تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

دروس برسم تركيا بعد إسقاط الأحكام الصادرة في قضية محاولة الانقلاب

أُسقِطت الأحكام الصادرة في قضية محاولة الانقلاب المعروفة بقضية "إرغينيكون" بعد تسع سنوات بسبب الأخطاء في الأهلية والإجراءات.
RTR2K3NC.jpg

بدأت قضية "إرغينيكون" حيث يصل عدد المدّعين عليهم إلى 275 شخصاً، في العام 2007 لدى العثور على قنابل يدوية في منزل يحتلّه ساكنوه عن غير وجه حق في اسطنبول بعد تلقّي اتصال هاتفي من مجهول. اعتُقِل مئات المدنيين والعسكريين بتهمة الانتماء إلى مجموعة إرهابية مزعومة تُدعى "إرغينيكون" وتسعى إلى إطاحة الحكومة.

عُقِدت جلسة المحاكمة الأولى في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2008، وأصبحت في نهاية المطاف المحاكمة الأكبر خلال العقد الماضي مع دمج 23 قراراً اتهامياً في قرار واحد. في إجراءات المحاكمة التي استمرت نحو ست سنوات ونصف السنة، عُقِدت 600 جلسة استماع. توفّي ثمانية مدّعى عليهم في هذه الفترة، وكان بينهم ثلاثة ضباط عسكريين يُقال إنهم انتحروا لأنهم لم يستطيعوا تحمّل العيش مع الإذلال الذي شعروا به جراء خضوعهم للمحاكمة. أصدرت المحكمة الجنائية العليا الثالثة عشرة في اسطنبول حكمها في 5 آب/أغسطس 2013، فحكمت على عدد كبير من المتّهمين بالسجن المؤبّد وعلى آخرين بالسجن لفترات طويلة تتراوح من 12 إلى 34 عاماً.

في اليوم التالي، صدرت الصحف الداعمة لحكومة "حزب العدالة والتنمية" وحركة غولن مع عناوين رئيسة جاء فيها: "سحق تنظيم إرغينيكون الإرهابي"، "نهاية الوصاية العسكرية"، "إنزال عقاب شديد بالطغمة"، و"إجرام وعقاب".

بعد نحو ثلاثة أعوام، في 21 نيسان/أبريل الجاري، أبطلت محكمة الاستئناف العليا قرارات الإدانة بسبب الشوائب الإجرائية وعدم الأهلية.

قضت محكمة الاستئناف، في قرارها المؤلف من 231 صفحة، بوجوب فصل قضية "إرغينيكون" عن قضيتَي الهجوم على مجلس الدولة في أنقرة وتفجير صحيفة "جمهورييت"، وعن الدعوى ضد رئيس هيئة الأركان سابقاً، الجنرال إيلكر باسبوج. فقد اعتبرت المحكمة أنه كان هناك دمج غير مبرّر للقضايا، ومحاكمات مطوّلة وعمليات تفتيش غير قانونية في المكاتب والمنازل، وذكرت حتى أن بعض الأدلة ملفّقة.

وقد أصبح الملازم محمد علي جلبي رمزاً للقضية لأنه كان أول ضابط في الخدمة يتم اعتقاله ومن ثم سجنه لمدة 41 شهراً. قال الجلبي لموقع "المونيتور": "عرفت منذ البداية أنني أواجه مؤامرة. كان الهدف من قضية إرغينيكون إضعاف القوى الأتاتوركية الحديثة والعلمانية والمناهضة للإمبريالية في تركيا. وقد ألحقت أضراراً كبيرة بالقوات المسلحة التركية... حصلت عمليات تطهير".

في نظر جلبي، كان الخاسر الأكبر في هذه القضية سيادة القانون. واعتبر أن هناك قدراً كبيراً من المسؤولية السياسية لم تتم مناقشته بعد، مضيفاً: "لن يتوقّف نضالنا قبل أن تتم محاسبة المسؤولين قانونياً وسياسياً عن هذه القضايا الملفّقة، بما في ذلك المدّعون العامون والقضاة المتورطون".

وقال اللواء المتقاعد أحمد يافوز الذي كان بين المدّعى عليهم في قضية "انقلاب المطرقة" لموقع "المونيتور": "كان الهدف من هذه القضايا، لا سيما قضية إرغينيكون، السيطرة على القوات المسلحة التركية عن طريق وسائل غير ديمقراطية، ثم إحداث تحوّل في النظام. غير أن الصراع على السلطة بين الغولنيين والحكّام السياسيين أتاح لنا رؤية التناقضات والشوائب في هذه القضايا بوضوح أكبر. ودفع أيضاً بالشعب نحو التشكيك في هذه القضايا".

يعتبر يافوز أن القرار الصادر عن محكمة الاستئناف يعني إغلاق ملف "إرغينيكون" نهائياً، مضيفاً: "إنها فرصة ذهبية لفرض سيادة القانون من جديد. إنه قرار مهم يبرّئ القضاء ومحكمة الاستئناف في نظر الرأي العام".

وعلّق العقيد المتقاعد علي بلجين فارليك من معهد الاستراتيجية المركزي في أنقرة: "ثمة خيط مشترك في كل هذه القضايا لناحية دمج مجموعة كبيرة وغير مترابطة [من الأحداث والأشخاص]، ومحاكمتهم عبر استخدام وسائل مشوبة بالعيوب وغير نظامية وأدلّة ملفّقة". يعتبر فارليك أن الحكّام السياسيين دُفِعوا في البداية نحو الاعتقاد بأن الوصاية العسكرية تنهار. لكن مع مرور الوقت، عندما بدأت خطوط التصدّع والهفوات بالظهور، سيطرت أزمة ثقة.

يعتقد فارليك أن المحاكمات تحمل عِبَراً جيدة لجميع شرائح المجتمع، لا سيما المؤسسة العسكرية، مضيفاً: "هكذا أصبح الحكّام السياسيون مدركين لأهمية التوازن الحسّاس بين السيطرة المدنية على الجيش وأمن الدولة. مكامن الضعف التي كشفت عنها المحاكم والصعوبات المختلفة أظهرت لنا جميعاً أنه لا يمكن فرض الأمن بسهولة".

كيف أثّرت هذه القضية في المؤسسات التركية؟

صحيح أنه في الأعوام الثمانية بين 2007 و2015، أثارت قضية "إرغينيكون" وقضايا أخرى في المحاكم قلقاً كبيراً في أوساط القوات المسلحة التركية، لكن هذا القلق لم يتحوّل إلى صدمة وضعف على مستوى المؤسسات. لقد أدركت القوات المسلحة التركية، من خلال هذه القضايا، أن سيادة القانون أهم من الطاعة المطلقة للأوامر. على الرغم من أن باسبوج، الذي كان رئيساً لهيئة الأركان من 2008 إلى 2010، لم يتعامل مع المسألة بحكمة من خلال اعتماده مقاربة شديدة التعنّت، إلا أن الأكثرية تجمع على أن الضابطَين اللذين تولّيا رئاسة الأركان بعده، الجنرال إيسيك كوسانر (2010-2011) والجنرال نجدت أوزل (2011-2015)، تعاملا بحنكة مع المسألة. أدرك الجيش التركي، من خلال هذه القضايا، أهمية وجود قضاء مدني مستقل وحكم ديمقراطي. خلال الحجز والسجن، لم يحاول أي ضابط متقاعد أو في الخدمة الهروب أو تحدّي الإجراءات القضائية، بل استمروا في التعبير عن ثقتهم بالديمقراطية وسيادة القانون، مظهرين بوضوح ثقة الجيش بالقانون والديمقراطية.

ماذا عن السياسة المدنية؟ واقع الحال أن فتح قضية "إرغينيكون" ومن ثم إغلاقها نهائياً ناجمان عن المناخ السياسي وليس عن المعايير القانونية. إلا أنه من السابق لأوانه تحديد حجم الدروس التي تعلّمها السياسيون المدنيون من قضية "إرغينيكون".

لا شك في أن الإعلام هو من أكبر الخاسرين في قضية "إرغينيكون". فقد أعطت وسائل الإعلام التركية، من خلال المقاربة الشديدة التسييس التي اعتمدتها طوال مرحلة المحاكمة، أمثلة فاضحة بأنها مستعدة للانحراف عن المسار المناسب والأخلاقي والحيادي في نشر الأخبار والتقارير.

ومن المؤكد أن الخاسر الأكبر في قضية "إرغينيكون" هو حركة غولن. فقد أظهرت القضية أن الحركة، وبدلاً من أن تتصرف كمنظمة أهلية، عمدت إلى اختراق أجهزة الدولة من خلال ما يُسمّى "الهيكلية الموازية"، وتلاعبت، بأسلوب مكيافيلي، بهذه الأجهزة وبالقضاء من أجل تحقيق النفوذ السياسي. لم تجرِ حركة غولن أي انتقاد ذاتي لانتهاكات الحقوق خلال قضية "إرغينيكون". بالطبع، أثّرت هذه القضية وسواها سلباً في الهيبة الوطنية للجيش التركي، لكن سمعة الجيش تشهد تحسّناً من جديد بفضل قتاله ضد "حزب العمال الكردستاني" وتنظيم "الدولة الإسلامية"، والإجراءات التي اتّخذها لتحسين الأمن الحدودي والتعامل مع التطورات في سوريا.

السؤال الأساسي المطروح الآن هو الآتي: هل سيستخدم الجيش التركي هيبته المتجدّدة لتعزيز الديمقراطية والنظام القضائي في تركيا أم أنه سيستعملها لاكتساب مزيد من النفوذ استعداداً لتدخّل محتمل في السياسة المدنية؟

تنتظر الجيش التركي مرحلة أساسية جديدة. لقد أثبتت قضية "إرغينيكون" والقضايا المماثلة أن الجيش التركي نجح في اختبار احترام القانون. علينا أن ننتظر الآن لنرى كيف سيكون أداؤه في الحفاظ على الديمقراطية التعددية في الأيام المقبلة وتعزيزها.

هل الجنود الذي منحوا متنفّساً لسيادة القانون في تركيا من خلال التعاطي مع قضية "إرغينيكون" سيمنحون الآن متنفساً للديمقراطية التعددية من خلال التعاطي مع السياسة المدنية؟

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial