تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السلطة الفلسطينيّة تسعى إلى محاكمة بريطانيا لإصدارها وعد بلفور

تسعى السلطة الفلسطينيّة إلى محاكمة بريطانيا لإصدارها وعد بلفور في عام 1917 الذي منح اليهود حقّ إنشاء وطن قوميّ على أرض فلسطين، الأمر الذي تسبّب في معاناة الفلسطينيّين إلى يومنا هذا. فما الآليات القانونيّة التي ستتّبعها السلطة الفلسطينيّة في هذا التوجّه؟ وهل السلطة الفلسطينيّة جادّة في هذا التوجّه أم تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسيّة فقط؟
Palestinian Foreign Minister Riyad al-Maliki attends the Arab League Foreign Ministers emergency meeting at the League's headquarters in Cairo, December 21, 2013. Deadly violence in the West Bank has increased in recent months and at least 19 Palestinians and four Israelis have been killed since U.S.-backed Israeli-Palestinian peace talks resumed in July after a three-year break.    REUTERS/ Mohamed Abd El Ghany (EGYPT - Tags: POLITICS CIVIL UNREST HEADSHOT) - RTX16QI7

مدينة غزّة - كشف وزير الخارجيّة الفلسطينيّ رياض المالكي في كلمة ألقاها بالنيابة عن الرئيس محمود عبّاس، أمام مؤتمر القمّة العربيّة لجامعة الدول العربيّة الـ27 الذي انعقد في 25 تمّوز/ يوليو المنصرم، في العاصمة الموريتانيّة نواكشوط، عن نيّة السلطة الفلسطينيّة رفع دعوى قضائيّة ضدّ بريطانيا في المحاكم الدوليّة بسبب إصدارها وعد بلفور في عام 1917، والذي استخدم كأساس لقيام دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية عام 1948.

وقال المالكي خلال كلمته: "نطلب من الأمانة العامّة لجامعة الدول العربيّة مساعدتنا لرفع قضيّة ضدّ الحكومة البريطانيّة لإصدارها وعد بلفور، ممّا تسبّب في نكبة الشعب الفلسطينيّ (في عام 1948)".

وبحسب الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ (رسميّ)، تمثّلت النكبة في قيام القوّات الإسرائيليّة بتشريد نحو 800 ألف فلسطينيّ من قراهم ومدنهم إلى الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة والدول العربيّة المجاورة مثل سوريا والأردن ولبنان، والسيطرة على 774 قرية ومدينة فلسطينيّة، دمّرت 531 منها، وتنفيذ أكثر من 70 مجزرة في حقّ الفلسطينيّين، أدّت إلى استشهاد ما يزيد عن 15 ألف فلسطينيّ خلال فترة النكبة.

وانتقد رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في تصريح صحافيّ مكتوب نشر في 27 تمّوز/يوليو المنصرم، مساعي السلطة الفلسطينيّة إلى مقاضاة بريطانيا، وقال إنّ إسرائيل ستعمل على إفشال هذه الخطوة، مشيراً إلى أنّها تسلّط الضوء على أنّ جذور الصراع تتمثّل في الرفض الفلسطينيّ الاعتراف بالدولة اليهوديّة مهما كانت حدودها.

القيادي في حركة حماس يحيى موسى، أكد أن حركته ترحب بأي خطوات فلسطينية من شأنها مقاضاة بريطانيا على إصدار وعد بلفور، مشيراً إلى أن حماس تستبعد في ذات الوقت أن تكون السلطة الفلسطينية جادة في هذا الإعلان.

وقال موسى لـ"المونيتور": "نحن نشكك من نية السلطة الفلسطينية بمقاضاة بريطانيا لأن السلطة الفلسطينية لم تستطع انتزاع أي حق فلسطيني من خلال المحاكم والمحافل الدولية حتى اليوم، لذلك فإننا نعتقد أن السلطة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تحريك عملية التسوية مع إسرائيل فقط".

ولكن عضو اللجنة التنفيذيّة في منظّمة التحرير الفلسطينيّة واصل أبو يوسف، أكد أنّ الرئيس عبّاس "جادّ جدّاً" في مساعيه إلى مقاضاة بريطانيا على إصدار وعد بلفور وتهيئة الأوضاع في فلسطين لإقامة دولة إسرائيل خلال فترة الانتداب البريطانيّ في فلسطين (1923-1948).

وقال أبو يوسف لـ"المونيتور": "إنّ السلطة الفلسطينيّة تدرس الآن آليّات رفع دعوى قضائيّة ضدّ بريطانيا أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة، من أجل إلزامها بتصحيح هذه الجريمة".

وأوضح أنّ تصحيح هذه الجريمة يستوجب اعتراف الحكومة البريطانيّة بالدولة الفلسطينيّة، والضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في عام 1967، وإنهاء تداعيات وعد بلفور المتمثلة باستمرار انتشار اللاجئين الفلسطينيين الذين هجّروا من منازلهم في أحداث النكبة في عام 1948، إلى معظم دول العالم مثل سوريا ولبنان والسويد وغيرها، "لذلك يجب ضمان الحقوق الفلسطينية وأبرزها عودة أولئك اللاجئين إلى وطنهم وبأسرع وقت ممكن، ومحاسبة إسرائيل على المجازر الوحشية التي ارتكبتها بحق عائلاتهم في تلك الفترة، مثل مجزرة بلدة دير ياسين غربي القدس التي وقعت في 9 أبريل عام 1948 وراح ضحيتها أكثر من 250 فلسطينياً، ومجزرة قرية كفر قاسم شمال فلسطين المحتلة عام 1948، والتي ارتكبت في نهاية أكتوبر 1956، وراح ضحيتها نحو 50 فلسطينياً أعزلاً، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967".

وقال الخبير في القانون الدوليّ حنا عيسى لـ"المونيتور": "إنّ الحكومة البريطانيّة لم تقدّم اعتذاراً بسبب وعد بلفور حتّى اليوم، وهذا يدلّ على أنّها لا تشعر بالذنب تجاه ذلك، ولم تتوقّف عند هذا الحدّ، بل ساهمت في تخليص قادة إسرائيل من العقاب القانونيّ على جرائمهم في حقّ الفلسطينيّين، حيث تدخّلت الحكومة البريطانيّة في حماية وزيرة الخارجيّة الإسرائيليّة السابقة تسيبي ليفني بمنحها حصانة خاصّة، حين تلقّت مذكّرة استدعاء من قبل الشرطة البريطانيّة في 30 حزيران/يونيو 2016 خلال زيارتها إلى بريطانيا، للتحقيق في شكاوى قضائية قدمتها مؤسسات حقوقية ضدها أمام القضاء البريطاني على مدار السنوات الماضية، على خلفية ارتكاب جرائم حرب خلال الحرب الإسرائيليّة الأولى على قطاع غزّة (27 كانون الأوّل/ديسمبر 2008- 18 كانون الثاني/يناير 2009) والتي تعرف بعمليّة "الرصاص المصبوب"".

ونددت مؤسسات حقوقية عدة بمنح الحكومة البريطانية حصانة خاصة لتسيبي ليفني، حيث اعتبرت "المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا"، في بيان لها نشرته عبر موقعها في 4 تموز/يوليو الماضي، هذا الإجراء بمثابة "غطاء قانوني لحماية الإسرائيليين وتكريس لسياسة الإفلات من العقاب".

وعن خطوات السلطة الفلسطينيّة نحو محاكمة بريطانيا، قال عيسى: "أتوقّع أن تقدم السلطة الفلسطينيّة على اتّباع خطوات متتالية، تبدأ أوّلاً بالذهاب إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار يدين وعد بلفور، الأمر الذي سيواجه باعتراض بريطانيا التي تعدّ عضواً دائماً في مجلس الأمن، ومن ثمّ ستذهب السلطة الفلسطينيّة إلى الجمعيّة العموميّة للأمم المتّحدة وتطلب منها النظر في القضيّة وفقاً لقرار "الاتّحاد من أجل السلام" الصادر في عام 1950، الذي يمنح الجمعية العامة للأمم المتّحدة الحقّ بالتدخّل في حال عجز مجلس الأمن عن التصرّف نتيجة لتصويت أحد أعضائه تصويتاً سلبيّاً. هذا القرار يمنح الأمم المتّحدة الحقّ في النظر في القضية، ورفع توصيات لاتخاذ تدابير جماعية تهدف لصون السلم والأمن واستعادته، ومن بين هذه التدابير تشكيل محكمة خاصة تبحث القضية".

ولكنّ أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة الإسلاميّة في غزّة وليد المدلّل، شكّك في جديّة توجّه السلطة الفلسطينيّة إلى رفع دعوى قضائيّة ضدّ بريطانيا، معتبراً أنّ ذلك "لا يعدو كونه محاولة ابتزاز سياسيّ ضدّ بريطانيا ومحاولة لصرف الانتباه عن الفشل السياسيّ الذي تعيشه السلطة بسبب عدم قدرتها منذ تأسيسها في عام 1993، على إنهاء الاحتلال الإسرائيليّ".

وقال المدلّل لـ"المونيتور": "منذ عام 1948 وحتّى اليوم، لم تسع السلطة الفلسطينيّة إلى هذا التوجّه، لذلك أعتقد أنّها محاولة لدفع بريطانيا إلى اتّخاذ أيّ خطوات سياسيّة للضغط على إسرائيل لاستئناف مفاوضات السلام على أساس وقف الاستيطان والانسحاب من الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في عام 1967".

وأضاف: "الأجدر بالسلطة الفلسطينيّة فعله أوّلاً، هو وقف الاتّفاقات السياسيّة والاقتصاديّة كافّة مع إسرائيل مثل اتّفاقيّة أوسلو في عام 1993، واتّفاقيّة باريس الاقتصاديّة في عام 1994 ووقف التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، لأنّ هذه الاتّفاقيّات تصبّ في صالح إسرائيل".

عن إمكان اعتذار بريطانيا من الشعب الفلسطينيّ على إصدار وعد بلفور، قال المدلّل: "أعتقد أنّ بريطانيا لن تفعل ذلك، لأنّ الاعتذار يعني التزام بريطانيا بجملة من المسؤوليّات الأخلاقيّة والماديّة تجاه الشعب الفلسطيني، على غرار اتّفاقيّة لوكسمبورغ في عام 1952 التي التزمت فيها ألمانيا بدفع تعويضات إلى اليهود بسبب المحرقة النازيّة".

واتّفق المحلّل السياسيّ إياد القرا، مع المدلّل في أنّ توجّه السلطة الفلسطينيّة إلى مقاضاة بريطانيا على إصدار وعد بلفور "غير جدّيّ"، معتبراً أنّ هذا الطرح "لا يحمل أيّ أبعاد قانونيّة".

وقال القرا لـ"المونيتور": "ما دفع السلطة إلى هذا الإعلان هو الشعور باليأس تجاه ضعف التفاعل الدوليّ مع كلّ محاولات إحياء المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيليّ، والتي كانت آخرها المبادرة الفرنسيّة التي أطلقتها فرنسا في 19 أيار/ مايو 2016، وذلك بسبب انشغال المجتمع الدوليّ بالصراع في سوريا. لذلك أعتقد أنّ السلطة الفلسطينيّة هدفت من وراء ذلك إلى تحريك عمليّة التسوية فقط من خلال هذه الخطوة".

وأضاف: "كما أنّ السلطة الفلسطينيّة مستاءة من عدم تنفيذ القرارات الدوليّة التي تصبّ في صالح القضيّة الفلسطينيّة، مثل قرار رقم 194 الصادر عن الأمم المتّحدة في عام 1948 والذي أقرّ بحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين. لذلك تسعى السلطة من خلال إعلان التوجّه إلى مقاضاة بريطانيا، إلى دفعها نحو الضغط لتطبيق هذه القرارات".

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles