تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف فقد القطن المصري قيمته المعروفة عالميًا

A child and farmer Am Tayeb stand in a field of extra long staple "Giza 88" cotton in Shubra Kheit in El Beheira Governorate, north of Cairo, Egypt, July 29, 2015. After the agriculture ministry banned cotton imports to help local producers, the cabinet abruptly vetoed the idea - the latest in a series of economic policy U-turns and delays under President Abdel Fattah al-Sisi.  Such schizophrenic decision-making is also a symptom of wider policy problems affecting Egypt, which is struggling to re-energise i

انخفضت صادرات مصر من القطن بنسبة 54.2% في الفترة من ديسمبر 2015 وحتى فبراير 2016، لتبلغ 112.7 ألف قنطار مقابل 246 ألف قنطار في نفس الفترة من العام الماضي - القنطار المتري وحدة قياس إنتاج القطن ويعادل نحو 50 كيلو جرام.

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن الاستهلاك المحلي للقطن تراجع من 175.8 إلى 76.4 ألف قنطار  بسبب توقف بعض مصانع الغزل والنسيج عن الإنتاج.

لم يكن انخفاض صادرات مصر من القطن هذا الموسم مفاجئًا، فخلال السنوات الأخيرة انخفضت الصادرات بشكل تدريجي، فبحسب النشرة ربع السنوية للقطن التي يصدرها الجهاز، صدَّرت مصر 555 ألف قنطار متري من القطن في الفترة من ديسمبر وحتى فبراير من الموسم الزراعي 1999-2000، انخفضت صادرات القطن حتى وصلت 126573 قنطارًا في نفس الفترة من الموسم الزراعي 2013-2014، ثم ارتفعت في نفس الفترة من الموسم الزراعي 2014-2015 لتسجل 245994 قنطارًا لتنخفض مرة أخرى في الموسم الزراعي 2015-2016.

ورغم موافقة الحكومة المصرية على السعر المقترح من جانب وزارة الزراعة لشراء القطن من المزارعين ليتراوح سعر القنطار بين 1100 جنيه و1250 جنيهًا تشجيعًا للمزارعين على زراعة القطن، إلا أن السعيد عبد العزيز، مزارع بمحافظة كفر الشيخ -إحدى محافظات الدلتا- أكد لـ"المونيتور" أن زراعة القطن أصبحت عبئًا على المزارعين، إذ ينتج الفدان بين 5 إلى 7 قناطير، وسعر القنطار لا يزيد على 1100 جنيه، في الوقت الذي تتعدى تكلفة زراعة الفدان 6000 جنيه، ما لا يوفر للمزارع هامش ربح يكفي احتياجاته.

ويرى عبد العزيز أن زراعة القطن في مصر أخذت طريقها للانهيار منذ عهد الوزير الأسبق للزراعة يوسف والي 1984-2004، الذي شهد اختفاءً تدريجيًا للبذور المصرية الخالصة واختلاطها بأصناف أخرى هندية وأمريكية أقل إنتاجية وجودة من القطن المصري، متهمًا باحثي مركز البحوث الزراعية والمفتشين الزراعيين بإهمال دورهم البحثي على البذور سواء المصرية أو الدخيلة، فأصبحت معظم أصناف القطن التي تزرع حاليا ليست لديها القدرة على مقاومة الأمراض وتغير المناخ.

وأكد عبد العزيز أن معظم المزارعين يعانون خلال تسويق محصولهم، بسبب تراجع دور الجمعية الزراعية في جمع القطن من الفلاحين وتحديد سعره، وظهور سوق موازية أوجدها تجار القطن تحكموا من خلالها في أسعاره، مشيرًا لأن الدولة عليها دعم المزارعين خلال كل مراحل إنتاج القطن بدءًا من توفير البذور ومستلزمات الإنتاج والمرور الدوري والإرشاد، انتهاءً بالجمع والتسويق.

ويؤكد فريد واصل نقيب الفلاحين لـ"المونيتور"، أن نقص المساحة المزروعة بالقطن أدى لانخفاض الإنتاج، فانخفضت الصادرات واهتزت قيمة القطن المصري حتى بالنسبة للمصانع المحلية، مؤكدًا أن هذه المساحة انخفضت من 3 ملايين فدان في ستينات القرن العشرين، حتى وصلت 180 ألف فدان في 2015، و90 ألف فدان في العام الجاري من بينهم 30 ألف فدان مخصصين للحصول على البذور.

ويشير واصل إلى أن ملاك مصانع القطاع العام للغزل والنسيج طوروا مصانعهم بماكينات غير متوافقة مع الأقطان المصرية طويلة التيلة، ما أدى لصعوبة تسويق القطن داخليا، فاتجه المزارعون لزراعة متوسطة وقصيرة التيلة، مؤكدًا أن مصر أصبحت في السنوات الأخيرة تستورد بعض أصناف القطن بعد أن كان المصريون يسمونه "الذهب الأبيض".

وفي يوليو الماضي قرر وزير الزراعة السابق صلاح هلال حظر استيراد القطن لحين تسويق 2.7 مليون قنطار محلي إلا أن مجلس الوزراء ألغى القرار بعد إصداره بأيام حتى لا تتأثر القطاعات الإنتاجية وصناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة بالسلب من تبعاته.

ويرى واصل أن اللجنة الحكومية لإنقاذ القطن لم تأت بجديد منذ تشكيلها في أغسطس 2015، مؤكدًا أن إنقاذ القطن لا يحتاج لجنة سياسية، قدر احتياجه رفع ميزانية البحث العلمي بمراكز البحوث الزراعية وكليات الزراعة، لتطوير بذور ذات إنتاجية مرتفعة وتقاوم الأمراض والتقلبات الجوية، ما يشجع المزارع على زراعة القطن.

ورغم اعترافه بانخفاض الطلب على القطن المصري، إلا أن عيد حواس المتحدث باسم وزارة الزراعة المصرية اتهم المزارعين بالعزوف عن زراعة القطن والاتجاه لزراعة الأرز مستغلين ارتفاع سعر الأخير، ما أدى لنقص المساحة المزروعة بالقطن وبالتالي نقص الإنتاج.

وقال حواس لـ"المونيتور" إن الوزارة وضعت خطة عاجلة لإنقاذ القطن المصري، تستهدف زراعة مليون فدان يخصص نصفهم للحصول على البذور، متوقعًا وصول سعر القنطار خلال الموسم القادم لحدود 2000 جنيه، ما يشجع المزارعين على زراعته.

الباشا إدريس رئيس شعبة مصدري الحاصلات الزراعية بالغرفة التجارية، أكد أن الأسواق العالمية لازالت تطلب المنتجات الزراعية المصرية وخاصة القطن، معتبرًا أن انخفاض الصادرات سببه نقص الإنتاج وليس ضعف الجودة.

"رغم ضعف إنتاجية القطن المصري إلا أن بعض أصنافه لازالت محتفظة بسمعتها الجيدة" يقول إدريس لـ"المونيتور" إن مستوردي القطن بدول كالهند وإندونسيا يبدون رغبتهم في الحصول على القطن المصري طويل ومتوسط التيلة، مطالبًا المسؤولين عن جمع القطن من المزارعين بالتركيز على معايير الجودة، حتى يتمكن المصدرون المصريون من تسويقه في الأسواق العالمية وخاصة السوق الأوروبية.

"السياسات الحكومية السيئة كانت سببًا في انهيار القطن"، يؤكد أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة جمال صيام لـ"المونيتور"، أن مراكز البحوث الزراعية ولضعف ميزانيتها لم تنجح أبحاثها لرفع إنتاجية الفدان، فمنذ ما يزيد على ثلاثين عامًا والفدان ينتج 7 قناطير بحد أقصى، حتى فقد القطن المصري الأسواق التي كان مسيطرًا عليها في السابق وحل محله القطن الأمريكي، الذي تبلغ إنتاجية الفدان منه ضعف إنتاجية المصري.

وطالب صيام باحثي مركز البحوث الزراعية بتطوير أبحاثهم لتحسين أصناف القطن ورفع إنتاجيته لتصل 10 قناطير للفدان، ولكنه في الوقت نفسه توقع فشل المركز في القيام بهذا الدور بسبب ضعف ميزانيته التي تبلغ 3 ملايين جنيه بموازنة 2016-2017.

وتوقع صيام استمرار انخفاض المساحة المزروعة بالقطن حتى يختفي تماما، والاتجاه لزراعة الأرز بسبب عائده المادي المرتفع إذا ما قورن بالقطن، مشيرًا إلى أن الدورة الزراعية الأكثر ربحًا للمزارعين هي زراعة قمح في الشتاء وأرز في الصيف ولا مكان للقطن بهذه الدورة.

"لن أزرع قطن"، يؤكد صيام أنه لا يرغب في خوض تجربة استثمار فاشل لذلك لن يزرع أرضه التي يملكها بمحافظة كفر الشيخ بمحصول القطن.