تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل الطّريق إلى موسكو ستقود أنقرة إلى دمشق؟

يقال إنّ تركيا لجأت إلى دبلوماسيّة المسار الثاني عينها في دمشق التي استعملتها للتّصالح مع موسكو.
Russian President Vladimir Putin leads the way for Turkish President Tayyip Erdogan during a news conference following their meeting in St. Petersburg, Russia, August 9, 2016.  REUTERS/Sergei Karpukhin - RTSM3BJ

بدأت مبادرات تركيا الدّبلوماسيّة لتخطّي عزلتها الطّويلة على الصّعيد الدّولي وفي الشّرق الأوسط تأتي بثمارها. بعد التّصالح مع إسرائيل وروسيا وبعث رسائل وديّة للقاهرة، يبدو أنّ أنقرة وسّعت مبادرتها إلى دمشق، لتقيس نبضها من أجل مصالحة محتملة.

اسماعيل حقي بيكين هو الاسم المرتبط بدبلوماسيّة القناة الخلفيّة في ملفّ أنقرة-دمشق. بيكين، وهو فريق متقاعد كان رئيسًا لجهاز الاستخبارات في قيادة الأركان العامّة، يشغل حاليًا منصب نائب رئيس حزب الوطن، المعروف بمحافظته على علاقات جيّدة مع نظام دمشق منذ بداية الأزمة السّوريّة. قال بيكين إنّه اضطلع بدور وساطة بعد طلب غير مباشر من حكومة أنقرة. وتحدّث مع المونيتور حول إمكانيّة تنفيذ المصالحة بين أنقرة ودمشق وأيضًا حول التّطوّرات الأخيرة بين أنقرة وموسكو.

إنّ نظيري بيكين في دمشق وموسكو بين عامي 2007 و2011، عندما كان رئيسًا للاستخبارات العسكريّة التّركيّة، لا يزالان يشغلان مناصب هامّة في عاصمتيهما. وقال بيكين إنّه سافر إلى دمشق ثلاث مرّات، في شهر كانون الثاني/يناير، ونيسان/أبريل وأيار/مايو، وهو على وشك التوجّه إلى هناك مجدّدًا مع وفد سيشمل نوابًا جدد وقدامى ورجال أعمال.

ومن بين اتّصالات بيكين في دمشق نذكر عبد الله الأحمر، أمين عام حزب البعث؛ واللّواء علي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي؛ ووزير الخارجيّة وليد المعلم؛ ونائب وزير الخارجيّة فيصل المقداد. ما الذي نتج حتّى الآن من هذه الاتّصالات غير الرّسميّة بين أنقرة ودمشق عبر وساطة بيكين؟

قال بيكين إنّ أنقرة لم تبدّل خطّها الأحمر الأكثر أهميّة – "[الرّئيس بشار] الأسد يجب أن يغادر" – وشرح توقّعات أنقرة، مفيدًا، "يجب أن يكون للسنّة، والعرب والتّركمان أصوات في التّحالف المزمع إقامته في سوريا. لا تزال حكومة أنقرة تعارض حكومة ذات غالبيّة علويّة".

وفي تلخيصه لموقف نظام دمشق في المحادثات، قال بيكين، "بالطّبع هم يرفضون رفضًا قاطعًا مطالبة تركيا بسوريا من دون الأسد. هم يقولون إنّهم مستعدّون لمناقشة جميع الخيارات لكنّهم لن يسمحوا بتقسيم البلاد، ولن يوافقوا على دولة اتّحاديّة. هم يريدون بشكل خاصّ أن توقف تركيا كلّ أشكال الدّعم لمجموعات المعارضة وأن تمنع مرور الإرهابيّين عبر الحدود".

وأشار بيكين إلى أنّه أثناء محادثاتهم، كان يتوجّه مملوك غالبًا إلى الغرفة المجاورة لإطلاع الأسد على المستجدّات. وفي خلال المحادثات في دمشق، قال بيكين إنّ رسائل أنقرة جرى نقلها بأمانة للسّوريّين بما يتّفق تمامًا مع مصالح تركيا. وقد جرت إحاطة القوّات المسلّحة التّركيّة ووزارة الخارجيّة بالمعلومات قبل اجتماعات دمشق وبعدها.

أمّا فيما يتعلق بالمصالحة بين أنقرة وموسكو، فقال بيكين إنّ قادة حزبه تلقّوا طلبًا غير مباشرًا من الحكومة لمعالجة التّوتّرات بين البلدين بعد إسقاط القوى الجويّة التّركيّة لطائرة حربيّة روسيّة العام الماضي.

وردًا على سؤال عن كيف قاموا بمقاربتهم، قال بيكين، "بعد تفاقم التوتّرات مع روسيا، زار رجال أعمال مقرّبون من حزب العدالة والتّنمية مستشارين للرّئيس ورئيس الوزراء وشرحوا كم تضرّ الأزمة مع روسيا بأعمالهم. فقال المستشارون لرجال الأعمال أن يلتقوا بدوغو بيرينسيك، رئيس حزب الوطن. وقد اعتبرنا أنّ هذه النّصيحة هي طلب غير رسمي من قبل الحكومة كي نتحرّك. فأجرينا اتّصالاتنا مع الحكومة ثمّ تواصلنا مع موسكو، وحدّدنا مواعيد وقمنا بزيارة موسكو في شهر كانون الأوّل/ديسمبر".

بيرينسيك يعرف جيّدًا ألكسندر دوغين، الممثّل الخاصّ للرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين ومستشار السّياسة الخارجيّة. وقد أقيمت الاتّصالات مع الكرملين بفضل جهود دوغين وبيكين، الذي ذهب إلى موسكو على رأس وفد من ثلاثة أشخاص. وقال بيكين إنّهم عقدوا اجتماعات في موسكو مع دوغين وقسطنطين مالوفييف، وهو رجل أعمال مقرّب من الكرملين.

وفي محادثاتهم، كانت البنود الرّئيسيّة على جدول الأعمال الخطوات التي يمكن اتّخاذها لاستئناف العلاقات بين موسكو وأنقرة، ومقاربة موسكو للأزمة السّوريّة. وقال المشاركون الرّوس في الاجتماعات لفريق حزب الوطن إنّ موسكو تتوقّع "اعتذارًا خطيًا"، وشرحوا مطالب روسيا وتوقّعاتها بشأن سوريا. وقال بيكين إنّه لدى عودتهم، أطلع أعضاء الفريق التّركي المكتب المعني في وزارة الخارجيّة على الاتّصالات التي أجروها في موسكو.

وقال بيكين إنّ المستشارين الحكوميّين طلبوا منهم في شهر أيار/مايو أن يدعوا دوغين إلى أنقرة. جرى إبلاغ دوغين بذلك، وعندما ردّ بالإيجاب، جرى إرسال الدّعوة الرّسميّة له عبر اتّحاد الإدارات المحليّة لأورآسيا، المعروف عنه قربه من الحكومة في أنقرة. وهكذا خطوا نحو استئناف العلاقات التي كانت شبه منقطعة، مع إرسال الدّعوة إلى الكرملين في 27 حزيران/يونيو.

وفي حين كان يجري اتّخاذ تدابير أخرى لاستئناف العلاقات بين تركيا وروسيا، اتّخذت موسكو أولى خطواتها غير الرّسميّة تجاه أنقرة مع وصول دوغين إلى أنقرة في 13 تموز/يوليو ولقائه مستشارين للرّئيس رجب طيب أردوغان ومستشار النظام العام والأمن محمد درويش أوغلو. وقد شكّلت سوريا موضوع النّقاش الرّئيسي في اتّصالات دوغين بأنقرة. تمحورت الرّسالة التي أوصلها دوغين للمستشارين الأتراك حول "تعاون تركيا لإيجاد حلّ في سوريا واتّخاذها خطوات ملموسة وسريعة لقطع دعمها اللوجستي السّياسي للعناصر المناهضة للنّظام في سوريا".

وبحسب ما أفاد به بيكين، عاد دوغين إلى أنقرة يوم 3 آب/أغسطس وعقد اجتماعات ثنائيّة مع مستشارين لأردوغان ورئيس الوزراء بن علي يلدريم، ومرّة أخرى، كانت سوريا الموضوع الرّئيسي.

طبعت قمّة بوتين وأردوغان في سانت بطرسبرغ يوم 9 آب/أغسطس بداية عهد جديد في العلاقات بين روسيا وتركيا. قدّم مراد يتكين، رئيس تحرير صحيفة "حريت" اليوميّة، في مقال نُشِر بتاريخ 9 آب/أغسطس، تفاصيل عن "الدّبلوماسيّة السّرّيّة" التي خفّفت من حدّة التّوتّرات بين تركيا وروسيا. وبحسب بيكين، يعتقد حزب الوطن أنّه أدّى دورًا حاسمًا في تحسين العلاقات، لكن في الكواليس الدّبلوماسيّة في أنقرة، تسري آراء بأنّ الحزب يحاول صنع اسم له من خلال المناورات السّياسيّة.

وفيما توتّرت علاقات أنقرة بالولايات المتّحدة بسبب طلب تركيا تسليم رجل الدّين فتح الله كولن، تمكّنت تركيا من إصلاح علاقاتها مع روسيا بفضل مبادرات دبلوماسيّة سريعة وحكيمة. ومباشرة قبل اجتماعه ببوتين، قال أردوغان لوكالة "ايتار تاس" إنّ "العنصر الأكثر أهميّة من أجل إحلال السّلام في سوريا هي روسيا".

ولا يمكننا الآن إلا أن ننتظر لرؤية ما إذا كانت أنقرة ستلطّف خطّها الأحمر وتعدّل الأولويّات في سياستها الخاصّة بسوريا.

More from Hale Gonultas

Recommended Articles