تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تراجع الإرهابيّون... فحصلت الانتخابات وعادوا إلى التفاوض

يروي مسؤول رسميّ لبنانيّ لموقعنا كيف أنّ المسلّحين الإرهابيّين المنتشرين في منطقة عرسال على الحدود اللبنانيّة-السوريّة، أصيبوا بنكسات عدّة أدّت إلى تراجع قوّتهم. وإذ يشرح لموقعنا أسباب ذلك، يكشف عن نتيجتين بارزتين لضعف المسلّحين: إجراء الانتخابات البلديّة في المنطقة التي كانوا يسيطرون عليها، وعودتهم إلى التفاوض مع حكومة بيروت حول إمكان انسحابهم الآمن من المنطقة.
Al Qaeda-linked Nusra Front fighters carry weapons on the back of pick-up trucks during the release of Lebanese soldiers and policemen in Arsal, eastern Bekaa Valley, Lebanon, December 1, 2015.  REUTERS/Stringer      TPX IMAGES OF THE DAY      - RTX1WPTT

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على الوضع الأمنيّ غير المستقرّ، على الحدود الشرقيّة للبنان، عند منطقة عرسال وجرودها، حيث تجمّع مسلّحون تابعون إلى جماعات أصوليّة وإرهابيّة مثل "داعش" وجبهة النصرة، بدا في الآونة الأخيرة أنّ الأمور هناك تميل إلى شيء من الاستقرار. حتّى أنّ الجيش اللبنانيّ بات يسيطر في شكل كامل على منطقة عرسال. وبدا أنّ المسلّحين الإسلاميّين المنتشرين في جرود تلك المنطقة، باتوا فعليّاً عاجزين عن القيام بأيّ عمل عسكريّ كبير أو تنفيذ أيّ خرق أمنيّ خطير.

أسباب عدّة يمكن أن تفسّر هذا الوضع المستجدّ. أوّلها، تراجع القدرات البشريّة واللوجستيّة للمسلّحين، نتيجة الضربات التي تلقّوها في الداخل السوريّ، في معاركهم المختلفة مع الجيوش المتعدّدة التي تقاتلهم هناك، الجيش السوريّ والجيش الروسيّ وحزب الله والتحالف الدوليّ ضدّهم. وهو ما يؤكّده لموقعنا مسؤول أمنيّ لبنانيّ طلب عدم ذكر اسمه، كاشفاً أنّ لدى سلطاته "معلومات موثّقة عن أنّ قسماً لا بأس به من المسلّحين الذين كانوا يرابضون في جرود عرسال، انتقلوا منها إلى القتال على جبهات عدّة داخل سوريا". هذا فضلاً عن تقاتل تلك المجموعات في ما بينها على أرض جرود عرسال، إذ نشبت طيلة الفترة الماضية، اشتباكات عدّة بين المسلّحين أنفسهم، من أتباع المجموعات المختلفة، أدّت إلى تصفية العديد منهم وإلى مزيد من إضعاف قدرة هؤلاء في هذه المنطقة.

سبب ثانٍ ساهم في شكل حاسم في إضعاف قدرات المسلّحين، يتمثّل في تنامي قدرات القوى الأمنيّة اللبنانيّة. وإذ يعترف المسؤول الأمنيّ بذلك، يعزوه في شكل أساسيّ إلى المساعدات التي تتلقّاها هذه القوى، وخصوصاً من قبل الولايات المتّحدة الأميركيّة، ذلك أنّ بينها تجهيزات وتقنيّات وأسلحة ساهمت في شكل فعّال في توجيه ضربات حاسمة عدّة للمسلّحين. يبقى سبب آخر، ألا وهو ارتفاع منسوب الحساسية والعداء بين أهل مدينة عرسال اللبنانيّين وبين المسلّحين، وذلك بعد نحو ثلاثة أعوام ونيّف من الممارسات الإرهابيّة التي قام بها هؤلاء داخل البلدة وفي محيطها وجرودها، وخصوصاً بعد سلسلة التصفيات التي قاموا بها ضدّ عدد من أبناء عرسال لأسباب مختلفة، إضافة إلى سيطرتهم المستمرّة على الجرود ومنعهم أبناء المدينة من الوصول إلى أرزاقهم واستثمارها، أكانت حقولاً زراعيّة أم مقالع الصخر الشهيرة التي يملكها العرساليّون في جردها ويعتاش منها عدد كبير منهم، وهو ما حرمهم المسلّحون منه طيلة الفترة الماضية كاملة. لتلك الأسباب كلّها، نشأت حالة من الطلاق النفسيّ والواقعيّ بين المسلّحين الإرهابيّين وأبناء عرسال، و"هو ما ساعد القوى الأمنيّة اللبنانيّة كثيراً في حربها العسكريّة والأمنيّة المفتوحة ضدّ المسلّحين"، كما يؤكّد المسؤول نفسه لموقعنا.

أبرز نتائج تراجع قوّة المسلّحين، ما حصل في 28 نيسان/أبريل 2016، حين تمكّن الجيش اللبنانيّ من مهاجمة منزل داخل عرسال نفسها، كان يقيم في داخله مسؤول "داعش" في المدينة. وسرعان ما اشتبك الجيش بالنار مع المسلّحين، ممّا أدّى إلى مقتل المسؤول الإرهابيّ المذكور، واسمه نايف شعلان حديد، والملقّب بأبو الفوز. بعد هذه العمليّة النوعيّة والحاسمة، يقول المسؤول الأمنيّ لموقعنا، "أدرك جميع المسلّحين الأصوليّين أنّ هامش تحرّكهم داخل مدينة عرسال بات ضيّقاً جدّاً ومكشوفاً أمام ضربات الجيش اللبنانيّ، وأنّ يدّ القوى الأمنيّة اللبنانيّة باتت قادرة على ضربهم هناك".

وقد تكون من ثمار هذه العمليّة وذيولها، تمكّن السلطات اللبنانيّة من إجراء الانتخابات البلديّة في مدينة عرسال، في شكل آمن وهادئ كليّاً، في 8 أيّار/مايو الماضي. وقد عمدت السلطات اللبنانيّة إلى وضع مراكز اقتراع ناخبي عرسال داخل مراكز الجيش اللبنانيّ المرابط على تخوم المدينة. وكان لافتاً أنّه بمجرّد اللجوء إلى هذا الإجراء، حصلت الانتخابات في شكل هادئ كليّاً، علماً أنّ نتيجة أخرى ترافقت مع تلك الانتخابات، إذ انتهت إلى فوز اللائحة المنافسة لرئيس البلديّة السابق، المعروف بتعاونه مع المسلّحين!

غير أنّ النتيجة الأبرز كانت عودة المسلّحين إلى التفاوض مع السلطات اللبنانيّة، حول إمكان عقد صفقة بين الطرفين، تقضي بالسماح بانسحابهم من جرود عرسال، صوب الداخل السوريّ. وهو ما يؤكّده لموقعنا المسؤول الأمنيّ نفسه، كاشفاً أنّ "وسطاء يعملون على خطّ التفاوض بين المسلّحين والسلطات اللبنانيّة الرسميّة، استأنفوا الحديث عن هذا الموضوع، بعد الانتهاء من إجراء الانتخابات البلديّة، وحملوا منهم اقتراحاً أن تتولّى الجهّات الرسميّة اللبنانيّة، التنسيق مع جهّات دوليّة تابعة إلى الأمم المتّحدة، ومع جانب النظام السوريّ، من أجل تنفيذ ترتيبات تسمح لهؤلاء المسلّحين بالانسحاب في شكل آمن صوب الرقّة السوريّة".

لكنّ الواضح أنّ المحاولة المذكورة لم تتقدّم، لأنّ الجانب اللبنانيّ وضع شرطاً أوّل لأيّ اتّصال مع المسلّحين، ألا وهو كشف مصير الجنود اللبنانيّين الذين اتّخذتهم المجموعات الإرهابيّة أسرى لديها بعد الاشتباكات التي وقعت بين الطرفين في جرود عرسال، في 2 آب/أغسطس 2014.

"غير أنّ أيّ جواب لم يأت من جهّة المسلّحين حيال هذا الشرط. وهو ما أدّى إلى توقّف التفاوض فوراً"، كما يؤكّد لنا المسؤول عينه. علماً أنّ اللاجواب حيال قضيّة الجنود الأسرى، يطرح علامات استفهام قاتمة حيال مصيرهم، لجهّة احتمال ألّا يكونوا على قيد الحياة، مع تعتيم المسلّحين على هذا الأمر، كي لا يفقدوا ورقة ضغطهم على الحكومة اللبنانيّة، ممّا دفعهم إلى وقف التفاوض. يظلّ المؤكّد أنّ منطقة عرسال وجرودها باتت في وضع أفضل، وأنّ أوضاع المسلّحين هناك إلى تراجع مطرد.

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles