تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا ينقلب الإيرانيون على ليوناردو دي كابريو

أثار الإعلان عن فيلم هوليوودي يروي سيرة حياة الرومي، الشاعر الفارسي الذي عاش في القرن الثالث عشر، ويؤدّي فيه ليوناردو دي كابريو دور البطولة، غضباً عارماً في صفوف الإيرانيين.
rumileo.jpg

سوف تطرح هوليوود قريباً فيلماً يروي سيرة الشاعر والعلاّمة الفارسي جلال الدين محمد بلخي الذي عاش في القرن الثالث عشر. سيعمل كاتب السيناريو الحائز على جائزة أوسكار، ديفيد فرانزوني، الذي كتب سيناريو فيلم "المجالد" (Gladiator) الذي حقّق نجاحاً باهراً في العام 2000، على الفيلم بالتعاون مع تركيا.

ولد بلخي المعروف في إيران بـ"مولانا" أو "مولاي" وفي الغرب بـ"الرومي"، في مدينة بلخ في أفغانستان كما نعرفها اليوم، والتي كانت آنذاك جزءاً من الأمبراطورية الفارسية الخوارزمية.

أثار الإعلان عن الفيلم سجالاً. فقد أطلق اختيار ليوناردو دي كابريو لأداء دور الشاعر الفارسي، مشاعر غضب عارمة على خلفية الاتهامات بـ"التبييض" التي انتقدت صنّاع الفيلم على اختيار ممثّل أبيض لأداء دور الرومي – لا سيما في إيران وتركيا وأفغانستان التي تدّعي كلها أن الرومي هو شاعرها الوطني.

قال الناقد السينمائي والكاتب الإيراني، أحمد طالبي نجاد، لموقع "المونيتور": "بدأ افتتان الولايات المتحدة والغرب بمولانا، أو كما يسمّونه ’الرومي‘، قبل بضع سنوات. هو ليس شخصية آسرة في عالم السينما وحسب، إنما أيضاً في الموسيقى والشِّعر. لعل السبب هو نظرته الشاملة إلى العالم. أقصد أنه إذا نظرنا إلى تفسيره للحياة والوجود، ندرك أنه رأى في العالم بأسره منزلاً له، لذلك لا ينتمي إلى مجموعة واحدة من الأشخاص".

أشار طالبي نجاد إلى كتاب "الرومي: نار العشق" للكاتبة الذائعة الصيت نهال تجدد، الذي تروي فيه قصة حياة الرومي، وقال نجاد: "ليس واضحاً حجم الحقائق من عدمه في هذه الرواية. لكنها تصوّر مولانا شخصاً فريداً من نوعه. هكذا بالضبط يراه الجمهور، وفي هذا السياق، ربما لدى صنّاع الأفلام في هوليوود أيضاً الحق في إنتاج فيلم عنه".

هرب الرومي الذي كان طفلاً في ذلك الوقت، مع عائلته من بلخ خلال الاجتياح المغولي وتوجّهوا إلى بغداد ومكة ودمشق قبل أن يستقروا في كونيا التي تقع في تركيا ضمن حدودها الراهنة. تولّى مولانا تدريس الفقه الإسلامي حتى أواخر الثلاثينات من عمره عندما التقى شمس التبريزي، المتصوّف الفارسي الذي حوّل حياته وأصبح مصدر الإلهام خلف مجموعة القصائد الملحمية التي كتبها الرومي.

يُقال إن اللقاء بين الرجلَين استمر أربعين يوماً قام خلالها شمس بتعليم الرومي في مكان منعزل. لاحقاً، كتب الرومي آلاف الأبيات التي عبّر فيها عن حبه الروحي لشمس، وقد جُمِعت في رائعتَين من روائع الشِّعر الفارسي: "ديوان شمس التبريزي" و"مثنوي معنوي".

قال الصحافي والناقد السينمائي الإيراني، رضا صديق، لموقع "المونيتور" إنه يعتقد أن منتجي هوليوود غير قادرين على فهم العلاقة الحقيقية بين الرومي وشمس، مضيفاً: "ربما كانت شخصية على غرار [الشاعر الفارسي في القرون الوسطى] عمر الخيام أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى هوليوود، نظراً إلى أن قصائده وأسلوبه أقرب إلى الأزمنة الحديثة. على سبيل المثال، قال الخيام: ’كن سعيداً في هذه اللحظة، فهي حياتك‘. إذاً السؤال عن الأسباب خلف اهتمام هوليوود بمولانا يقود إلى مجموعة من الأسئلة: هل يفهم المنتجون الغربيون التصوّف الشرقي؟ ماذا يعرفون عن مثنوي [من أبرز قصائد الرومي]؟ وهل يمكنهم بلوغ الفهم الضروري [لهذه الأمور]؟ لسوء الحظ، الجواب هو كلا".

لكن ما هي الصورة التي يملكها منتجو الفيلم عن الشاعر الفارسي؟ قال فرانزوني في مقابلة مع صحيفة "الغارديان": "إنه أشبه بشكسبير. إنه شخصية ذو موهبة كبيرة وقيمة هائلة لمجتمعه وشعبه، ومن الواضح أنه لا يزال يمارس تأثيراً اليوم. أولئك الأشخاص يستحقون دائماً الاستكشاف".

قال صديق لموقع "المونيتور" إنه يعتقد أن هوليوود ستقدّم صورة "مشوّهة" عن الرومي وشمس مضيفاً: "هذا بالضبط ما فعلته هوليوود وستستمر في فعله بالتاريخ، لا سيما تاريخ الشرق. إذا أخذنا فيلم ’نوح‘ الذي أخرجه دارن أرونوفسكي، نلاحظ التفاوت الكبير بين القصة الحقيقية والتشوّهات التي أدخلتها هوليوود عليها. كيف يمكن لهوليوود أن تفهم مثل هذه الأحداث في حين أنه لا يمكنها التماهي معها أو أنها لم تعايش الذهنية الشرقية لتلك الشخصيات المرموقة؟"

الأمر الذي أثار الغضب الأكبر هو اختيار ليوناردو دي كابريو لأداء دور الرومي، وروبرت دوني جونيور في دور شمس التبريزي. فقد عبّر المغرّدون عن غضبهم على موقع "تويتر" مستخدمين هاشتاغ "رومي لم يكن أبيض". وسأل النقّاد: "لماذا لا يُعطى دور أساسي أو إيجابي إلى ممثّلين من الشرق الأوسط؟" فأتت الردود لتتضمّن إشارة إلى "التفضيلات العنصرية الطاغية في هوليوود". إلا أن بعض مستخدمي الإنترنت كتبوا أن هذه الأسئلة "خاطئة في جوهرها، لأنها تؤدّي في ذاتها إلى صعود العنصرية". وهناك من أعرب عن مخاوفه من "استحواذ" الحكومة التركية على الرومي.

قال طالبي نجاد لموقع "المونيتور" إن العامل المشترك الأساسي في كل هذه الاعتراضات سياسي الطابع، مضيفاً: "نحن الإيرانيين نعتبر أن مولانا ملك لنا، والأفغانيون يعتبرونه ملكاً لهم. لكن تركيا هي التي استحوذت عليه في الواقع. افتقارنا إلى المناورة السياسية هو الذي أدّى إلى تسجيل مولانا كملكية تركية. أخشى أن يحدث الشيء نفسه في المستقبل مع الشاعرَين الخيام وسعدي [الشيرازي]".

وحول أداء دي كابريو لدور البطولة، قال طالبي نجاد: "يتمتّع بمزايا جاذبة، ما قد يجعلنا أقرب إلى الروحانية في وجه الرومي. من جهة أخرى، لا نعرف حقاً أي صورة عن مولانا هي الأقرب إلى الحقيقة".

لكن صديق يعتبر أن الاعتراضات على الفيلم نابعة من عدم ثقة الشعوب الشرقية بهوليوود، مشيراً إلى أن التبرج والمؤثّرات الخاصة يمكن أن تكون فعالة إلى درجة معينة، غير أن "وجود هذا الممثل يحمل مؤشرات عن مشروع هوليوودي عن مولانا يثير تشاؤم الشرقيين".

في رأي صديق، لا يمكن على الإطلاق النظر إلى مشاركة تركيا في المشروع باعتبارها مسألة ثقافية. يقول في هذا الإطار: "من الواضح أنها مسألة سياسية... سوف تحقق هوليوود والحكومة التركية أهدافهما. وفي خضم هذا كله، ستتم الإساءة إلى مولانا وشمس، وإلى تاريخ التصوّف في الشرق، من دون أن تكون لذلك أي أهمية بالنسبة إلى طرفَي المعادلة".

More from Zahra Alipour

Recommended Articles