تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يؤدّي انتصار تركيا في جرابلس إلى مواجهة حاسمة مع الأكراد؟

هزّ دخول تركيا إلى جرابلس ومطالبتها بانسحاب القوّات الكرديّة ميزان القوى في المنطقة.
Turkish army tanks drive towards to the border in Karkamis on the Turkish-Syrian border in the southeastern Gaziantep province, Turkey, August 25, 2016. REUTERS/Umit Bektas - RTX2MYJC

قامت الحكومة التركيّة بخطوة جديدة في الحرب السوريّة، مستمرّة في مشاركتها في النزاع. لقد أصبحت مدينة جرابلس السوريّة الصغيرة، الواقعة على بعد 100 كيلومتر شمال شرق حلب و40 كيلومتراً غرب كوباني، رمز القتال ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة ("داعش"). ففي 24 آب/أغسطس، دخلتها مجموعات تابعة للجيش السوريّ الحرّ ومدربّة على يد الجيش التركيّ وأحكمت سيطرتها عليها. وكانت تلك المرّة الأولى التي يسلّم فيها مقاتلو "داعش" مدينة من دون معركة.

كانت جرابلس، قبل احتلال "داعش" لها، تضمّ مئة ألف نسمة. غادرت قوّات النظام السوريّ المدينة، وسيطرت عليها مجموعات تابعة للجيش السوريّ الحرّ في 15 تموز/يوليو 2012. وبعد ذلك، أحكمت جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة سيطرتها عليها بدعم من الحكومة التركيّة. فأُجبر 10 آلاف كرديّ على الرحيل، وتمّت مصادرة منازلهم. وسلّمت جبهة النصرة المدينة إلى "داعش" في 14 كانون الأول/ديسمبر 2014. ونشر "داعش" الرعب في نفوس كلّ من رفض أن يطيعه، وذبح أفراداً كثيرين من عشيرة سيداورا العربيّة التي تتمتّع بنفوذ في المنطقة. ولم تسجّل الحكومة التركيّة أيّ اعتراض على "داعش" آنذاك. وفجّر "داعش" الجسر الوحيد الذي يصل كوباني بجرابلس فوق نهر الفرات في 5 آذار/مارس 2015، ما صعّب على القوّات الكرديّة النفاذ إلى المنطقة. وعطّلت هجمات المدفعيّة التي نفّذها الجيش التركيّ محاولات القوّات الكرديّة للدخول، وبالتالي منعت الدولة التركيّة وحدات حماية الشعب من تحرير جرابلس من قبضة "داعش".

لماذا تحرّكت تركيا إذاً وضدّ من؟ مع أنّ اسم العمليّة الرمزيّ هو "جرابلس"، إلا أنّ الهدف منها أكبر من ذلك. أوّلاً، تريد تركيا والمجموعات التابعة لها إنشاء منطقة آمنة ضمن مثلّث جرابلس-أعزاز-مارع. وتخضع أعزاز ومارع حاليّاً لسيطرة مجموعات تابعة للجيش السوريّ الحرّ نجحت مؤخّراً في السيطرة على جرابلس. ويقضي الهدف بتحويل هذه المنطقة الآمنة إلى قاعدة عسكريّة وسياسيّة ضدّ حلب وشمال سوريا، الذي يسمّيه الأكراد روج آفا. ويسدّد النظام في دمشق منذ فترة ضربات قاسية للمجموعات التابعة للجيش السوريّ الحرّ في حلب. وسيطرت قوّات سوريا الديمقراطيّة على منبج بقيادة القوّات الكرديّة، وهي تتقدّم باتّجاه مدينة الباب في شمال سوريا. وقد قلّصت كلّ هذه التطوّرات نفوذ تركيا في المنطقة. وقامت قوّات سوريا الديمقراطيّة بالخطوات الأولى من أجل فتح ممرّ كرديّ، وهو تطوّر يرعب تركيا. فقد دعمت الحكومة التركيّة "داعش" للحؤول دون هكذا تطوّر، ومنعت الأكراد من تحرير جرابلس. وكان أردوغان السياسيّ الأوّل الذي اعترض على تحرير الأكراد لتل أبيض.

اعتمدت تركيا موقفاً مزدوجاً يقضي بمحاربة "داعش" وفي الوقت نفسه قصف المجموعات التي تسدّد لـ "داعش" أقسى الضربات. فبينما أرسلت مجموعات تابعة للجيش السوريّ الحرّ إلى جرابلس، قصفت تركيا، التي تدّعي أنّها تحارب "داعش" في المدينة، مواقع تابعة لقوّات سوريا الديمقراطيّة والقوّات الكرديّة في منبج وحولها.

ومع أنّ تركيا تدّعي بأنّها تتحرّك ضدّ "داعش، إلا أنّ كثيرين يشكّون في أنّ هدفها الأساسيّ هو الشعب الكرديّ. وقد أدلى المسؤولون الأكراد بتصريحات عدّة في هذا السياق، بمن فيهم الناطق باسم وحدات حماية الشعب ريدور جليل.

وبعد ساعات قليلة من انطلاق العمليّة، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء بن علي يلدريم أنّ أهدافهم الأساسيّة هي ضدّ "داعش" والأكراد.

ولن تتوقّف تركيا والمجموعات التابعة للجيش السوريّ الحرّ عند جرابلس. فقد أعلن قائد قوّات سوريا الديمقراطيّة، دجوار خبات، أنّ هذه المجموعات تهدف إلى التقدّم باتّجاه الجنوب، الخاضع لسيطرة قوّات سوريا الديمقراطيّة، وأنّه في هذه الحالة، قد تندلع اشتباكات بين قوّات سوريا الديمقراطيّة – التي أسّسها أكراد وعرب وغيرهم - والجيش السوريّ الحرّ، ما سيزيد حدّة التوتّر في المنطقة.

ماذا سيحلّ بـ "داعش" في هذه الحالة؟

نجحت مجموعات تابعة لتركيا ولقوّات سوريا الديمقراطيّة في هزيمة "داعش" في مواقع متعدّدة، إلا أنّ "داعش" يحارب قوّات سوريا الديمقراطيّة، لكن ليس الجيش السوريّ الحرّ. وفي النهاية، سيلجأ
"داعش" إلى الرقة عندما يتمّ طرده من الحدود بين سوريا وتركيا. ومن سيحارب "داعش" في الرقة سيصبح نقطة نقاش رئيسيّة. وتعجز تركيا والمجموعات التابعة لها عن النفاذ إلى الرقّة في الوقت الحاليّ، وسيتعيّن عليها لفعل ذلك عبور المنطقة الكرديّة. ونظراً إلى عداء هذه القوّات تجاه الأكراد، من المرجّح أن تحارب الأكراد بدلاً من "داعش". وقد يستغلّ "داعش" هذه الفرصة لمهاجمة الأكراد وحلفائهم، الذين سيقومون بدورهم بحماية أنفسهم من "داعش" في الجنوب ومن المجموعات التابعة للجيش السوريّ الحرّ والمدعومة من تركيا في الشمال. وتسعى تركيا إلى تحويل هذا السيناريو المحتمل إلى واقع.

ولا تختلف المجموعات التي تصفها تركيا بأنّها "معارضة معتدلة" عن جبهة النصرة أو "داعش". فكتيبة السلطان مراد مؤلفة من تركمان مدرّبين في تركيا، وقد أدلى الناطق باسمها بتصريحات عدّة مناهضة للأكراد. وهناك أيضاً مجموعات أخرى، مثل حركة نور الدين الزنكي، مؤلفة من إسلاميّين متطرّفين في الجوهر. وترتكب تركيا والولايات المتّحدة خطأ تاريخيّاً وتقومان بمجازفة كبيرة عندما تصفان تلك المجموعات بأنّها معتدلة وتعتبرانها بديلاً عن "داعش".

ويعتبر الأكراد في سوريا أنّ تركيا تدعم تلك المجموعات المتشدّدة وتؤجّج الحرب. لكنّ الحكومة التركيّة تعتبر فتح ممرّ كرديّ في شمال سوريا خطراً على أمنها القوميّ. ويعتقد أتراك كثيرون أنّ التطوّرات في سوريا ستكون لها عواقب على ملايين الأكراد في داخل تركيا. ولهذا السبب، لا يريدون أن يتمتّع الشعب الكرديّ بمكانة في سوريا. لكنّ الأكراد أشاروا مراراً وتكراراً إلى أنّ هذا الأمر لا يشكّل أيّ خطر على تركيا.

لقد بدأت مؤخّراً جولة حاسمة من النزاع في سوريا. فقد استعادت تركيا، التي تتخبّط في سوريا منذ العام 2011، مكانها على الساحة إلى جانب القوّات التحالفيّة التي تقودها الولايات المتّحدة، وروسيا، والجيش السوريّ الحرّ، و"داعش"، والأكراد، والنظام في دمشق، وقوى إقليميّة متعدّدة. هل ستهاجم تركيا الأكراد وحلفاءهم من المنطقة التي سيطرت عليها مؤخّراً؟ وما سيكون ردّ فعل الولايات المتّحدة؟ سنعرف الجواب قريباً لأنّ تركيا لن ترضى بالسيطرة على بلدة صغيرة وبعض القرى ليس إلا.

أشار يلدريم إلى أنّ تركيا والولايات المتّحدة متّفقتان في ما يتعلّق بوحدات حماية الشعب. وأعلن نائب الرئيس الأميركيّ جو بايدن أنّه يتعيّن على وحدات حماية الشعب الانسحاب إلى الضفاف الشرقيّة لنهر الفرات. فردّت عليه تلك الوحدات بالقول إنّها لن تتراجع من المنطقة إلى غرب الفرات.

في هذه الحالة، كيف ستستمرّ الولايات المتّحدة في شراكتها مع كلّ من وحدات حماية الشعب وتركيا؟ هل يقع خلاف بين وحدات حماية الشعب والولايات المتّحدة، اللتين حاربتا "داعش" معاً حتّى الآن، ويؤثّر على مصير المنطقة؟

في الوقت الحاليّ، تتقدّم القوّات الكرديّة وحلفاؤها نحو مدينة الباب جنوب غرب منبج. ومن هناك، تعتزم فتح ممرّ إلى مدينة عفرين الكرديّة. إذا طُبّقت هذه الخطّة، هل سنشهد النتائج الدمويّة لنزاع كرديّ تركيّ إقليميّ؟

إنّ مشكلة تركيا الكبرى هي رهاب الأكراد الذي يدفعها إلى اتّخاذ خطوات بلا معنى وغير ضروريّة ونشر حقدها تجاه الشعب الكرديّ في المنطقة. ونتيجة لذلك، يتفاقم النزاع السياسيّ والعسكريّ بين الأكراد وتركيا في تركيا وسوريا.

ويعتبر غالبيّة الأكراد أنّ الدولة التركيّة تفضّل معاملة الشعب الكرديّ على أنّه عدوّها بينما تعاد قولبة سوريا والشرق الأوسط. للأسف، يبدو في الوقت الحاليّ أنّ هذا التصدّي للأكراد سيؤدّي إلى استمرار الفوضى والعنف في المنطقة.

More from Amed Dicle

Recommended Articles