تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قصّص مؤلمة يرويها الناجون من مدينة منبج في شمال سوريا

يزداد يوماً بعد يوم عدد الهاربين من مدينة منبج في شمال سوريا، من المنطقة الخاضعة إلى سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة، على إثر اشتداد المعارك فيها، بعدما أعلنت قوّات سوريا الديمقراطيّة معركة لاستعادتها في 31 أيّار/مايو 2016.
Syrian families, who fled the assault launched by Arab and Kurdish forces against Islamic State (IS) group fighters in the town of Manbij, arrive at an encampment on the outskirts of the town, 20km away from the center, on June 4, 2016.  
Arab and Kurdish fighters backed by Washington have launched an assault on the strategic Manbij pocket further up the Euphrates on the Turkish border, regarded as a key entry point for foreign jihadists.
The Syrian Democratic Forces's offensive against the Manbij pocket is

غازي عنتاب، تركيا — يروي عدد من المدنيّين الناجين من مدينة منبج التابعة إلى ريف حلب الشرقيّ، أنّ أعداد الراغبين في الهروب من المنطقة الخاضعة إلى سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة هي أكبر بكثير من أعداد من حالفهم الحظّ ولاذوا بالفرار.

يروي هؤلاء الناجون قصصاً مروعة عن يوميّات الحرب في مسقط رأسهم منبج، وكيف كانت الحياة في ظلّ حكم التنظيم الإسلاميّ المتشدّد والفظائع التي كان يرتكبها الجهاديّون.

يروي حسين العوّاد، وهو أحد الذين وصلوا للتوّ إلى منطقة طريق حلب وتقع بالجهة الجنوبية للمدّينة وتخضع حالياً لسيطرة قوات سّورية الديمقراطية، كّيف أنّ أخيه الأكبر عبد الله قرّر الهرب من منبج التي تشهد معارك شرسة منذ شهر ونصف بدأت في 31 من أيّار/مايو 2016 ولا تزالّ مستمرة، برفقة جارهم عبد العزيز أبو محمّد في الأول من الشهر الجاري، حيث سلكا طريقاً فرعيّاً كي يستطيعا الوصول إلى المنطقة الخاضعة إلى سيطرة قوّات سوريا الديمقراطيّة.

وذكر حسين إلى موقع "المونيتور" أنّ أخيه وجارهم حدّدا ساعة المغادرة بعد منتصف الليل، وقال: "في ذاك التوقيت، كان يبدأ تبديل المناوبات العسكريّة بين عناصر التنظيم". وتابع حديثه: "في اليوم التالي، لم يصلنا أيّ خبر منهما. انتظرنا ثلاثة أيّام من دون معرفة أيّ شيء عنهما، إلى أن وصلنا خبر في الرابع من الشهرّ الجاريّ أنّهم قتلوّا برصاص قنّاص تابع إلى التنظيم".

لم تثن الحادثة حسين وعائلته من المغامرة والهروب من قبضة التنظيم، وقال: "في الحالتين، نحن في عداد الموتى، فإذا بقينا في منبج قد نموت بصاروخ أو عمليّة انتحاريّة أو برصاص قنّاص، أمّا إذا هربنا لا خوف علينا لأنّنا نقصد الخلاص".

واستطاع حسين وعائلته في 15 من الشهر الجاري الوصول إلى حيّ الحزاونة، والذي يقع في الجهة الجنوبيّة من منبج، وبات يخضع إلى سيطرة قوّات سوريا الديمقراطيّة.

أمّا مريم إسماعيل وتنتمي الى منطقة حسين العّواد، وهي فتاة في ربيعها الثاني والعشرين، فقرّرت خلع برقعها بعدما أجبرت على ارتدائه بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة على مدينتها منبج منذ بداية عام 2014، وقالت لموقع "المونيتور": "أوّل ما وصلت إلى حيّ خريجة وهي منطقة محرّرة، خلعت البرقع الأسود الذي كان التنظيم يجبرنا على ارتدائه، بينما ترك لي أهلي حريّة الاختيار".

ترتدي مريم الآن شالاً أزرق يغطّي شعرها وتعيش مع عائلتها. لم يعترض أحد من أخوتها أو والديها على قرارها، وعن مشاعرها أردفت قائلة: "أحبّ اللون الأزرق كثيراً، فهو يعكس لون السماء والبحر. بالنسبة إليّ هو لون التسامح والمحبّة والسلام".

ولا تخرج أخبار المناطق الخاضعة إلى سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة إلى الإعلام إلّا قليلاً، وذلك من خلال الإصدارات الخاصّة به التي تنشر على المواقع والصفحات التابعة إليه، أو عبر الأشخاص الفارّين من قبضته.

وتمكّن محمّد العلي وهو رجل في بداية عقده الرابع، في 10 من الشهر الجاري أن يصل إلى منطقة طريق حلب وتسيطر عليها قوّات سوريا الديمقراطيّة. كشف أنّه حضر دورات شرعيّة كان ينظّمها المكتب الدعويّ التابع إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة.

ويشير محمّد لدى حديثه إلى موقع "المونيتور" إلى أنّ معظم سكّان المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم كانوا يخضعون إلى دورات شرعيّة، وقال: "كلّ من يرتكب مخالفة أو يحتجّ على قوانينهم كان يخضع إلى تلك الدورات، لا سيّما من لم يبايعهم".

بيد أنّ محمّد ليس الوحيد الذي قرّر الهروب والنجاة بروحه، فخديجة هي الأخرى قرّرت الهروب من منبج مع عائلتها خشية على ولديها من أن يلتحقا بصفوف مقاتلي التنظيم.

وذكرت خديجة-طلبت عم الإفصاح عن هويتها الحقيقية-أنّ ولديها بدآ يتأثّران بخطاب التنظيم، فالابن الأكبر ويدعى عقيل لم يتجاوز الخامسة عشر، أمّا الابن الثاني صهيب فلا يزال صغير السنّ ولم يتجاوز العاشرة من عمره، وتقول والدتهما إلى موقع "المونيتور" أنّهما "كانا يذهبان بانتظام إلى المدرسة الشرعيّة في المدينة، ويستمعان إلى خطب شيخ الجامع، ويلتزمان بالدروس الدينيّة". وتضيف خديجة: "كانوا يجادلان والدهم بالفقه الإسلاميّ وضرورة تطبيق الشريعة الإسلاميّة، الأمر الذي دفعني إلى إقناع أبيهما بضرورة الهرب من منبج وتخليص أبنائها من هذا الفكر المتطرّف".

وعمد تنظيم الدولة الإسلاميّة إلى تحويل المدارس إلى مقرّات أو سجون له، كما منع تدريس التلاميذ وفق المنهج الرسميّ المعتمد في سوريا، وفرض على الطلّاب الخضوع إلى دورات تعليميّة دينيّة. وعن كيفيّة التعامل مع الشباب والأطفال، لا سيّما الذين خضعوا إلى الدورات الشرعيّة، قال رئيس الإدارة المدنيّة المشكّلة من قبل المجلس العسكريّ لمدينة منبج وريفها فاروق الماشي إلى موقع "المونيتور" إنّ إدارته تسعى إلى "فتح مشافٍ نفسيّة خاصّة بمعالجتهم، وتخصيص برامج لإعادة تأهيل هؤلاء الأطفال وغيرهم ممّن تأثّروا نفسيّاً بحكم "داعش"".

ويتحكّم تنظيم الدولة الإسلاميّة المتطرّف في مناطق سيطرته بمفاصل الحياة كافّة، ويغذّي شعور الرعب بين الناس من خلال الإعدامات والعقوبات التي يطبّقها، الأمر الذي دفع البعض إلى التعاون معه. وعن مصير الذين تعاونوا مع التنظيم أو أيّدوه في حال قرّروا البقاء في مسقط رأسهم منبج، أفاد الماشي: "سيحالون إلى محاكم شعبيّة محلّية عادلة، أمّا الذين ارتكبوا جرائم القتل فستكون عقوبتهم مضاعفة".

وتقول قوّات سوريا الديمقراطيّة إنّ التحدّي الأبرز يكمن في نشر الثقة بين المدنيّين وإعادتهم إلى منازلهم. ويرى المتحدّث الرسميّ باسم المجلس العسكريّ لمدينة منبج وريفها شرفان درويش في لقائه مع موقع "المونيتور" أنّ قوّاته حرّرت آلاف المدنيّين في ريف منبج، ويوجد أكثر من 30 ألف نازح فرّوا من المدينة أخيراً خلال المعارك الجارية، وقال: "هؤلاء في حاجة ماسّة إلى المساعدات الإغاثيّة، لأنّهم يحتاجون إلى الرعاية الصحّيّة والغذائيّة وتوفير ملاذات آمنة لهم، وهذا ما لا يمكن أن تقوم به المجتمعات المحلّيّة لوحدها".

وطالب درويش بأن تقوم المؤسّسات الدوليّة بواجباتها الأخلاقيّة والقانونيّة في هذا الشأن، وأضاف: "يجب مساعدة المجتمعات المحلّيّة في إعادة ترتيب الحاجات الحياتيّة اللازمة عبر الضغط على الدول المجاورة، وخصوصاً تركيا وإقليم كردستان بغرض فتح الممرّات الإنسانيّة".

وفي ختام حديثه، اعتبر درويش أنّ "القضيّة لا تقتصر على تحرير المدن من الإرهاب، بل تستوجب أن تقوم الدول والمنظّمات المعنيّة بتأمين السبل الحياتيّة اللازمة للمدنيّين، بالتوازي مع تحرير المدن والبلدات من آفة الإرهاب".

وقد مضى على انطلاق معركة منبج أكثر من شهر ونصف، من دون أن تحسم الأطراف المتصارعة العمليّات العسكريّة، لوجود قرابة 125 ألف مدنيّ محاصر في مناطق الاشتباكات.

More from Kamal Sheikho

Recommended Articles