تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يكافح المجتمع المدنيّ لضمان حريّة التّعبير والتّظاهر السلميّ

تحاول الأحزاب الإسلاميّة في السلطة تمرير قانون لتقييد حريّة التّعبير والتّظاهر السلميّ في العراق، الأمر الّذي لم تنجح فيه حتّى الآن بسبب ضغوط الشارع المدنيّ.
Members of the newly elected Iraqi parliament attend a session at the Parliament headquarters in Baghdad July 1, 2014. The acting speaker of Iraq's newly elected parliament said no agreement had been reached on naming a new speaker and that the parliament now had no quorum.    REUTERS/Stringer (IRAQ - Tags: POLITICS) - RTR3WLLU

العراق، بغداد – نجح الضغط المدنيّ في العراق بمنع تمرير مشروع قانون "حريّة التّعبير والتّظاهر السلميّ"، الّذي يعدّه الناشطون مصيدة سياسيّة لإعادة إنتاج ديكتاتوريّة جديدة في البلاد. لقد انطلق حراك المنظّمات منذ إعلان البرلمان إدراجه مشروع القانون، في شكل مفاجئ، ضمن أجندته يوم الأربعاء في 13/7/2016، بعد أن تسرّبت المسودّة المعدّلة، ممّا أدّى إلى انتفاض المدنيّين في العراق، فسارعوا بالإتّفاق مع المدوّنين البارزين في العراق إلى إطلاق حملة عبر مواقع التّواصل الإجتماعيّ بالوسمين: "#لا_لتكميم_الأفواه" و"قانون_قمع_الحريّات"، الّتي امتدّت حتّى يوم الأحد، أيّ قبل يوم على جلسة التّصويت المرتقبة.

وفي اليوم ذاته، عقدت منظّمات المجتمع المدنيّ المتحالفة مؤتمراً صحافيّاً في مقرّ منظّمة برج بابل، أعلنت فيه رفضها لجملة موادّ في القانون، ودعت إلى وقفة احتجاجيّة في ساحة التّحرير لإعلان رفضها تمرير القانون بصيغته "السيّئة"، حضرها العشرات من الناشطين والصحافيّين. وأخيراً، قرّر البرلمان في ١٣ تمّوز/يوليو تأجيل التّصويت على القانون إلى حين تعديله، وإيكال مهمّة ذلك إلى لجان الثقافة والإعلام وحقوق الإنسان والقانون والأوقاف الدينيّة.

ويتضمن مشروع قانون حرية التعبير عقوبات قاسية مثل سجن لمدة سنة على الأقل لمن أساء او سخر من رموز او شخصيات دينية، او من قام بتحريف نص ديني. كما يضع قيود صعبة للقيام بمظاهرات سلمية، منها أخذ الإذن ستة أيام قبل المظاهرة من الوحدة الإدارية مع احتفاظ الحق بالرفض للوحدة الإدارية، وليس للمتظاهرين في المقابل الا اللجوء الى المحكمة، ما يعني إلغاء المظاهرة بسبب الإجراءات الإدارية الطويلة المتطلبة لتقديم شكوى في المحكمات العراقية.

وكان البرلمان قد أدرج أيضا على جدول أعماله السبت في 16/7/2016 التّقرير الخاص بقانون جرائم المعلوماتيّة، الّذي صيغ في عام 2006 من قبل الحكومة العراقيّة، إلاّ أنّه سرعان ما سحب التّقرير من جلسته، استجابة لضغط الشارع. ويتضمّن هذا التّقرير أيضاً مقترحات لتقييد الحريّات العامة على شبكة الإنترنت. وقد أعاد البرلمان مناقشة التقرير في يوم ٢٦ تموز بعد ما هدء الشارع المدني قليلاً.

وفي هذا الإطار، قال المستشار القانونيّ لجمعيّة الدفاع عن حريّة الصحافة في العراق زهير ضياء الدين لـ"المونيتور": "إنّ عمليّة صياغة القوانين من قبل المشرّع غير ناضجة، بل مخادعة في بعض الأحيان، باعتبارها تضع مسميّات متوافقة مع ميول الشارع، لكنّ نصوصها مليئة بالقيود والعقوبات القاسية والعبارات الفضفاضة".

وأشار إلى أنّ أبرز ما يعاب على هذا القانون هو مسماه "حريّة التّعبير"، باعتبار أنّ المادّة 38 من الدستور كفلت حريّة الإعلام والصحافة والتّعبير، وكفلت أيضاً التّظاهر السلميّ، شرط أن ينظّم بقانون، وقال: "إنّ القانون يجب أن يتحوّل اسمه إلى قانون التّظاهر السلميّ، وترفع قيود الإذن قبل التّظاهر والمدّة الزمنيّة المقترحة قبل التجمّع الّتي حدّدها القانون بستّة أيّام، ويرفع بعض الموادّ المتداخلة في قوانين أخرى، إذ بعضها مشرّع والآخر قيد الصياغات".

أضاف: "إنّ المادّة 3 من القانون تدخل في قانون حقّ الحصول على المعلومة، الّذي تتمّ صياغته حاليّاً في الدائرة القانونيّة لمجلس الوزراء، هذا إضافة إلى القيود القانونيّة الّتي تدفع باللّجوء إلى قانون العقوبات العراقيّ رقم 111 لسنة 1969".

وتابع زهير ضياء الدين: إنّ الجمعيّة تعمل على إلغاء ستّة قوانين موروثة، وهي قانون العقوبات العراقيّ لسنة 1969، قانون المطبوعات 206 لعام 1968، قانون وزارة الإعلام لسنة 2001، قانون الرقابة على المصنّفات والأفلام السينمائيّة رقم 64 لسنة 1973، قانون نقابة الصحافيّين لسنة 1969، وأمر سلطة الإئتلاف رقم 14 لسنة 2003، الّتي تخصّ النّشاط الإعلاميّ المحظور وتعطي الصلاحيّة إلى رئيس الوزراء في غلق أيّ وسيلة إعلاميّة ومصادرة معدّاتها وأموالها، بل سجن العاملين فيها، إضافة إلى تعديل قانون حقوق الصحافيّين.

وفي هذا الإطار، اعتبر عضو لجنة حقوق الإنسان النيابيّة حبيب الطرفي في حديثه لـ"المونيتور"، أن الصيغة المعدّلة يجب أن تكون "توافقيّة بين اللّجان النيابيّة والمنظّمات المهتمّة بالحريّات في عموم العراق"، وقال: "إنّ على البرلمان أخذ وقتاً كثيراً من أجل تعديل القانون، بما يتوافق مع النّظام الديموقراطيّ، وبما يضمن حريّة الفرد العراقيّ".

ومن جهتها، قالت المحاميّة القانونيّة والنّاشطة المدنيّة مروة عبد الرضا: "إنّ عدد الدعاوى المرفوعة ضدّ الصحافيّين والناشطين والمدوّنين في تزايد مطّرد، بسبب المنظومة القانونيّة الموروثة من النّظام الديكتاتوريّ السابق، ومحاولة الطبقة السياسيّة إقرار مجموعة جديدة من القوانين الداعمة لها". وأكّدت أنّ عدد الشكاوى المسجّلة ضدّ الصحافيّين هذا العام زاد عن الخمسمائة حتّى منتصف تمّوز/يوليو الحاليّ، في حين أنّ الدعاوى المقامة في عام 2015 بمجملها 307 دعوى، مشيرة إلى أنّ تمرير قانون حريّة التّعبير والتّظاهر السلميّ، يعني تزايد القيود والعقوبات على المواطنين عموماً.

وأبدت مروة عبد الرضا ارتياحها لـ"نضج" حراك المجتمع المدنيّ، وقالت: "إنّ هذا الحراك لو حصل قبل تمرير قوانين أخرى في السابق مثل قانون حقوق الصحافيّين، لما تمكّن الساسة من فرض سطوتهم على الشارع وممارسة سياسة تكميم الأفواه". وكانت هيئة الرئاسة البرلمانيّة أدرجت قانون حريّة التّعبير والتّظاهر السلميّ في جدول أعمالها للمرّة الأولى في عام ٢٠١١، لكنّه واجه اعتراضات من قبل مجموعة منظّمات طالبت بمنحها فرصة لإبداء ملاحظاتها على القانون وتنظيم جلسة استماع للمهتمّين بها.

وعادت الهيئة وأدرجته مرّة أخرى في جدول أعمالها بآب/أغسطس من عام 2015 لقراءته قراءة ثانية والتّصويت عليه بعد التّعديلات، لكنّها واجهت موجة اعتراضات أخرى من قبل منظّمات المجتمع المدنيّ المعنيّة بالحريّات، ونظّمت مجموعة منظّمات مؤتمراً صحافيّاً بالإشتراك مع مفوضيّة حقوق الإنسان داخل البرلمان لإعلان رفضها التّصويت على المسودّة، الّتي لم تطّلع عليها المنظّمات في حينها.

وبدورها، قالت منسّقة تحالف المنظّمات المهتمّة بالحريّات المدنيّة في العراق ونائبة رئيس مؤسّسة برج بابل ذكرى سرسم في حديثها لـ"المونيتور": "إنّ المنظّمات تحاول استغلال استجابة البرلمان والقوى الأخرى للشارع والنفوذ من خلال دعوات الإصلاح الّتي ترفعها الحكومة والكتل السياسيّة عموماً، لمواصلة الضغط من أجل تحقيق ما نريده من هذا القانون". 

أضافت: "إنّ المنظّمات المتحالفة تنوي إقامة مؤتمر موسّع في إحدى قاعات البرلمان الرسميّة، الأسبوع المقبل، وتوجيه دعوات إلى مجموعة من النوّاب لإعادة إطلاعهم على الصياغات المتبنّاة من قبل المجتمع المدنيّ".

More from Mustafa Naser

Recommended Articles