تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف يعيش العاملون في النجف من أبناء محافظات العراق الجنوبيّة؟

آلاف من العمال ومن ضمنهم الاطفال يوفدون الى النجف ليعملوا في مجال السياحة الدينية في ظروف معيشية مأساوية.
Iraqi workers load bricks on a donkey-drawn cart in a brick factory in Najaf, Iraq, February 9, 2016.  REUTERS/Alaa Al-Marjani  - RTX266RY

دفع محمّد كريم خضير (13 عاماً) عربته اليدويّة بهمّة. كانت العربة الصغيرة ذات العجلات الثلاث محمّلة بتلّ من حقائب زوّار العتبة العلويّة في النجف من الإيرانيّين. وفي مساحة صغيرة من مقدّمة العربة، جلست امرأة عجوز. وإضافة  إلى عربة محمّد النحيل، كانت هناك عربات أخرى بالحمولة ذاتها، تزاحمه لتصل بالحقائب إلى نقطة التفتيش بالأشعّة السينيّة عند مدخل شارع الصادق في المدينة القديمة في مدينة النجف (160 كلم جنوب غرب بغداد). عربات متعدّدة يدفعها رجال كبار في السنّ أو أطفال مثل محمّد، تنشط في المدينة القديمة التي يمنع دخول السيّارات إليها، ممّا يضطرّ الزائرين إلى استئجار هذه العربات لإيصال أمتعتهم، فضلاً عن نقل كبار السنّ ممّن لا يستطيعون المشي.

يقول طالب حميد (40 عاماً) إنّه قدم من ناحية الخضر، التي تتبع إداريّاً محافظة المثنى (280 كلم جنوب بغداد) ومركزها مدينة السماوة، وذلك لأنّه وبعد تعرّض الأراضي الزراعيّة للجفاف وعدم قدرة الإنتاج الزراعيّ المحلّيّ على منافسة المستورد، اضطرّ إلى القدوم إلى النجف لكي يستطيع إعالة أسرته الكبيرة. أمّا الصغير محمّد كريم خضير فأخبرني أنّه قدم من مدينة السماوة، وأنّ والده أرسله للعمل في النجف، واستطرد قائلاً إنّه هو من يعيل أسرته (والديه وخمسة أخوة آخرين أصغر منه سنّاً).

وقال مرتضى عبد (17 عاماً) إنّه قدم من مدينة الديوانيّة في مركز محافظة القادسيّة (156 كلم جنوب بغداد)، للعمل في النجف لأنّه لا يوجد عمل في مدينته. وردّاً على سؤالي الجميع حول ما إذا كانوا يعرفون أيّاً من أفراد مدنهم ممّن يعملون عملهم ذاته في النجف، أجاب الجميع بـ"نعم بالعشرات". وهذا ما يحيل إلى مشكلة أخرى تتعلّق بالبيانات الحكوميّة عنهم، حيث لا تمتلك الإدارة المحلّيّة في محافظة النجف ولا مجلس المحافظة أيّ بيانات عنهم. وقد أجاب المسؤولون المتخصّصون في الأمر في المؤسّستين "المونيتور" بأنّ المحافظة لا تستطيع أن تحصي عدد الداخلين إلى المحافظة، وما إذا كانوا يعودون أم يبقون للعمل في المحافظة التي تستقبل الملايين من الزائرين سنويّاً.

ولا يعيش أيّ من الوافدين هؤلاء في ظروف ملائمة سواء في ما يتعلّق بالمبيت أم بظروف العمل. وفي ما يخصّ المبيت، ينقسمون إلى فريقين: الأوّل: يتّخذ أفراده من عرباتهم اليدويّة أسرّة للنوم. ومن يدخل إلى المدينة القديمة بعد منتصف الليل سيلاحظ في الجانب الأيسر من الطريق المحصور بين ساحة الميدان وتقاطع مرآب النقل القديم مجمّع أبو خمسين التجاريّ، صفّاً طويلاً من العربات يتراصف أمام الفنادق الكبيرة وقد توسّد رجال وأطفال عرباتهم في العراء، يهبّون أوّل الفجر للعمل ويأوون آخر الليل إلى هذا المكان، وكذلك في أزقّة المدينة القديمة عند أبواب المحلّات المقفلة ليلاً، وقد رصدتهم المونيتور عدة مرات. الثاني: تحدّث إلينا محمّد حسين أبو صيبع، وهو طالب دكتوراه علوم سياسيّة ورئيس جمعيّة التنمية للعلوم السياسيّة في النجف، قائلاً إنّ هؤلاء العاملين يتوزّعون في خانات كبيرة قرب شارع الهاتف في منطقة خان المخضر، تركن فيها العربات ليلاً ويتّخذها أصحابها أسرّة، وفي أيّام المناسبات الدينيّة ينامون كذلك في السرادقات التي تنصب لاستقبال الزائرين، وبعض السرادقات الدائمة التي تضعها بعض الأحزاب أمام مقرّاتها، حيث تسمح الأحزاب بهذا بهدف "الحفاظ على سلامة الأطفال المنخرطين في هذا السوق من المبيت من دون حماية".

وقد فرض عليهم فوج طوارئ النجف الثالث مطلع هذا العام أن يصبغوا عرباتهم باللون الرصاصيّ وأن يرتدوا بدلات عمل باللون ذاته. ولم يستطع رئيس جمعيّة التنمية للعلوم السياسيّة أن يقدّم أرقاماً وإحصاءات محدّدة لأعداد هؤلاء العاملين، ولكنّه قدّر عددهم بالمئات. وقد لاحظت المونيتور كيف يمنع أفراد فوج الطوارئ الكثيرين منهم من الوصول إلى المدينة القديمة بسبب أو من دون سبب، وقد يتعرّضون إلى الضرب من قبل بعض أفراد القوى الأمنيّة. ولدى سؤال ضابط في أحد المفارز الأمنيّة في المدينة القديمة وهو برتبة ملازم أوّل رفض ذكر اسمه، عن الموضوع، قال: "إنّ بعضهم يقوم بسرقة الزائرين".

وفي ما يخصّ أسباب المشكلة، فإنه من الممكن الاستناد إلى دراسة وحيدة صدرت عن وزارة التخطيط العراقيّة عام (2011) باسم (السكان ودرجات ودرجة المحرومية في العراق)، تتّبعت مستويات الحرمان في العراق بالاستناد إلى الحرمان من الحاجات الأساسيّة وفرص العمل والخلوّ من الأمراض. وقد ظهر فيها أنّ محافظتين عراقيّتين قد احتلّتا المركز الثاني معاً في ارتفاع مستوى الحرمان، هما محافظتا المثنى والقادسيّة بنسبة 44.3%، تلتهما محافظة ذي قار، وهي المحافظات التي انحدر منها عدد ممّن قابلناهم من العاملين في النجف، وباستثناء هذه الدراسة لم تصدر إي احصائية رسمية عن هذا الموضوع.

ويعود الحرمان في هذه المحافظات، وتراجع الإنتاج الزراعيّ الذي تفاقم بطريقة تصاعديّة منذ عام 2003 إلى أسباب عدّة، منها إلغاء الدعم الحكوميّ للزراعة، والقرارات التي أصدرتها سلطة التحالف الموقّتة، بما حاصر الإنتاج الزراعيّ العراقيّ، وقلّص المردود الاقتصاديّ للنشاط الزراعيّ بدرجة كبيرة، ممّا أدّى إلى انخفاض شديد في فرص العمل، وذلك حسب نتائج دراسة شاملة عن الموضوع قدّمتها الدكتورة سلافة طارق الشعلان في كتابها "دراسات قانونيّة في التشريعات العراقيّة". وقد أدّت الأسباب السالفة إلى حدوث هذا النزوح البشريّ إلى المدن المقدّسة التي يساعد تدفّق النازحين إليها طوال السنة على إيجاد فرص عمل مهما كانت شاقّة، لكنّها يمكن أن توفّر لهم قوت أسرهم.

وأخيراً، إنّ ما ذكره بعض أفراد القوى الأمنيّة من حدوث سرقات، إضافة إلى ما ذكر من مخاطر قد يتعرّض إليها الأطفال العاملين في الأماكن العامة، يشيران بدورهما إلى مشكلة أعمق غوراً، تتعلّق في إمكان أن يتمّ جرّ هؤلاء الأطفال والعاملين إلى ارتكاب جرائم وجنح، في ظلّ انعدام تنشئة سليمة ورعاية من قبل أسرهم أو من قبل الدولة.

More from Ali Abdulhadi al-Mamouri

Recommended Articles