تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

صفقة النفط الليبية الفاشلة

بدلًا من السعي إلى توحيد الشركات الليبية الوطنية للنفط والتوصل إلى مصالحة بين الميليشيات المتناحرة، أدت محاولات الأمم المتحدة الخرقاء لاستئناف تصدير النفط الليبي إلى سكب المزيد من الزيت على النار.
Offshore oil platforms are seen at the Bouri Oil Field off the coast of Libya August 3, 2015. Oil prices lurched 5 percent lower on Monday to their lowest since January, taking global benchmark Brent below $50 a barrel as weak factory activity in China deepened a commodity-wide rout. REUTERS/Darrin Zammit Lupi MALTA OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN MALTA - RTX1MWTJ

إن الاختلال الوظيفي في ليبيا أكثر غرائبية ممّا تدركه الأكثرية. فما يسمى بالوحدة الوطنية ويعرف أيضًا باسم حكومة الوفاق الوطني ليست في الواقع اتحاد الميليشيات الرئيسية في البلاد ولا تمثّل البلاد جغرافيا عبر الجمع بين مراكز القوى، فهي تتمحو مبدئيا وفي شكل شبه حصري على سماسرة السلطة في مصراتة وطرابلس.

"الدمج" الذي حصل بتاريخ 2 يوليو الماضي بين الشركات النفط الوطنية الشرقية والغربية المتنافسة يقع أيضًا ضمن سياق الابداع اللغوي نفسه.

فلا تزال حكومة طبرق الشرقية وحكومة الوفاق الوطني الغربية في طرابلس تتبعان سياسات نفطية مختلفة في شركات النفط الوطنية. وفي الوقت نفسه، تسعى كل من السلطتين إلى منع الأخرى من الاستفادة من الثروة النفطية في البلد. ويبدو أن إعلان الدمج قبل ثلاثة أسابيع كان ملفقًا بهدف تهدئة المطالب الغربية لتحقيق تقدم في مجال النفط.

وفي خلال الأسبوع الماضي، رأينا المجتمع الدولي والأمم المتحدة يزيدان الرهان على استراتيجية "النفط أولًا" بدلًا من السعي إلى الوصول إلى تنازلات سياسية حقيقية أو تشجيع القتال المنسق ضد الدولة الإسلامية (داعش). فالأمم المتحدة تبدو وكأنها أعطت الأولية لرشوة الميليشيات الرئيسية للسماح بمرور النفط من خلال البنية التحتية التي تسيطر عليها.

وليست هذه المرة الأولى التي يتورط فيها المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا في عمليات رشاوى. ومثل ما هو متوقع بدأ السحر ينقلب على الساحر.

ومنذ فترة طويلة تمّ التوصل إلى قناعة أنه ما يمنع إعادة تنشيط صادرات النفط والغاز الليبية ليس سيطرة داعش على الساحل بل بالأحرى التنفاس بين الفدراليين، الجنرال خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي والميلشيات المتحالفة مع الإسلاميين في مصراتة.

وقد احتلّ الفيدرالييون لفترة طويلة المنشأتين النفطيتين الرئيسيتين في رأس لانوف والسدرة اللذين يقعان في منطقة الهلال النفطفي التي تمتد من بن جواد شرق سرت إلى مرىسي البريقة في جنوب غرب بنغازي.

علمًا أنّ التملك هو تسعة أعشار القانون، قام هؤلاء بإغلاق الموانئ النفطية الرئيسية في البلد في عامي 2013 و2014 عندما كانت الأسعار لا تزال مرتفعة نسبيًا مسببين بتركيع حكومة طرابلس وقتذاك.

وباعترافتهم كلّفت ضربتهم ليبيا ما يقارب 100 مليار دولار في الإيرادات. القائد الفيدرالي إبراهيم الجضران قد اعتذر عن الأضرار السابقة التي ألحقها بالموطنين، ولكنه ما زال متشبثًا برأيه أنه لم يكن جزء من اتفاق تقاسم السلطة في المستقبل سيقوم بإغلاق محطات النفط.

لذا تمّ تضمين قوات حرس المنشآت النفطية الخاصة كإحدى الميليشيات الشرقية الرئيسية في حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت برعاية الأمم المتحدة. ولكنه على الرغم من أنه أصبح لاعبًا سياسيًا شرعيًا لم يتدفق النفط لأن الجضران يفتقر إلى القدرة على زيادة الإنتاج.

في الواقع، لقد تضاءلت سلطته الفعلية في الهلال النفطي خلال الشهرين الماضيين بينما تضاعفت قوة حفتر. هذا بالإضافة إلى واقع أن المنشأتين الرئيستين قد تضررتا بشكلٍ غير قابل للتصليح بسبب الإهمال وهجمات داعش المتكررة.

في هذا الصدد، قال ريكاردو فبياني من مجموعة أوراسيا للمونتور إن "حجم الضرر الذي لحق بمنشأتي راس لانوف والسدرة غير واضح. تصل الطاقة الاسمية لكل من المنشأتين إلى حوالي 600 ألف برميل يوميًا ما يعني أنه حتى لو عملتا بنسبة 30% من طاقتهما تصل كمية الانتاج إلى 200 ألف برميل باليوم".

وتعكس تصريحات فبياني قراءة تقنية دقيقة أكثر مما هي سياسية لصعوبات التصدير في ليبيا. ويواصل الجضران وعوده فإنه يمكنه إعادة فتح المنشآت مقابل مبلغ مالي ونظرًا لمشاريعه الخطابية وواقع أنه لا يمكن الاستغناء عنه قد زاد من قدرته على المساومة.

في الواقع، قد لا يكون قادرًا إلا على تصدير النفط الخزن في مستودعات النفط خاصةً تلك في الزويتينة. ويبدو أن المبعوث الأممي مارتن كوبلر لا يستوعب الدنياميات المتداخلة الفنية والسياسية في اللعبة السياسية الليبنية اذ أنه في 21 يوليو الماضي قام بزيارة الهلال النفطي في محاولة لإعادة فتح المنشآت النفطية، الأمر الذي ما لبت أن اتى بنتائج عكسية، فقد أسرعت كتائب الدفاع بنغازي الاسلامية والجيش الوطني المدعوم من قبل القوات الفرنسية الخاصة إلى التسابق على السيطرة على الموانئ.

وبعد دحر كتائب الدفاع البنغازية في الهلال النفطي في 23 يوليو الماضي، قام رئيس المؤسسة الموطنية للنفط المعترف بها دوليًا، مصطفى صان الله بإصدار رسالة شديدة اللهجة. فقد قال إن كوبلر قام عن غير قصر بالاعتراف بالجضران مما سيشجع الميليشيات الأخرى على الابتزاز عبر إغلاق خطوط أنابيب النفط.

وقد شهدت ليبيا هذا السيناريو سابقًا. ففي عام 2013، سعت الميليشيات البربرية إلى إغلاق خط أنابيب الغاز الطبيعي إلى إيطاليا مقابل الاعتراف بلغتهم في الدستور الليبي. هذا بالإضافة إلى عمليات سيطرة مجموعات أخرى من الحين إلى آخر على الأنبابيب مطالبين بالحصول على رواتبهم غير المدفوعة.

ويمكن القول بلا خجل إن السياسيين في ليبيا لا يتمتعون يأي مستوى من التفكير المنطقي. فلو قامت ليبيا بتوزيع النفط والثروات بشكل عادل نسبيًا لكان احتلف الوضع على الأرض. فالسياسيون لغاية الآن لا يزالون يعتمدون معضلة السجينين. الجضران لا يريد أن يصل النفط إلى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس و بالتالي تنتفع المصالح في مصراتة والمصالح الاسلامية من المبالغ النقدية.

في ظل تلك المصالح وربما رغبة الأمم التحدة قد يتمّ شراء الجضران لسماح تدفق النفط، مما قد يخرج لاعبين آخرين من اللعبة مثل حفتر وميليشيات التبو في الجنوب التي قد تبدأ بعرقلة الأمور.

فبينما يسيطر الجضران على منشآت النفط في الزويتينة والسدرة وراس لانوف، يسيطر الجيش الوطني الليبي والقبائل المتحالفة معه على حقول النفط في أحواض سرت وسرير ما يعني أنه من المستبعد إستئناف تصدير النفط على المدى المنظور.

هذا وقد حذّر رئيس الأركان في الجيش الليبي عبد الرزاق الناظوري من استهداف أي ناقلة نفط أجنبية تقترب من الساحل الليبي. وقد قال الناظوري الذي عينة مؤخرًا رئيس مجلس النواب في الشرق عقيلة صالح حاكمًا عسكريًا، إن الناقلات التي وافقت عليها المؤسسة الوطنية للنفط (المعترف بها من قبل مجلس النواب في الشرق) سيسمح لها بالدخول إلى المياه الليبية فقط. هذا أقصى ما نتج عن عملية الادماج.

ويأتي هذا التحذير بعد أن قامت كل من الإداراتين المتنافستين للمؤسسات الوطنية للنفط في طرابلس وبنغاري بإدانة بشكل منفصل اجتماع المبعوث الأممي مع الجضران.

ويلوح شبح حصار شديد على ليبيا مع التشكيلات السياسية الجديدة. فالجضران الذي اصبح مؤخرًا حليفًا رئيسيًا لحكومة الوفاق الوطني والمجتمع الدولي تحول مجددًا إلى خارج عن القانون محاولًا تهريب النفط بصورة غير شرعية إلى الخارج.

في ربيع عام 2014، فام باستئجار ناقلة كورية التي سرعان ما وصلت إلى عرض المحيط حتى اعترضتها القوات الخاصة الأميركية. ويدل واقع ان الناقلة تمكنت من ترك المياه الليبية على عجز رئيس الوزراء علي زيدان. وبعد أيام من اعتراض السفينة حجبت عنه الثفة. وكانت هذه هي الخطوة الأولى إلى استقطاب انتخابات مجلس النواب يليه انقسام البلد إلى حكومتين متنافستين. وإذا كان التاريخ مؤشرًا، ستكون أي محاول للجضران بتهريب النفط سببًا كافيًا للانهيار الكامل لعميلة الوحدة التي ترعاها الأمم المتحدة.