تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحشد الشعبيّ يهيّئ نفسه لدور سياسيّ وناشطون يتخوّفون

مؤشّرات مبنيّة على معطيات تؤكّد أنّ قوّات "الحشد الشعبيّ" تطمح إلى تبنّي دور سياسيّ أوسع في العراق، ممّا يثير مخاوف من توسيع نفوذ إيران من خلالها.
Iraqi Shiite Muslim men from Hashid Shaabi (Popular Mobilization) hold portraits of (front to back) Iran's late leader Ayatollah Ruhollah Khomeini, Iraq's late Shi'ite cleric Mohammed Baqir al-Sadr, and Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei during a parade marking the annual al-Quds Day, or Jerusalem Day, on the last Friday of the Muslim holy month of Ramadan in Baghdad, July 10, 2015. REUTERS/Thaier al-Sudani  - RTX1JVWV

بغداد - قيام قوّات من "الحشد الشعبيّ" الشيعيّ بتغيير اسم شارع قديم في البصرة إلى شارع "الإمام الخميني" المرشد الإيرانيّ الراحل في الأوّل من تمّوز/يوليو الجاري، أثار عاصفة من الجدل على صفحات وسائل التّواصل الإجتماعيّ في العراق. لم يتمّ تغيير الاسم من قبل السلطة المحليّة ذات الصلاحيّة الشرعيّة في هذه الأمور، بل من قبل قوّات من "الحشد الشعبيّ".

ورأى أكاديميّون وإعلاميّون أنّ ذلك يعبّر عن تنامي القوّة السياسيّة للحشد الموالي لإيران، محذّرين من تداعيات ذلك على الحريّات العامّة، وذلك بحسب ما صرّح كلّ من الشاعر والإعلاميّ البصريّ طالب عبد العزيز والكاتب وأستاذ الفلسفة في الجامعة المستنصريّة ببغداد ستّار عوّاد لـ"المونيتور"، فيما قال المتحدّث باسم "الحشد الشعبيّ" كريم النوري لـ"المونيتور": إنّ الطموح السياسيّ حقّ مشروع لهذه القوّة الّتي دافعت عن العراق.

ولم تكن تسمية شارع باسم الخميني أمراً جديداً، إذ سبق تسمية شارع في مدينة النّجف الدينيّة بهذا الاسم في نيسان من عام 2015، إلاّ أنّ ذلك جاء ضمن سياقات قانونيّة وإداريّة من قبل الحكومة المحليّة هناك، فيما اختلف الأمر في البصرة حيث قامت قوّة من "الحشد الشعبيّ" بتسمية الشارع. ورفضت الجهات الرسميّة في محافظة البصرة الإدلاء بأيّ تصريح إعلاميّ في هذا الشأن. وسعى "المونيتور" للحصول على رأي من بلديّة البصرة في ما إذا كانت تسمية الشارع رسميّة، إلاّ أنّ البلديّة رفضت التوضيح، حسبما قال مدير إعلام بلديّة البصرة علاء العليّ: "نرفض الإدلاء بأيّ تصريح نفياً أو تأييداً في خصوص الموضوع". كما لم يصدر أيّ موقف رسميّ ببيان أو تصريح صحافيّ من المحافظة أو مجلس محافظتها في هذا الخصوص.

ويشار إلى أنّ سلطة "الحشد الشعبيّ" في البصرة ازدادت في الأشهر الأخيرة حتّى باتت أقوى من السلطات المحليّة أو السلطات الإتحاديّة في المحافظة. وعبّر طالب عبد العزيز عن تخوّف الكثيرين من تناول أيّ موضوع يخصّ الحشد في البصرة، وقال لـ"المونيتور": "لا يمكننا الحديث لأنّ الوضع الأمنيّ غير مسيطر عليه، فالعصابات يمكن أن تهدّد أيّ شخص بالقتل". أضاف: إنّ تغيير أسماء الشوارع والتّضييق على حريّات الناس وانتشار الأعلام الإيرانيّة وصور الزعماء الإيرانيّين هي من نماذج هيمنة الحشد على المجال العام في البصرة".

ولاحظ الإعلاميّون انخفاض الحريّات العامّة مثل شراء المشروبات الكحوليّة وبيعها، وقصّات الشعر الجديدة للشباب، وزيادة المظاهر الدينيّة مثل رفع الأعلام والرموز الشيعيّة في محافظات الوسط والجنوب الشيعيّة التّسع، وهي مناطق نفوذ الحشد. ومع ذلك، فإنّ نشطاء يشيرون إلى ارتباط تلك الميليشيات المسلّحة بالإسلام السياسيّ الحاكم. وفي هذا السياق، قال الناشط المدنيّ البصريّ رشيد الفهد لـ"المونيتور": "إنّ ميليشيات الحشد حاليّاً هي أذرع لقوى سياسيّة موجودة بالفعل في مجلسي المحافظة والنوّاب".

وأشار النشطاء إلى تمدّد الحشد في شؤون أمنيّة وقانونيّة أخرى، فمثلاً، هدّد الشيخ أوس الخفاجي، وهو قائد قوّات أبو الفضل العبّاس إحدى فصائل "الحشد الشعبيّ" بإعدام السجناء من أعضاء تنظيم "داعش"، وقال أوس الخفاجي في تسجيل نشر بعد يومين من تفجيرات الكرادة الدامية في 3 تمّوز/يوليو الجاري: "إنّ قوّات أبو الفضل العبّاس ستقوم بنفسها بإعدام جميع المجرمين الإرهابيّين في حال عدم قيام الجهات المختصّة بإعدامهم. فالله معنا، والقانون معنا، والشعب معنا".

وحذّر أكاديميّون من تنامي القوّة السياسيّة لـ"الحشد الشعبيّ" وأثر ذلك على سوق الدولة العراقيّة نحو تبعيّة إيران في المنطقة. وقال ستّار عوّاد لـ"المونيتور": إنّ ولاء أغلب فصائل الحشد ليس للعراق، وهي تريد التّضحية بالعراق ضمن صراعات إيران في المنطقة والعالم.

وكان قائد ميليشيا عصائب أهل الحقّ المنضوية في "الحشد الشعبيّ" الشيخ قيس الخزعلي قد قال في وقت سابق، ردّاً على إسقاط الجنسيّة عن رجل دين بحرينيّ: "إنّ الأسلوب الديبلوماسيّ لا يحقّق النّتيجة لوحده، فلا بدّ أن تكون إلى جانبه المقاومة المسلّحة". أضاف: "نحن مع الخيار المسلّح وندعمه، ولدينا استعداد لنصرة إخواننا في البحرين والإحساء والقطيف في السعوديّة. وجزء كبير من فصائل الحشد الشعبيّ يؤيّد ذلك".

وغالباً ما يتّهم مجاهدو منظّمة "خلق" الإيرانيّة المعارضة المتواجدة في معسكر ليبرتي، الميليشيات الموالية لإيران والمنضوية في الحشد حاليّاً، بقصف أماكن تواجدهم بين فترة وأخرى، وكان آخر تلك الهجمات في 4 تموّز/يوليو الحاليّ، حيث تعرّض معسكر ليبرتي إلى القصف بعشرات القذائف الصاروخيّة.

أمّا "الحشد الشعبيّ" فمن جانبه لم ينف طموحه السياسيّ في العراق، إلاّ أنّه بدا حذراً وبراغماتيّاً في خطواته نحو هذا الهدف. وقال كريم النوري لـ"المونيتور"، ردّاً على تغيير اسم شارع في البصرة: "ليس من شأننا تغيير الأسماء، فمجلس المحافظة هو المعنيّ في هذا الشأن، ومهما كان الاسم مقدّساً فليس من الصحيح أن نبادر نحن إلى ذلك".

أضاف: "لم يكن من الصحيح تدنيس العلم الأميركيّ، فلولا أميركا لما تمكّن أحد من إقامة الاستعراض أصلاً، فهذه التّصرفات فيها طيش ورعونة وجهل". وكان ذلك ردّاً على قيام بعض فصائل الحشد والقوّات النظاميّة في البصرة بتدنيس العلم الأميركيّ في آخر يوم جمعة من شهر رمضان، الّذي أعلنه الزعيم الإيرانيّ الراحل الخميني يوماً لاستذكار القدس.

ومع ذلك، فالحشد لم ينف نيّته استلام السلطة في العمليّة السياسيّة، لا سيّما بعد تهالك مشروعيّة الأحزاب والقوى الحاكمة بعد عام 2003 بسبب الفساد والفشل الحكوميّ وزيادة غضب الشارع. وقال النوري لـ"المونيتور": "ليس من الصحيح أن نقاتل، وبعد ذلك نجلس في الثكنة ونترك العمل السياسيّ، فالعمل العسكريّ للحشد لا يمنع الطموح في السياسة". 

وقد حظي "الحشد الشعبيّ" أخيراً بشعبيّة واسعة، خصوصاً بعد الإنتصارات الّتي حقّقها في الفلّوجة، مما زاد من حظوظه في الإنتخابات العامّة المقرّرة بعد أقلّ من عامين، إلاّ أنّ الأكاديميّين بيّنوا أنّ الحشد لا يختلف عن القوى السياسيّة الحاليّة. وقال عوّاد لـ"المونيتور": "ليس للحشد أيّ كفاءة لإدارة البلاد أو بنائها، فكلّ معرفته وهوايته الحرب والقتال وتنفيذ أحكام الشريعة مثل إيران".

More from Ali Taher

Recommended Articles