تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في العراق... مقابر القتلى المجهولين تبحث عن أسماء أصحابها!

تنتشر مقابر المجهولين في محافظات العراق كافة، كما يتم العثور بين الفينة والأخرى على جثث غير معرّفة الهوية، مدفونة في مقابر أو متروكة في العراء.
Men excavate remains from a mass grave on the outskirts of Saadia in Diyala province, January 15, 2015. The mass grave contained the remains of more than 25 men who were killed by Islamic State fighters, a hospital official said. Picture taken January 15, 2015.  REUTERS/Stringer (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS SOCIETY CONFLICT) - RTR4LR1N

العراق، بابل- خاض العراق حروبا متتالية أبرزها الحرب العراقيّة - الإيرانيّة ( 1980-1988)، الّتي دامت 8 سنوات، ثمّ الحرب الّتي أعقبت غزو صدّام حسين للكويت في عام 1991، فالإجتياح العسكريّ الأميركيّ للعراق في عام 2003. هذه الحروب خلّفت مئات الآلاف من القتلى المجهولي الهويّة، وهو ما أكده للأمين العام للأمم المتحدة في العراق نيكولاي ملادينوف في 2014 بان "أعداد الأشخاص المفقودين في العراق بحسب التقديرات ما بين 300000 إلى ما يربو على مليون شخص، ومن المعتقد أن العديدين منهم قد توفوا ودفنوا في عشرات المقابر الجماعية الموجودة في أماكن متفرقة من أنحاء البلاد".

وقد حدث ذلك في كل الحروب التي خاضها العراقيون، إضافة الى القتلى المجهولي الهوية الذين يُعثر عليهم في أماكن متفرقة في انحاء البلاد، بعد 2003 وقتلى الحرب الطائفية بعد 2003.

حتّى أنّ اكتشاف المقابر، الّتي تضمّ رفات ضحايا مجهولين باتت أمراً عاديّاً في الحياة العراقيّة، الّتي اعتادت العسكرة والحروب.

ففي نيسان/إبريل من عام 2015، عثر رعاة أغنام على بقايا جثّة جرفتها مياه الأمطار في محافظة ميسان جنوبيّ بغداد، عند الحدود العراقيّة - الإيرانيّة، حيث دارت معارك شرسة هناك بين الجيشين العراقي والإيراني.

وكان ظهور هذه البقايا صادما على رغم تكرار المشهد للمعلّم المتقاعد حسين الخفاجي من بابل، إذ كانت تعود إلى أخيه علي (27 سنة)، الّذي لم يعد من جبهة القتال منذ آب/أغسطس من عام 1986. وقال لـ"المونيتور": "لقد عثر مع البقايا الّتي ظهرت فوق سطح الأرض على قطعة معدنيّة حملت اسم أخي وعنوانه، فأعدنا دفنها وفق التقاليد الإسلاميّة في مقبرة السلام بالنّجف".

والحال، إنّ الحرب العراقيّة - الإيرانيّة خلّفت الآلاف من المفقودين، الّذين لم يعرف مصيرهم إلى الآن، إذ دفنوا في مقابر جماعيّة، من دون توثيق أو أدلّة.

وبعد سقوط نظام صدّام حسين في عام 2003، ظهر عدد من المقابر الجماعيّة، الّتي دُفن فيها المئات من المعدومين، وأبرزها المقبرة الجماعية في المحاويل في محافظة بابل (100 كم جنوبي بغداد).

وظنّ النّاشط السياسيّ أسامة الياسري من محافظة بابل أنّه سيعثر على جثّة أخيه المفقود حبيب الياسري، الّذي اشترك في إنتفاضة آذار/مارس من عام 1991 ضدّ نظام صدّام حسين، في محافظة بابل جنوبي بغداد، إلاّ أنّ أمله خاب، حسب الحكاية الّتي رواها لـ"المونيتور"، وقال: "اقتادت أخي قوّات الأمن نظام صدام في شباط/مارس من عام 1991 إلى جهة مجهولة، ولم يعد الينا بعد ذلك أبدا، وكنّا نظنّ أنّه دفن في المقبرة الجماعيّة المكتشفة إلى جانب المئات من المشاركين في الإنتفاضة الّذين أعدموا في المحاويل ودفنوا هناك في مقابر جماعية بعد اتهامهم بالمشاركة في المعارضة المسلحة ضد النظام ، إلاّ أنّنا لم نعثر على دليل".

وقد روى شاب عراقي في 2003 يبلغ من العمر 12 عاما في تلك الفترة والقي به مع امه واثنين من اقاربه في احدى هذه المقابر الجماعية لكنه تمكن من الفرار لانه لم يصب بالرصاص.

وبعد التغيير السياسيّ في العراق عام 2003، حين اسقط اجتياح عسكري امريكي للعراق بنظام صدام، اعتقد العراقيّون أنّ ظاهرة المقابر الجماعيّة ومقابر مجهولي الهويّة ولّت بلا رجعة، إلاّ أنّ المعارك الداخليّة، الّتي سبّبتها الصراعات الطائفيّة، أعادتها مجدّداً، هذا ما حدّثنا عنه العامل في الطبّ العدليّ ببابل علي حسن قائلاً: "إنّ العشرات من جثث ضحايا العنف الطائفي، في انحاء العراق المختلفة، ومنها بابل، والتي بلغت نحو 18800 شخص على الأقل خلال2014 و2015 على سبيل المثال، حيث كان قسم من الضحايا يتوالى على مستشفى الطبّ العدليّ لغرض التشريح والسعي إلى التعرّف على هويّة المغدورين".

أضاف: "بعد سقوط نظام صدّام حسين بدأ مسلسل القتل على الهويّة، وتركّز في بغداد على نحو واسع، وبدرجة أقلّ في المناطق المتجانسة طائفيّاً مثل مدن الوسط والجنوب".

وكشف علي حسن لـ"المونيتور" عن وجود "تعليمات لوزارة الصحّة منذ 2006 تنصّ على الاحتفاظ بالجثامين المجهولة الهويّة لمدّة ثلاثة أشهر كأقصى حدّ في الصناديق المبرّدة، وفي حال عدم التعرّف عليها تدفن في المقابر بعد الإحتفاظ بمقتنيات المجهول، وتوثيق علاماته الفارقة".

ومن اليوسفيّة جنوبيّ بغداد، الّتي يسكنها خليط من السنّة والشيعة، تحدّث إلى "المونيتور" حسين حميد عن شقيقه المغدور في عام 2005 والّذي لا يزال مجهول المصير إلى الآن، قائلاّ: "ربّما دفن في العراء من قبل الجهة الّتي قتلته وأخفت ذلك عمدا، أو في قبر مجهول هيّئه أناس مستطرقين عثروا عليه بعد أن تعذّر العثور على هويّته".

وعثر الجيش العراقيّ في 17 شباط/فبراير من عام 2016 على مقبرة جماعيّة ضمّت 40 جثّة، من بينهم أطفال، في منطقة الصوفية، شرق الرمادي.

وأشار مصدر في وزارة الداخليّة العراقيّة في 6 شباط/فبراير من عام 2016 لوسائل الاعلام، إلى أنّ قوّاتها "تعثر في شكل يوميّ على عدد من الجثث المجهولة الهويّة تعود إلى رجال ونساء قضوا رمياً بالرصاص أو خنقاً"، من جراء أعمال العنف في أنحاء البلاد.

وإزاء ذلك، صنّفت وزارة حقوق الإنسان المفقودين في الحروب منذ 13 نيسان/إبريل من عام 2015 إلى أصناف عديدة، فهناك نحو 50 ألف مفقود عراقي في الحرب العراقيّة – الإيرانيّة. وفي حرب الكويت عام 1991 تراوح عدد الجنود المفقودين ألفين.

وتعكف الوزارة بالتعاون مع وزارتي الصحة والدفاع بفتح المقابر واجراء الاختبارات اللازمة للتعرف على الرفات. كما تشرف على تسليم رفات جنود عثر عليهم بعد فترة طويلة من اختفائهم في اثناء الحرب العراقية الإيرانية.

وتُعدّ "مقبرة وادي السلام" في النّجف أكبر "شاهد على الكثير من قبور القتلى المجهولين في العراق"، بحسب ما قاله لـ"المونيتور" الدفّان حيدر علي، الّذي قادنا إلى قبر رجل مجهول الهويّة قتل في آذار/مارس من عام 2007 بمدينة الحصوة التابعة لمحافظة بابل، وهي منطقة تكثر فيها أعمال القتل الطائفيّ بين السنّة والشيعة.

وروى لنا كيف أنّ "الجثّة فحصت في الطبّ العدليّ، وأخذت عيّنة من حامضها العضويّ في بابل، وقام متطوّعون بالتنسيق مع وزارة الصحّة بدفنها في هذا القبر"، وقال: "هناك المئات من القبور المجهولة الهويّة، ومن الصعوبة إحصاؤها لأنّ المقبرة واسعة، ولا تحتوي على قاعدة بيانات".

وأكّد حيدر علي وجود "ازدياد ملحوظ في أعداد مقابر المجهولين منذ بدء المواجهات بين الحشد الشعبيّ والقوّات الأمنيّة ضدّ تنظيم داعش".

وفي ما عدا هذا، فإنّ بعض شواهد القبور يشير صراحة إلى أعمال الغدر الطائفيّ. ففي المقبرة نفسها قرأنا: "رجل في الخمسين من العمر انتشلت جثّته من نهر دجلة في 10/02/2008"، وهذا يذكّر بأنّ النهر تحوّل إلى مكب للجثث أثناء الصراع الطائفيّ.

وكشف عضو المجلس المحليّ في قضاء الهاشميّة حمزة جناحي، وهو كاتب وناشط مدنيّ، واشترك في القتال ضد تنظيم داعش، كما عايش إجراءات دفن جثث القتلى في المعارك بين القوّات الأمنيّة و"داعش" في جبهة مكحول منذ بداية العام 2016 ، عن أنّ" لكلّ قتيل مجهول رقماً تسلسليّاً، وتوثّق الأدلّة الماديّة للجثّة والحامض النوويّ وتدفن في مقابر بإشراف وزارة الصحّة".

ثمّة اهتمام بالتوثيق إذن بعد أن غاب طويلاً، إلاّ أنّ ضحايا الحروب والصراع الطائفيّ المسجّلة وغير المسجّلة، تلك الضائعة في التراب أو تلك الّتي لا اسم لها، ما زالت ترسم خطّاً قاتماً ودمويّاً في تاريخ العراق الحديث.