تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عدم الترخيص" حجّة تهدم بها إسرائيل منازل الفلسطينيّين

في حجّة "عدم الترخيص"، تواصل إسرائيل سياسة هدم منازل الفلسطينيّين ومنشآتهم، خصوصاً في المنطقة المصنّفة "ج"، والّتي تخضع إلى سيطرتها بالكامل، وطالت أخيراً منازل مموّلة من الإتّحاد الأوروبيّ، رافضة في الوقت ذاته منح التراخيص الخاصّة بالبناء.
Palestinian boys stand atop the rubble of a house after it was demolished by Israeli bulldozers in the West Bank village of El Walaja near Bethlehem, April 12, 2016. REUTERS/Ammar Awad  - RTX29KX8

رام الله، الضفّة الغربيّة — حال من القلق والخوف تنتاب ليلى العيساوي (69 عاماً)، خشية إقدام سلطات الإحتلال على هدم منزل عائلتها في بلدة العيساويّة بمدينة القدس، في حجّة "عدم الترخيص" من قبل البلديّة، الّتي أرسلت لها إخطاراً بالهدم في 9 أيّار/مايو، مع مهلة 30 يوماً لمراجعة السلطات الإسرائيليّة بالإخطار. وفي هذا الإطار، أشارت العيساوي لـ"المونيتور" إلى أنّها تفاجأت بإخطار هدم معلّق على باب منزلها أثناء عودتها من زيارة ابنتها الأسيرة في (سجن هشارون) شيرين العيساوي في 9 أيّار/مايو، والمعتقلة منذ 6 اذار/مارس 2014، والمحكوم عليها بالسجن لـ 4 سنوات بتهمة تقديم خدمات للأسرى فى السجون، وتشكيل حلقة وصل ما بين الأسرى وقيادتهم في الخارج، مع شقيقها حكمت الذي حكم عليه بالسجن 8 سنوات.

وتقطن العيساوي البيت مع عائلتها منذ أكثر من 40 عاماً، بعد أن تزوّجت فيه وأنجبت 8 أبناء (بني الطابق السفليّ من المنزل في عام 1969، والطابق الثاني في عام 1996)، وتخشى أن يهدم، كما منزل نجلها رأفت، الّذي أصبح ركاماً في الأوّل من كانون الثاني/يناير من عام 2013 في الحجّة ذاتها (عدم الترخيص).

وتصدر بلديّة الإحتلال في القدس أو وزارة الداخليّة الاسرائيلية اوامر هدم منازل ومنشآت الفلسطينيين، بينما تتكفل بذلك الإدارة المدنيّة الاسرائيلية في المناطق المصنّفة "ج" بالضفّة الغربية،، لأنّها (السلطات الإسرائيليّة) ترفض إعطاءهم إيّاها في معظم الحالات. وفي الحالات النادرة الّتي توافق عليها، فإنّها ترهقهم بتكاليف استصدارها الّتي تصل إلى 120 ألف شيقل (32 ألف دولار)، وفق ما أشار إليه لـ"المونيتور" مدير مركز "القدس للمساعدة القانونيّة" عصام العاروري، الّذي قال أيضاً: "إسرائيل توافق على أقلّ من 1.5 في المئة من طلبات التراخيص الّتي يتقدّم بها الفلسطينيّون. ولذلك، يضطرّون إلى البناء من دون ترخيص. وفي القدس، تصدر إسرائيل أوامر هدم أضعاف ما تصدره من تراخيص بناء. ولذلك، تتحدّث عن وجود بين 25 – 30 ألف منزل في القدس غير مرخّصة مهدّدة بالهدم" دون الاستناد الى مواصفات محددة لقبول طلب الترخيص.

واستناداً إلى إحصائيّات إسرائيليّة رسميّة نشرها مركز "المعلومات الإسرائيليّ لحقوق الإنسان" في الأراضي المحتلّة (بتسيلم) محدثة في 6 تشرين اول/ اكتوبر 2015 ، فإنّ إسرائيل هدّمت في شكل شامل وجزئيّ نحو 1049 منزلاً بين عامي 1999-2004 في الضفّة الغربيّة، و927 منزلاً بين عام 2006 –آب عام 2015، في حين هدمت 988 مبنى في القدس الشرقيّة بين عامي 1999 – 2014 في حجّة عدم الترخيص، حسب تلك الاحصائيات المحدثة في 17 ايلول/ سبتمبر 2015، في حين يدور الحديث عن وجود نحو 30 الف منزل في القدس دون ترخيص مهدد بالهدم، ما يعني ان عدد المنازل المرخصة قليل جدا، ولا يوجد احصائيات لعدد المنازل التي منحتها اسرائيل ترخيص.

ومنذ احتلال الضفّة الغربيّة عام 1967، بما فيها القدس الشرقيّة وقطاع غزّة، بدأت إسرائيل بسياسة هدم المنازل بذرائع مختلفة، أبرزها "عدم الترخيص"، إذ قال أستاذ القانون الدوليّ في جامعة بيرزيت حنّا عيسى لـ"المونيتور": إنّ إسرائيل تعمل ضدّ القانون الدوليّ وقرارات الشرعيّة الدوليّة، مستندة إلى المادّة 119 من قانون الإنتداب البريطانيّ، الّذي انتهى العمل به مع قيام دولة إسرائيل عام 1948.

وتنص المادة 119 من قانون الطوارئ البريطاني على ما يلي: "يجوز لأي قائد عسكري أن يصدر أمرا يقضي فيه بأن تصادر لحكومة فلسطين أية دار أو بناية أو أرض إذا كان لديه ما يحمله على الاشتباه بأن عيارا ناريا أطلق منها بصورة غير قانونية أو أن قنبلة أو قذيفة أو ماده متفجرة أخرى أو ماده محرقه ألقيت منها بصوره غير قانونيه ، أو أية دار أو بناية أو أرض واقعة في منطقة ، أو مدينة ، أو قرية ، أو محلة، أو شارع، إذا اقتنع بأن سكان تلك المنطقة أو المدينة أو القرية أو المحلة أو ذلك الشارع أو بعضا منهم قد ارتكبوا جرما أو حاولوا ارتكاب جرم ينطوي على العنف أو التخويف أو ارتكبوا أو حاولوا ارتكاب أي جرم من الجرائم التي تستوجب المحاكمة أمام محكمة عسكرية أو أعانوا أو ساعدوا على ارتكابه أو كانوا شركاء في ارتكابه بعد وقوعه، وإذا صودرت الدار أو البناية أو الأرض على الوجه المذكور أعلاه يجوز لأي قائد عسكري أن يهدم الدار أو البناية أو يتلف أي شيء مزروع أو نام في الأرض ."

وتعدّ سياسة هدم المنازل مخالفة لقرار مجلس الأمن 1544 لعام 2004، والّذي طالب إسرائيل بـ"احترام إلتزاماتها بموجب القانون الدوليّ الإنسانيّ، وخصوصاً ضرورة التزامها بعدم هدم المنازل في مخالفة لذلك القانون"، وكذلك المــادّة 53 من إتفاقيّة جنيف الرابعة الّتي نصّت على أنّه "يحظّر على دولة الإحتلال أن تدمّر أيّ ممتلكات خاصّة ثابتة أو منقولة تتعلّق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو السلطات العامّة أو المنظّمات الإجتماعيّة أو التعاونيّة، إلاّ إذا كانت العمليّات الحربيّة تقتضي حتماً هذا التدمير"، والمادّة 46 من الإتفاقيّة الخاصّة باحترام قوانين وأعراف الحرب البريّة (لإتفاقيّة لاهاي 1907) الّتي نصّت على أنّه "ينبغي احترام شرف الأسرة وحقوقها وحياة الأشخاص والملكيّة الخاصّة، وكذلك المعتقدات والشعائر الدينيّة، ولا تجوز مصادرة الملكيّة الخاصّة".

وأوضح حنّا عيسى أنّ إسرائيل هدمت منذ عام 1967 نحو 23100 مبنى كجزء من سياسة العقاب الجماعيّ ضدّ الفلسطينيّين ولتفريغ المناطق، خصوصاً القدس لصالح المستوطنين.

وأثارت سياسة هدم المنازل غضب أطراف دوليّة في مناسبات عدّة، كان آخرها فجر 16 أيّار/مايو الجاري، حين هدم الجيش الإسرائيليّ 12 مسكناً وفكّكها واستولى عليها في التجمّع البدويّ "جبل البابا" - شرق مدينة القدس المحتلّة، قدّمها الإتّحاد الأوروبيّ كمساعدة للسكّان، في حجّة البناء غير القانونيّ، ممّا دفع بمنسّق الأمم المتّحدة للشؤون الإنسانيّة والأنشطة التنمويّة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة روبرت بايبر في 19 أيّار/مايو إلى إدانة التصرّف الإسرائيليّ بشدّة، في حين استنكر الإتّحاد عمليّة المصادرة والهدم ودانها، وأبدى معارضته لها في بيان صحافيّ صدر في 20 أيّار/مايو. والاكتفاء بمطالبة اسرائيل بالتوقف عن هذه السياسة.

وكان الإتّحاد الأوروبيّ قد دعا إسرائيل في 6 شباط/فبراير إلى وقف هدم منازل الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة، مندّداً بهدم المنازل المموّلة من صناديق أوروبيّة، في حين اعتبر منسّق الأمم المتّحدة للشؤون الإنسانيّة والأنشطة التنمويّة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة روبرت بايبر في شباط/ فبراير "أنّ غالبيّة عمليّات الهدم في الضفّة الغربيّة تتمّ بذريعة قضائيّة كاذبة، وهي عدم وجود تراخيص".

وعن دور السلطة الفلسطينيّة، قال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عسّاف لـ"المونيتور": هناك 155 تجمّعاً سكانيّاً فلسطينيّاً في مناطق "ج" غير مرخّصة ولا توجد لها مخطّطات هيكلية ( مخطط للتجمع ينظم مراحل البناء ويغطي جميع جوانبه والبنية التحتية لضمان تنظيمها وتكاملها)، وترفض إسرائيل منذ عام 1967 المصادقة على أيّ مخطّط هيكلي لتلك التجمعات، إذ يشترط مجلس التنظيم الإسرائيليّ الأعلى أن يقع كلّ مبنى يريد الحصول على ترخيص ضمن مخطّط هيكليّ للتجمع حتّى يحصل على ذلك. وبالتّالي، فإنّ عدم المصادقة على أيّ مخطّط هيكليّ يعني أنّ أيّ بناء لن يحصل على الترخيص المطلوب، وهو معرض للهدم.

وأشار وليد عسّاف إلى أنّ إسرائيل كثّفت في الربع الأوّل من العام الجاري من عمليّات الهدم، حيث بلغ عددها 600 حال هدم، متجاوزة عدد حالات الهدم الإجماليّة للعام الماضي الّتي بلغت 587، وقال: إنّ هيئة مقاومة الجدار، وبالتّعاون مع مؤسّسات تابعة للإتّحاد الأوروبيّ، أعدّت نحو 103 مخطّطات هيكليّة لـ103 تجمّعات فلسطينيّة في مناطق "ج"، وقدّمتها إلى السلطات الإسرائيليّة الّتي أقرّت فقط 3 مخطّطات منها، في حين صادق المجلس الأعلى للتنظيم على 103 مخطّطات للمستوطنين، ويدرس حاليّاً المصادقة على 177 مخطّطاً جديداً.