تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الفنّ في زمن الثورة في روجآفاي كردستان

شهد اندلاع الثورة السوريّة مشهداً غير مألوف في الوسط الفنيّ السوريّ، حيث انقسم الفنّ، كما السياسة، ما بين معارض وموال للنّظام حيال ما يجري في سوريا من حراك شعبيّ بشكله السلميّ أو العسكريّ، فكانت لساحة الدراما السوريّة مواقف حازمة من فنّانين سوريّين ضدّ نظام الأسد وممارساته.
A Turkish Kurd plays the citar as smoke rises from the Syrian town of Kobani, as seen from the Mursitpinar crossing on the Turkish-Syrian border in Sanliurfa province October 26, 2014.  REUTERS/Kai Pfaffenbach (TURKEY - Tags: MILITARY CONFLICT POLITICS SOCIETY) - RTR4BMFX

الدرباسيّة - شهد اندلاع الثورة السوريّة مشهداً غير مألوف في الوسط الفنيّ السوريّ، حيث انقسم الفنّ، كما السياسة، ما بين معارض وموال للنّظام حيال ما يجري في سوريا من حراك شعبيّ بشكله السلميّ أو العسكريّ، فكانت لساحة الدراما السوريّة مواقف حازمة من فنّانين سوريّين ضدّ نظام الأسد وممارساته، منهم يارا صبري، عبد الحكيم قطيفان، ومحمّد آل رشي، الّذي شارك في المظاهرات الشبابيّة منذ بدايتها في حيّ القابون الدمشقيّ، وكان يهتف "عاشت سوريا ويسقط بشّار الأسد"، وذلك الهتاف عدّ نقلة نوعيّة في مطالب الشريحة المثقّفة، والّتي يشغل الفنّانون جزءاً منها.

إنّ المنطقة الكرديّة، الّتي بدأت تعرف باسم روج آفا كردستان، كان لها نصيب واف من هذا الحراك الثوريّ وظهور جيل شبابيّ من الفنّانين والمغنّين للثورة نشأ من مخاض الثورة السوريّة ليعبّر عنها سواء بغنائه على المسارح أو في الأعياد الشعبيّة والقوميّة كالعيد القوميّ الكرديّ نوروز، الّذي يحتفل به الكرد منذ زمن طويل في روج آفا كردستان.

وفي هذا الإطار، قالت الآنسة بيمان خلف البالغة من العمر 25 عاماً، وهي من أب كرديّ وأم عربيّة، لـ"المونيتور": "كنت أغنّي منذ أن كنت في الثانية عشرة من عمري، انضممت إلى الفرق الفولكلوريّة الكرديّة في منطقتنا، رغم الصعوبات الّتي كنت أعاني منها وهي كيف لفتاة أن تخرج وحدها أو تغنّي على المسارح الشعبيّة وفي الأعياد القوميّة، كانت للجيران وبعض من أقاربنا والمحيطين بي نظرة مختلفة لأنّي أخرج وحدي وأشارك في الفرق الفنيّة والغناء على المسارح، فضلاً عن الضغوط الّتي كنا نعانيها من الملاحقات الأمنيّة لنا، ومنع إحياء الفولكلور الكرديّ أو أيّ شيء يمّت له بصلة. أمّا بعد الثورة في روج آفا كردستان سنحت لي الفرصة بأن أخرج، وبدعم خاص من عائلتي وأمي، فإخوتي لم يقصّروا أبداً إذ كانوا يشجّعونني سابقاً والآن أكثر. والآن، أشعر بأنّ الحياة فتحت لنا ذراعيها في هذه الأجواء، وخصوصاً بعد رحيل النّظام من مناطقنا الكرديّة (منطقة الجزيرة، عفرين، وكوباني) أيّ المناطق الشماليّة والشماليّة الشرقيّة من سوريا، والّتي تعرف الآن بروج آفا كردستان".

تعرّف الكرد على الفنّ الثوريّ منذ اندلاع الثورات الكرديّة، وأهمّها ثورة ملا مصطفى البرزاني والد رئيس حكومة إقليم كردستان حاليّاً السيّد مسعود البرزاني، حيث لمع نجم شخصيّات فنيّة عرفت بفنّاني الثورة كالفنّان الكرديّ شفان برور. ومع ظهور حركة حزب العمّال الكردستانيّ، وصل الفنّ الثوريّ إلى أوجّه، خصوصاً مع ظهور فرقة المقاومة الكرديّة (كوما برخودان)، والّتي كان لها صدى قويّ في الوسط الكردستانيّ في أجزائه الأربعة. كما ظهرت فرق فنيّة كرديّة ضمن صفوف المقاتلين الكرد مع حزب العمّال الكردستانيّ في الجبال، تحمل السلاح وتغنّي للثورة، وأشهرها الآن فرقة "آوا جيا" أيّ فرقة أغاني الجبل.

وفي هذا الصدد، قال الرئيس المشترك لمركز الفنّ والثقافة الديموقراطيّة في روج آفا كردستان مقاطعة الجزيرة السيّد سلمان إبراهيم لـ"المونيتور": "قبل الثورة، كنّا نعمل بين الشعب، فدائماً كنّا نحن الكرد تحت سيطرة النّظام، الذّي كان يضغط على الشعب الكرديّ ويقمعه، ولم يكن مسموحاً لنا بإخراج مواهبنا، وخصوصاً الّتي كانت معارضة لفكر النّظام السوريّ. كنّا نتوجّه للفنّ والغناء للثورة، حتّى في شكل سريّ، إذ كنّا نغنّي في أماكن مخفيّة لا يمكن لجواسيس النّظام السوريّ كشفها. كانت الأغاني الفولكلوريّة والعاميّة عموماً تجعلنا نحافظ على لغتنا، الّتي كان التحدّث بها ممنوعاً في سوريا. ليس هنا فقط، بل أيضاً في جبال كردستان الّتي كانت تحوي المقاتلين الكرد في صفوف حزب العمّال الكردستانيّ ضدّ الدولة التركيّة، كانت للفنّ مكانة خاصّة، إذ كان المقاتلون يحملون سلاحاً في يدّ وآلتهم الموسيقيّة في يدهم الأخرى، فتشكّلت الفرق الثوريّة الّتي تساند الثورة وتدعمها. الكثير من فنّاني الثورة استشهدوا أيضاً، ومنهم الفنّان سرحت الّذي بات يعرف بفنّان الثورة أو بفنّان الجبل.

واليوم، بعد مرور أكثر من خمس سنوات على عمر الثورة السوريّة، وفي روج آفا كردستان المنطقة الأكثر أماناً في سوريا، يحظى الفنّانون باهتمام كبير من قبل الإدارة الكرديّة، فلدينا متّسع كبير من الحريّة نعبّر عن ذاتنا وتضامننا مع مقاتلينا ومقاتلاتنا الكرديّات اللّواتي بتن تعرفن برموز الثورة".

اتّخذ الفنّ في زمن الثورة في روج آفا كردستان منحى جديداً، خصوصاً مع إنشاء الفرق الفنيّة وعرض مسارح شعبيّة والسكيتشات في المدن والقرى لإرساء الفولكور الكرديّ الّذي كان ممنوعاً في سوريا وفي بقيّة أجزاء كردستان أيضاً. ولم يكن هذا فحسب، بل تحوّل الكثير من الفنّانين الشعبيّين إلى فنّاني الثورة والغناء لها، فالفنّان نوري كاظم البالغ من العمر 40 عاماً، ضرير لا يمكنه أن يرى بسبب مرض في عينيه، ورغم ذلك يعزف على الكثير من الآلات الموسيقيّة، ومنها آلة الطنبور، الّتي تعتبر من الفولكور الكرديّ في المنطقة.

وفي هذا المجال، قال نوري كاظم لـ"المونيتور": "كنت أعزف وأغنّي منذ صغري، فكنت أغنّي في الأعراس الشعبيّة، واتّخذت من الموسيقى عملاً من أجل العيش أيضاً وكسب قوت يوميّ ومن أجل أن أريِّح عن نفسي في الدرجة الثانية. كان للثورة تأثير علينا منذ بدايتها، وكفنّان لم أفكّر يوماً بأن أكون بعيداً عن الثورة في روج آفا كردستان، فلم أفكّر بنفسي، بل ساندت الثورة بالأغاني والدفاع عن الحلم الكرديّ للعيش بسلام في وطننا سوريا، حيث لم يكن مسموحاً لنا بالتحدّث مع بعضنا بلغتنا في زمن النّظام السوريّ سابقاً".

للفنّ دور في الحياة بين الشعوب عموماً، والكرد كشعب اتّخذوا من الغناء وسيلة في إغناء الثورات الكرديّة والتغنّي ببطولات الثورة، وكان ذلك نوعاً من أنواع الدعاية للثورة والشخصيّات القياديّة في الثورات الكرديّة مثل القائد الكرديّ لثورة أكري في تركيا، الّتي اندلعت في عام 1925، أو الّذين يستشهدون في المعارك من أجل حريّتهم كالشهيد مشعل تمو، والّذي يعرف اليوم بعميد الثورة السوريّة. إضافة إلى ذلك، كانت هناك ملاحم فنيّة كرديّة وقصص حقيقيّة تروى بشكل غناء ما زالت لها مكانة في الوسط الكرديّ.

More from Massoud Hamid

Recommended Articles