إمكانات محدودة

أنشأ المواطن سعيد العرّ (45 عاماً) في أيّار/مايو من عام 2016 الجمعيّة الأولى للرفق بالحيوانات الضالّة من أجل تقديم الرعاية الغذائيّة والصحيّة لها وحمايتها من الدهس والقتل في الطرق، في الوقت الذي ينعدم فيه الاهتمام الحكوميّ أو الرسميّ بهذه الحيوانات.
Palestinian man Saeed el-Aer (L) trains stray dogs with other boys on the property of the organisation he helped set up, the Sulala Society for Training and Caring for Animals, in Zahra, south of Gaza city July 17, 2016. Picture taken July 17, 2016. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa - RTSIUK4

مدينة غزّة، قطاع غزّة - ما أن تسدل أشعّة الشمس خيوط أشعّتها الذهبيّة عند صباح كلّ يوم في قطاع غزّة، حتّى يبدأ "سعيد العرّ" (45 عاماً) ذو الأصول البدويّة مهمّته الإنسانيّة في البحث عن القطط والكلاب الضالّة في طرق غزّة، لتقديم الطعام والرعاية الصحيّة إليها، ويصطحب منها من تحتاج لرعاية مستمرّة إلى جمعيّته المتخصّصة في رعاية الحيوانات الشاردة، والتي تعدّ الأولى من نوعها على مستوى القطاع.

وتخلو غزّة من المؤسّسات الرسميّة وغير الرسميّة المحلية منها أو الدولية المهتمّة برعاية الحيوانات الضالّة أو الرفق بها، فيما لا تعتبر تربية الحيوانات الأليفة ثقافة منتشرة بين المواطنين في غزّة، باعتبار أنّ الاعتناء بها يكبّد مبالغاً ماليّة لا يقدر المواطنون على توفيرها، في ظلّ الظروف الحياتيّة والإقتصاديّة المتردّية.

أنشأ سعيد العرّ جمعيّته، التي أطلق عليها اسم "سلالة لرعاية وتأهيل وتدريب الحيوانات" في أيّار/مايو من عام 2016 في مدينة الزهراء وسط قطاع غزّة، وقال لـ"المونيتور": "إنّ الهدف من إنشاء هذه الجمعيّة هو حماية الحيوانات الضالّة من تعرّضها للدهس في الطرق أو للقتل، وتقديم الرعاية إلى المصابة منها، فضلاً عن تشجيع سكّان غزّة على ثقافة رعاية الحيوانات والاهتمام بها".

وتحتوي الجمعيّة البالغة مساحتها 2500 متر مربّع، على مبنى صغير لتقديم الرعاية البيطريّة إلى الحيوانات، إضافة إلى مساحة فارغة مزروعة ببعض الأشجار، ويوجد بينها عدد من الأقفاص توضع الحيوانات بها.

لدى العرّ خبرة ذاتيّة كبيرة في التعامل مع الحيوانات، وقال خلال انشغاله في إطعام أحد الكلاب التي تحظى بالرعايّة في جمعيّته: "منذ طفولتي، وأنا أحب الاهتمام بالحيوانات باعتبارها كائنات ضعيفة تحتاج إلى رعاية. ولذلك، سنحت أمامي فرصة في عام 2006 للإلتحاق بدورة تدريبيّة في روسيا استمرّت تسعة أشهر متواصلة في مجال ترويض الحيوانات ومعرفة بعض أمراضها وطرق علاجها، وهذا ما جعلني خبيراً في هذا الشأن".

ولفت إلى أنّ جمعيّته تحتوي على 65 كلباً و4 قطط فقط. وعن سبب قلّة عدد القطط في جمعيّته، قال: "القطط الضالّة تحظى بمعاملة أفضل من الكلاب بالنّسبة إلى المواطنين، لأنّ ثمة اعتقاداً سائداً أنّ قتل القطّة أو تعريضها إلى الأذى يجلبان حظّاً عاثراً، وهذه السمعة لا تتمتّع بها الكلاب الضالة".

ويسمح العرّ بفتح أبواب جمعيّته أمام الزائرين لمشاهدة الكلاب والقطط بعد ترويضها، كما يسمح لأيّ مواطن باقتناء أيّ حيوان في الجمعيّة وامتلاكه من دون أيّ مقابل ماديّ، شريطة أن يقدّم الرعاية الكاملة إليه وعدم تعريضه إلى الأذى أو العنف، وقال: "نحو 25 مواطناً اقتنوا حيوانات من الجمعيّة. ومن أجل ضمان رعاية هذه الحيوانات بالشكل الأمثل، خصّصنا لجنة من العاملين في الجمعيّة لزيارة منازل أولئك المواطنين للإطمئنان إلى أوضاع هذه الحيوانات والتأكّد من رعايتها في شكل جيّد".

وأشار إلى أنّ 25 شخصاً، من بينهم 4 فتيات، يعملون كمتطوّعين في رعاية الحيوانات داخل الجمعيّة.

وفي هذا الإطار، قالت الفتاة مرام أبو جبارة (24 عاماً)، التي تزور الجمعيّة بانتظام للإطّلاع على الحيوانات التي تحتويها، لـ"المونيتور": إنّ الجمعيّة جعلتها تعيد التفكير برفضها اقتناء أيّ حيوان في منزلها.

وأشارت إلى أنّ وجود جمعيّة كهذه في غزّة يعدّ أمراً غير مألوف، وقالت: "المواطنون في غزّة يرون أنّ الاهتمام أو إيواء أحد الحيوانات في المنزل يعدّ ترفاً مبالغاً فيه، في ظلّ ارتفاع مستويات الفقر والبطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية. ولذلك، كان إنشاء هذه الجمعيّة أمراً خارجاً عن التوقّع في غزّة".

وبحسب إحصاءات الربع الثاني من عام 2016 الصادرة عن الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، فإنّ معدّل البطالة في قطاع غزّة يبلغ 41.7%، مقابل 18.3% في الضفّة الغربيّة.

وأشارت أبو جبارة إلى أنّها سمعت الكثيرين يسخرون من إنشاء هذه الجمعيّة، التي تهتمّ بتوفير الرعاية والمأوى للحيوان، في الوقت الذي لا يجد فيه الإنسان في غزّة الاهتمام والرعاية الكافية، وقالت: "صحيح أنّ هناك الآلاف ما زالوا مشرّدين بسبب الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على غزّة عام 2014، وأنّ الكثيرين لا يستطيعون السفر إلى الخارج للعلاج بسبب سياسة إغلاق معبر رفح البريّ من قبل مصر، إلاّ أنّ كلّ ذلك لا يجب أن يمنعنا من أن نكون إنسانيّين مع الحيوانات الضالّة".

وأنشأ العرّ صفحة خاصّة على موقع "فيسبوك" كوسيلة لعرض أعمال جمعيّته في رعاية الحيوانات الضالّة أمام العامّة ولتشجيعهم على اتّباع هذا السلوك. بعض المواطنين تفاعلوا مع الصفحة ونشروا صوراً لحيوانات ضالة وجدوها على الطرقات، في حين طلب مواطنون آخرون اقتناء حيوانات من الجمعيّة بعد ترويضها.

ومنذ تدشين الجمعيّة وحتّى اللّحظة، أنفق العرّ نحو 20 ألف دولار من أمواله الخاصّة لرعاية الكلاب، مشيراً إلى أنّ جمعيّته لم تحظ حتّى الآن بأيّ دعم حكوميّ أو أيّ تبرّع محليّ أو دوليّ، الأمر الذي أدّى إلى نفوق 15 كلباً كان قد جمعها من طرق غزّة، وهي في حال صحيّة سيّئة للغاية.

وعزا المدير العام للخدمات البيطريّة في وزارة الزراعة زكريا الكفارنة قلّة الاهتمام الرسميّ بإنشاء مؤسّسات لرعاية الحيوانات أو بدعم الخاصّة منها، إلى استمرار الإحتلال الإسرائيليّ للأراضي الفلسطينيّة، وقال لـ"المونيتور": "إنّ الإحتلال الإسرائيليّ يتحكّم في كلّ القطاعات الفلسطينيّة، وهذا يجعل الحكومات الفلسطينيّة المتعاقبة غير قادرة على توفير حاجات البشر من الأمن والغذاء والمأوى والعمل، قبل أن تهتمّ بحاجات الحيوانات".

وأوضح أنّ وزارته يمكن أن تساهم في دعم المشاريع الخاصّة الهادفة إلى تحقيق التنمية الحيوانيّة الغذائيّة، مثل مشاريع تربية المواشي، وقال: "أمّا عند الحديث عن دعم مشاريع رعاية الكلاب أو القطط فهذا الأمر يعتبر رفاهية لا نستطيع مجاراتها لعدم توافر الإمكانات".

ورغم هذا الواقع المؤسف، إلاّ أنّ العرّ يحلم بتطوير جمعيّته لتصبح محميّة طبيعيّة كبيرة، تضمّ أنواعاً أخرى من الحيوانات مثل الأرانب البريّة والأحصنة، وتشمل مركزاً بيطريّاً خاصّاً لعلاج الحيوانات الضالّة وحضانة للتكاثر ولإنتاج سلالات كلاب نادرة، ومصنعاً لإعداد طعام الحيوانات، ولكن من أجل تحقيق ذلك، يأمل أن ينال بعض المساعدة من المؤسّسات المهتمّة بالرفق بالحيوان في العالم.

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles