تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التعديل الوزاريّ السعوديّ قد يزعزع أسساً ملكيّة كثيرة

يجمع وليّ وليّ العهد السعوديّ بسرعة السلطة والمسؤوليات – والمخاطر – على حساب نسيبه ربّما الذي هو حالياً التالي في ترتيب وراثة العرش.
RTX2CU2M.jpg

اعتاد الملوك السعوديّون توظيف بيروقراطيّين رفيعي المستوى وطردهم باستمرار. لكنّ التعديل الوزاريّ الأخير يعكس واقعاً عميقاً وطموحاً هيمن على المملكة العربيّة السعوديّة منذ تربّع الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود إلى العرش في كانون الثاني/يناير 2015، ألا وهو وصول نجله، وليّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى أعلى مراتب السياسة والاقتصاد في المملكة.

أصدر الملك في 7 أيار/مايو أوامر بإجراء تعديل وزاريّ ضخم انطلاقاً من رؤية نجله السعوديّة للعام 2030 التي أطلقتها شركة استشاريّة عالميّة من أجل "إنهاء الإدمان السعوديّ على النفط". ولم يحصل يوماً في تاريخ منصب وليّ وليّ العهد القصير (استحدث المنصب الحاكم السابق، الملك عبد الله الراحل) أن تمّ توكيل أمير بصلاحيات ومبادرات كثيرة بهذه السرعة. وقد استمتع وليّ وليّ العهد الشابّ بصلاحياته الجديدة وتخطّى بلا شكّ نسيبه، وليّ العهد محمد بن نايف. فهو يدير حالياً شؤون الدفاع ويتدخّل في الهندسة النفطيّة والاجتماعيّة.

وأصبح وليّ وليّ العهد بالفعل أمير الحرب والنفط. وفيما تُعتبر هاتان الوظيفتان مهمّتين بالنسبة إلى المجتمع الدوليّ والسياسة الإقليميّة، من المتوقّع أن يزعزع صعود الأمير محمد بن سلمان أسساً ملكيّة كثيرة. فلا بدّ من أنّ وليّ العهد محمد بن نايف يراقب نسيبه الشابّ عن كثب، ويرصد نجوميّته الدوليّة وأيضاً خطواته المحليّة. وآخر ما يتمنّى رؤيته هو تعديل وزاريّ ملكيّ جديد يؤثّر عليه شخصياً، أي تحديداً ترقية وليّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان إلى منصب وليّ العهد. ويملك وليّ العهد أدوات مراقبة واسعة النطاق لن يتردّد في استخدامها للحؤول دون حصول هذا الاحتمال، وإن كان احتمالاً بعيداً في الوقت الحاليّ.

وفيما هدف التعديل الوزاريّ إلى إنهاء الإدمان السعوديّ على النفط، أدّى إلى إعفاء وزير النفط والثروة المعدنيّة، علي النعيمي، من منصبه بعد أن كان لمدّة 20 سنة مسؤولاً عن إحدى الثروات الأكثر أهميّة في المملكة العربيّة السعوديّة. وقد يكون سقوط النعيمي مرتبطاً، بالإضافة إلى سنّه – بلغ الثمانين السنة الماضية – بعجزه عن التوصّل إلى اتّفاق في اجتماع الدوحة في نيسان/أبريل لتجميد الإنتاج النفطيّ بموافقة إيران. فقد أصرّ الأمير محمد على أنّ السعوديّة لن تجمّد الإنتاج إلا إذا فعلت إيران المثل.

ومنذ أن تسلّم النعيمي وزارة النفط، تمكّن من حماية النفط من نزوات الأمراء السياسيّة. فقد استُخدم النفط كسلاح مرّة واحدة فقط، أثناء الحصار النفطيّ سنة 1973. وحصدت الدول العربيّة المنتجة للنفط منافع زيادة الأسعار أربعة أضعاف بعد الحصار ردّاً على الدعم الأميركيّ لإسرائيل أثناء الحرب مع مصر في تلك السنة.

منذ ذلك الوقت، حدّدت الأسواق، لا الأمراء، سعر النفط. وقد حمت هذه الديناميّة القطاع النفطيّ السعوديّ وحوّلت شركة النفط التابعة للدولة، "أرامكو"، إلى حصن منيع نسبياً في ظلّ بيروقراطيات الدولة الأخرى البطيئة والمتدهورة. يشار إلى أنّ وزير النفط الجديد، خالد الفالح، هو مدير تنفيذيّ في "أرامكو" سيواجه تحدّياً يقضي بالتعامل مع سياسة وليّ وليّ العهد وتدخّله في النفط.

وأدّى التعديل الوزرايّ الأخير أيضاً إلى استبدال الوزراء المسؤولين عن الماء والنقل والتجارة والصحّة والشؤون الاجتماعيّة بأشخاص يلائمون رؤية 2030 الخاصّة بوليّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان. وبالإضافة إلى ترقية بيروقراطيّين من العامّة إلى هذه المناصب، شمل المرسوم الملكيّ أيضاً تعيين أميرين اثنين كمستشارين للبلاط الملكيّ. لكنّ الإقصاء التامّ لأشخاص أكفاء من مناطق سعوديّة أخرى لم يمرّ مرور الكرام على مواقع التواصل الاجتماعيّ. فقد علّق الروائيّ أحمد أبو دهمان، المتحدّر من منطقة عسير الجنوبيّة الغربيّة، على "تويتر" بالآتي: "يهنئ الناس في المنطقة الوسطى بعضهم البعض فيما لم ننجح نحن في الجنوب والشمال والشرق والغرب".

وفيما قد يثير تسييس النفط وإستبعاد المناطق الأخرى من المناصب الرفيعة الجدل، يعتزم وليّ وليّ العهد أيضاً إجراء تغيير اجتماعيّ من الأعلى إلى الأسفل، منتهكاً بالتالي الهيمنة التاريخيّة لوليّ العهد محمد بن نايف ووزارة الداخليّة على كلّ المسائل المتعلقة بالأمن القوميّ، بالإضافة إلى الشؤون الدينيّة والقضائيّة والاجتماعيّة، عدا عن القمع والاعتقالات. وتشمل خطّة وليّ وليّ العهد لتنويع الاقتصاد ترويج السياحة في المملكة، وهي خطوة مثيرة للجدل من المتوقّع أن تثير سخط المحافظين الاجتماعيّين الذين بالكاد وافقوا مؤخراً على بعض السياحة الدينيّة باعتبارها شرعيّة وجديرة بالتشجيع.

يشار إلى أنّ هؤلاء المحافظين، خصوصاً أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (المعروفة بالشرطة الدينيّة)، تابعون لوزارة الداخليّة. وقد وافقوا مؤخراً على مضض على مرسوم ملكيّ حدّ من سلطتهم. ويريد وليّ وليّ العهد استبدال هذه الهيئة الدينيّة بهيئة جديدة للترفيه يترأسها خرّيج كليّة الأعمال أحمد الخطيب. وفيما رحّب الممثّلون والفنّانون بهذه الخطوة، أثار القرار تعليقات سلبيّة على وسائل التواصل الاجتماعيّ.

ويشكّل تخفيض الوظائف في القطاع العامّ وزيادة فرص العمل في القطاع الخاصّ جزءاً من رؤية وليّ وليّ العهد للعام 2030. وسيؤثّر ذلك بلا شكّ على وزارة الداخليّة التي يترأسها وليّ العهد والتي تُعتبر أكبر جهة توظيف في القطاع العامّ في المملكة مع ميزانيّة ضخمة.

يبقى أن نرى إن كانت رؤية وليّ وليّ العهد الشاملة، التي رحّب بها والده بموجب التعديل الوزاريّ الأخير، ستؤدّي في نهاية المطاف إلى عمليّات انتقاليّة ناجحة على المدى الطويل. فهي، على المدى القصير، أشبه بسلسلة أوهام يعزّزها مستشارون خارجيّون غير آبهين بالثقافات المحليّة والقيود الهيكليّة والنزاعات المحليّة على السلطة وموازين القوى في داخل المملكة. إنّ التكهّنات سوداويّة حتّى الآن، ويتوقّع بعض المعلّقين أن تصبح المملكة السعوديّة "مفلسة هيكلياً" بسبب نفقاتها المتزايدة في ظلّ أسعار النفط المنخفضة.

وعلى الرغم من التحدّيات الاقتصاديّة، قد يُحدث صعود وليّ وليّ العهد على حساب أمراء آخرين رفيعي المستوى تأثيراً مدوّياً. فإذا نجح، سيُسكت المشكّكين في القصر. وطالما أنّ والده هو القائد الأعلى، سيكون من الصعب تحدّيه، خصوصاً في ظلّ انتكاس اقتصاديّ خطير. لكن إذا فشل الابن ولم يكن والده موجوداً لحمايته، فسيواجه أزمة كبيرة من الأعلى ومن الأسفل. فليس من السهل إعادة تأهيل وتثقيف شعب اعتاد العيش في دولة حاضنة.

وسيكون حرمان السعوديّين من الرفاه الذي تقدّمه الدولة التحدّي الأكبر الذي سيواجهه وليّ وليّ العهد الشابّ في السنوات المقبلة. فإذا كان الوفاء لا يُشترى بالنفط، سيتعيّن على وليّ وليّ العهد إعادة النظر في إصلاحاته الاقتصاديّة والتفكير ربّما في بدائل جديّة – مثل منح السعوديّين حصصاً فعليّة في المملكة، كمجلس نوّاب منتخب مثلاً. فقد يكون للسعوديّين أيضاً رؤى خاصّة بهم.

More from Madawi Al-Rasheed

Recommended Articles