تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل غيّر الشيعة وجهة الحجّ إلى كربلاء بدل مكّة؟

تتوسّع دائرة الصراع الطائفيّ في المنطقة، لتفتح جبهة جديدة بين حين وآخر. وفي آخر التداعيات، وبعد التصعيد الإيرانيّ-السعوديّ الأخير حول إدارة الحجّ والذي أدّى إلى منع الإيرانيّين من الحجّ، تتحوّل الأماكن الإسلاميّة المقدّسة إلى موضوع جديد لإثارة الصراع الطائفيّ ونشر الكراهية بين الطوائف المسلمة.
Shiite Muslim pilgrims gather in front of the shrine of Imam Hussein, a grandson of the Prophet Mohammed, on Arafah day, referring to a prayer performed by Shiites in Saudi Arabia's Arafat plain on the second day of hajj, on September 11, 2016 in the holy city of Karbala, 80 kilometres south of the capital Baghdad. 
Barred from Mecca amid an escalating spat between Tehran and Saudi Arabia, masses of Iranian Shiite faithful have converged on the holy Iraqi city of Karbala for an alternative pilgrimage. The r

نشرت صحف سعوديّة في 15 أيلول/سبتمبر الحاليّ أنباء عن قرار دينيّ لدى الشيعة بالحجّ إلى كربلاء في العراق بدل مكّة، وذلك من خلال فتوى أطلقها المرشد الإيرانيّ علي الخامنئي بـ"جواز الحجّ إلى المراقد المقدّسة في العراق خلال العام الحاليّ في خطوة تهدف إلى تحوّل الحجّ من مكّة المكرّمة إلى كربلاء"، حسب تعبير صحيفة الرياض.

وجاء ذلك عقب هجوم الخامنئي على العائلة المالكة في السعوديّة في 7 أيلول/سبتمبر، مخاطباً إيّاها بـ"الشجرة الخبيثة الملعونة"، مطالباً بتشكيل لجنة تقصّي الحقائق حول حادثة التدافع في حجّ العام الماضي الذي أدّى إلى مقتل أكثر من 460 حاجّاً إيرانيّاً، ومندّداً بالإدارة السيّئة للحجّ من قبل المملكة العربيّة السعوديّة. وقد دعت إيران مع دول إسلاميّة أخرى العام الماضي إلى سحب إدارة الحجّ عن السعوديّة، وتفويض أمره إلى إدارة إسلاميّة مشتركة.

وقد انتشرت أنباء تغيير وجهة الحجّ لدى الشيعة في الإعلام العربيّ على نطاق واسع، وقد أخذت على محمل الجدّ، من دون أن يتمّ التقصّي عن حقيقته. وقد علّقت هيئة كبار العلماء في الأزهر، الذي يحظى باحترام واسع بين المجتمع السنيّ عالميّاً، على موضوع تغيير وجهة الحجّ لدى الشيعة، قائلة: "إنّ الحجّ له زمان ومكان معيّنان شرعاً، وإنّ أيّ زيارة خارج إطار الزمان والمكان المحدّدين شرعاً لا تعدّ من شعائره مهما أفتاه الناس (في إشارة إلى فتوى الخامنئي)، ومهما زيّن له المغرضون". هذا في حين أنّ ليس هناك أيّ فتوى أو توجيه منشورين للخامنئي حول الموضوع.

وقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط السعوديّة في 10 أيلول/سبتمبر خبر وفود مليون زائر إيرانيّ إلى كربلاء للقيام بمناسك الحجّ بدل مكّة. هذا في حين أنّ العدد الرسميّ للزوّار الإيرانيّين إلى كربلاء لا يتجاوز الـ60 ألفاً، بحسب إعلان القنصل الإيرانيّ في كربلاء. ويجدر الذكر أنّ زيارة كربلاء في يوم عرفة هو تقليد دينيّ قديم للشيعة، ولا علاقة له بموضوع الحجّ والخلاف الإيرانيّ–السعوديّ الأخير.

ما يستنتج من ذلك هو أنّ هناك وجهة جديدة للصراع الطائفيّ تتبلور في التنافس بين الأماكن المقدّسة لمختلف الطوائف الإسلاميّة. فمن جهّة، تحاول إيران من خلال نقد إدارة الحجّ والدعوة الى إدارة إسلاميّة مشتركة، أن تسحب بساط الحجّ من السعوديّة، لتضعف موقفها الدينيّ في العالم الإسلاميّ، ومن الجهّة الأخرى، تهدف السعوديّة إلى إخراج الإيرانيّين الشيعة من دائرة المسلمين، من خلال نشر فتاوى تغيير وجهة الحجّ لديهم من مكّة إلى كربلاء.

وعلى الرغم من أنّ الطرفين يستخدمان اللغة والمنطق الدينيّ في الاستدلال على مطلبهما، إلّا أنّ الصراع ينطلق في جوهره من الخلافات السياسيّة بين السلطتين الإيرانيّة والسعوديّة. فهناك استغلال واضح للأماكن المقدّسة لدى المسلمين لصالح الأجندات السياسيّة لكلّ من الطرفين في سياق التنافس الإقليميّ على السلطة السياسيّة على العالم الإسلاميّ، وعلى وجه التحديد المناطق ذات المصلحة المشتركة لهما، كالعراق وسوريا واليمن والبحرين.

ولهذا الأمر، سابقة تاريخيّة طويلة في العهود الإسلاميّة السابقة. فقد أفتى ابن شهاب الزهري (671- 741)، الفقيه المقرّب من الأمويّين بالذهاب إلى بيت المقدس لأداء مناسك الحجّ، بدل الذهاب إلى مكّة التي كانت تحت سلطة الزبيريّين المنافسين للأمويّين في الشام. وقد قام على أثر ذلك، الخليفة الأمويّ عبد الملك المروان ببناء قبّة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس ليحجّ الناس إليهما. كما أنّ القرامطة سرقوا الحجر الأسود من الكعبة ونقلوه إلى مكان غير معلوم لمدّة 22 سنة، وذلك لمنع منافسيهم العبّاسيّين من الاستمتاع بموارد الحجّ الضخمة. ولم يكن كلّ من الأطراف المذكورة من الشيعة، ولم يكن الخلاف آنذاك خلافاً طائفيّاً بين الشيعة والسنّة إطلاقاً.

واليوم في سياق مشابه، يتبادل كلّ من إيران والسعوديّة اتّهام الآخر بأنّه يسوّق الحجّ سياسيّاً لصالح أجندة توسّعيّة في المنطقة. فقد هاجم أمير مكّة ورئيس لجنة الحجّ السعوديّة خالد الفيصل في 14 أيلول/سبتمبر الحكومة الإيرانيّة لاستغلالها الحجّ لأهداف سياسيّة، قائلاً إنّ "منع تسييس الحجّ بهذا الحزم والحسم لصالح المسلمين"، وتساءل: "لو سمحنا لكلّ تيّار سياسيّ أن يرفع شعاراته ويسير مسيرات، كيف سيحجّ الناس"؟ وحذّر الإيرانيّين من القيام بالاعتداء على السعوديّة، قائلاً: "وأمّا إذا كانوا يجهزون لنا جيشاً لغزونا فنحن لسنا لقمة سائغة حتّى يجهز لنا من أراد ويحاربنا متّى أراد، نحن بعون بالله وتوفيقه، سوف نردع كلّ معتدٍ ولن نتوانى أبداً عن حماية هذه الأراضي المقدّسة وبلادنا العزيزة". وفي المقابل، قد انتشر مقطع فيديو في المواقع الايرانية، يهدد فيه المملكة السعودية بأن في حال اعتداءها على ايران، سوف يقوم الايرانيون باحتلالها وجعل مكة عاصمة لإيران.

وفي المقابل، تشتكي إيران من استغلال السعوديّة مراسيم الحجّ لنشر أجنداتها السياسيّة وقراءتها المتطرّفة للدين وترويجها، عبر نشر كتيّبات وكرّاسات تحرّض ضدّ الشيعة بلغات مختلفة خلال الحجّ، ووضعها شروطاً سياسيّة على الحجّاج الإيرانيّين مثل عدم استخدام الخطوط الجويّة الإيرانيّة للدخول إلى المملكة العربيّة السعوديّة، والقيام بتضييق الحريّات الدينيّة للحجّاج الإيرانيّين، بل الإساءة لهم من خلال البرامج الدينيّة الرسميّة. ففي العام الماضي من باب المثال، هاجم أحد أئمّة الجوامع السعوديّة الشيخ محمّد المحيسني في برنامج له في الحرم المكيّ الشيعة، قائلاً: "نسألك اللهمّ عزّاً ونصراً وتمكيناً لإخواننا المجاهدين في اليمن والشام والعراق، اللهمّ انصرهم على الرافضة (الشيعة) الملحدين، وانصرهم على اليهود الخائنين، وعلى النصارى الحاقدين". كما أنّه عبّر عن الصراع الإيرانيّ–السعوديّ بالقول: "حربنا مع إيران هي حرب سنّة وشيعة، هي حرب دين وإيمان، هي حرب طائفيّة بجدارة". ويشغر المحيسني مناصب رسميّة عدّة في المملكة. هذا إضافة إلى الفتوى الأخيرة لمفتي السعوديّة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ بتكفير الإيرانيّين الشيعة في 6 أيلول/سبتمبر من هذا العام.

وأخيراً ما يغيب عن حسابات الطرفين المتنازعين أنّ توسيع دائرة الصراع واستغلال العنصر الدينيّ فيه، سيهدّدان أمنهما الوطنيّ الداخليّ على المدى البعيد. فهناك أقليّة شيعيّة كبيرة في السعوديّة تشارك المذهب مع الإيرانيّين الشيعة، وهناك أقليّة سنيّة كبيرة في إيران تجمعها معتقدات دينيّة كثيرة مع السعوديّين السنّة.

More from Ali Mamouri

Recommended Articles