تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

البنوك ومكاتب الصرافة... ساحة جديدة للمواجهة بين حماس والسلطة الفلسطينيّة

تزايدت شكاوى مؤسّسات فلسطينيّة وأفراد من إجراءات الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، بمراقبة مكاتب الصرافة والحسابات المصرفيّة، عقب قيامها أخيراً بحملة تفتيش رقابيّة على العديد منها، بزعم أنّها معادية للسلطة الفلسطينيّة، فأغلقت بعضها، وطالبت بإبلاغها عن أيّ حوالات تأتي إلى أسماء محدّدة... المقال يناقش القضيّة، ويكشف بعض معلوماتها الخاصّة، وحجمها ميدانيّاً، والجهّات التي تلاحقها السلطة الفلسطينيّة من الناحية الماليّة.
Palestinian government employees withdraw money from automated teller machines (ATMs) of the Bank of Palestine in Gaza City June 4, 2006. REUTERS/Ahmed Jadallah (PALESTINIAN TERRITORIES) - RTR1E36U

يعتمد الفلسطينيّون في معاملاتهم الماليّة على البنوك ومكاتب الصرافة، في استلام مستحقّاتهم الماليّة وحوالاتهم الشخصيّة، من قبل الجهّات التي يعملون لديها وأقربائهم، وربّما حوالات ماليّة ترسلها الفصائل الفلسطينيّة في الخارج إلى عناصرها في داخل الأراضي الفلسطينيّة، ممّا قد يواجه أحياناً فرض سياسات متشدّدة من السلطة الفلسطينيّة على البنوك ومكاتب الصرافة، خشية وصول الأموال إلى بعض الشخصيّات والمؤسّسات التي تراها مؤيّدة لحماس أو تابعة لها.

المرسل والمستقبل

فقد كشفت مصادر سياسية فلسطينيّة مطّلعة، لم تكشف هويّتها، في 28 آذار/مارس عن إحباط تحويلات ماليّة كبيرة بملايين الدولارات لحسابات شخصيّة ومؤسّسات فلسطينيّة لتنفيذ أنشطة مناهضة للسلطة الفلسطينيّة، ممّا حدا بالأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، إلى تشديد إجراءاتها الرقابيّة على هذه الحسابات، التي لم تذكرها، وتقوم بفحص عمل المصارف والتدقيق به، بإجراءات عالية المستوى، خشية تحويل أموال إلى جهّات معادية للسلطة الفلسطينيّة.

يرتبط هذا الخبر بالأزمة الناشبة في الأراضي الفلسطينيّة منذ أيّار/مايو 2015، بين الجمعيّات الخيريّة العاملة الفلسطينيّة من جهّة، وبين السلطة الفلسطينيّة من جهّة أخرى، وتمثّلت باحتجاز البنوك الفلسطينيّة الحوالات الماليّة الواردة إلى هذه الجمعيّات فيها، وعدم صرفها، بزعم تبعيتها إلى حماس، واستفادتها من هذه الأموال.

وقال مدير جمعيّة أصدقاء الطالب في غزّة محمّد العتال لـ"المونيتور" إنّ "بعض البنوك يواصل منذ بداية عام 2016 رفض تسليم الجمعيّة حوالات ماليّة قادمة من الجهّات المانحة، ممّا راكم علينا ديوناً بـ330 ألف دولار، لأننا اضطررنا للاستدانة لتوزيع المساعدات على الطلبة المحتاجين، والقيام بنفقات تشغيلية على المؤسسة، وحين توجّهنا إلى مصارف أخرى رفضت إعطاءنا رقم الحساب المصرفيّ الدوليّ (IBAN)، بسبب تعليمات أمنيّة وصلتها من السلطة الفلسطينيّة، لأنّها تريد أن تعاقب غزّة والمؤسّسات الخيريّة فيها، لاعتبارات سياسيّة".

وكشف رئيس الجمعيّة الوطنيّة للتطوير والتنمية نماء، المتضرّرة من إجراءات السلطة الفلسطينيّة منير البرش لـ"المونيتور" أنّ "ضغوط السلطة الفلسطينيّة على البنوك شملت 31 جمعيّة خيريّة، وهي ترفض فتح حسابات جديدة لـ50 أخرى، وأرجعت مئات الحوالات الماليّة الواصلة من الجهات المانحة، وقد تأثرت هذه المؤسسات سلبياً من عدم استلامها للحوالات المالية، فلم تعد قادرة على توفير خدماتها المعتادة، وتسبّبت بوقف 40 ألف كفالة للأيتام والفقراء والمرضى والمعاقين، بقيمة مليوني دولار شهريّاً، بعد رفض البنوك تسليم هذه الجمعيات لحوالاتها المالية القادمة من الخارج الخاصة بهذه الفئات المستهدفة، وتضرّر 11 مدرسة للأيتام والمعاقين تضمّ 9 آلاف طالب، وتضرّر 20 مركزاً صحيّاً يتردّد عليها نصف مليون مريض سنويّاً، وحرمان 7 آلاف طالب جامعيّ من المساعدات النقديّة".

يعتبر برنامج كفالة الأيتام من أهم برامج الجمعيات الخيرية التابعة لحماس، حيث تقوم الجمعية نيابة عن الكافل المقيم في الخارج، لاسيما في دول الخليج العربي، بتحويل مبلغ شهري لليتيم المستهدف، والكفالة نوعان عيني ونقدي، حيث توصل الجمعية الكفالة العينية لمنازل المستحقين، أما النقدية فتصرفها الجمعية عبر شيكات بنكية لكل منهم.

لكنّ مدير العمليّات المصرفيّة في البنك الإسلاميّ الفلسطينيّ زايد شقير قال لـ"المونيتور" إنّ "البنوك ليست لديها مشكلة بتسليم حوالات ماليّة إلى أيّ مؤسّسة لديها مستندات قانونيّة، وأحياناً نسلّم الحوالة إلى المستفيد مباشرة، فتكون العمليّة الماليّة أكثر شفافية، لكنّنا لا نمانع إيصالها إلى الجمعّية مباشرة إذا حصلت على الأوراق الثبوتيّة".

يسود اعتقاد بين الفلسطينيين أن السلطة الفلسطينيّة تعتبر هذه المؤسّسات الخيريّة مورداً هامّاً ماليّاً لحماس، حتّى لو لم تستفد الحركة منها في صورة مباشرة، لكنّها تأخذ عنها عبئاً ماليّاً كبيراً، لأنّها تتكفّل بعشرات الآلاف من العائلات المحتاجة في غزّة، وبالتالي تسدّ عنها ثغرة كبيرة في أجواء الحصار المفروض من قبل إسرائيل والسلطة الفلسطينية ضد الحركة منذ عشر سنوات، وهو ما يدفع السلطة إلى فرض القيود على البنوك والجمعيات، للتضييق على حماس في صورة أساسيّة.

أبلغ مسؤول أمنيّ فلسطينيّ في رام الله، رفض الكشف عن هويّته، "المونيتور" بأنّ "إجراءات السلطة الفلسطينيّة بمراقبة الحسابات المصرفيّة للشخصيّات والمؤسّسات زادت بداية عام 2016، لمعرفة طبيعة الحوالات وحجمها، خصوصاً لما يزيد عن نصف مليون دولار للحوالة الواحدة، فيصبح من حقّنا معرفة تفاصيل المرسل والمستقبل، وبعد تعقّبنا عدداً من الحوالات، عرفنا أنّها تصل إلى أطراف معادية للسلطة الفلسطينيّة، وتأتي لإحداث قلاقل أمنيّة في الضفّة الغربيّة".

قوائم سوداء

وأبلغت رسّامة الكاريكاتير الفلسطينيّة المشهورة أميّة جحا، التي تسخر رسوماتها عادة من السلطة الفلسطينية، "المونيتور" بأنّها "فوجئت قبل أشهر بإغلاق حسابها في أحد البنوك، رافضة ذكر اسمه، مع أننّي أستلم حوالاتي منه منذ خمس سنوات، ثمّ عرفت أنّ السبب وجود تعليمات أمنيّة الفلسطينيّة بإغلاق حسابات شخصيّات معادية لها، ومقرّبة من حماس، واضطررت لفتح حساب بنكي جديد لاستلام مستحقاتي المالية بعد إغلاق حسابي القديم".

وأبلغ مدير عام المنظّمات غير الحكوميّة في وزارة الداخليّة في غزّة أيمن عايش "المونيتور" بأنّ "شكاوى عدّة وصلت الوزارة من فلسطينيّين حول وجود تعليمات أمنيّة من السلطة الفلسطينيّة تجاه البنوك، ممّا يكشف التغوّل الأمنيّ من السلطة الفلسطينيّة على قضايا إنسانيّة بحتة تقوم بها الجمعيّات الخيريّة، وترفض البنوك العاملة في غزّة اعتماد تواقيعنا على الحسابات المصرفيّة، وقد تواصلنا معها لإبعادها عن التجاذبات السياسيّة بين غزّة ورام الله".

لم تقتصر المتابعة الأمنيّة الفلسطينيّة على البنوك، بل توجّهت نحو مكاتب الصرافة المنتشرة في الأراضي الفلسطينيّة. فقد تعرّضت محلّات صرافة في الضفّة الغربيّة إلى مداهمات إسرائيليّة بين حين وآخر، بزعم نقلها أموالاً لنشطاء حماس، واعتقلت الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة في أيّار/مايو 2015 الصحافيّ محمّد عوض من رام الله بتهمة تهريب أموال بمئات آلاف الشواقل لصالح حماس عبر محلّات الصرافة، وواجه العديد من الصحافيّين الفلسطينيّين احتجاز حوالاتهم الماليّة من الجهّات التي يعملون معها، بناء على طلب الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة.

وقال رائد حميد، وهو صاحب محلّ صرافة لـ"المونيتور" إنّه "يتعامل مع شركات دوليّة لنقل الأموال منذ سنوات، ومنذ بداية عام 2016، وصلتنا تعليمات من جهّات أمنيّة فلسطينيّة، بوضع بعض الشخصيّات والمؤسّسات في قوائم سوداء لعدم تسليمهم حوالاتهم الماليّة، وبين حين وآخر يتم تحديث هذه القوائم بأسماء جديدة، ويتطلّب صرف حوالة بألفي دولار لأي مواطن فلسطيني، موافقة الأجهزة الأمنيّة، ومعرفة مصدرها، مع أنّ بعضها لعائلات شهداء وأسرى وأيتام".

وأكّدت النائب في المجلس التشريعيّ عن حماس من نابلس في الضفّة الغربيّة منى منصور، لـ"المونيتور" أنّ "حملة السلطة الفلسطينيّة ضدّ بعض الحسابات المصرفيّة مستمرّة منذ عام 2006 عقب فوز حماس في الانتخابات التشريعيّة، حتّى نحن النوّاب المنتخبون، رفض بعض البنوك إبقاء حساباتنا لديها خشية اتّهامها بدعم الإرهاب، واضطررنا إلى فتح حسابات جديدة في بنوك أخرى، بإيعاز من أوساط أمنيّة فلسطينيّة وتوجيه منها".

أخيراً... باتت البنوك ومكاتب الصرافة جبهة جديدة من المواجهة بين حماس والسلطة الفلسطينيّة، حيث تمعن الأخيرة بفرض المزيد من ظروف الحصار على الحركة، التي تعيش أزمة ماليّة خانقة، وتحاول إدارة شؤونها في غزّة بكثير من إجراءات التقشّف القاسية غير المسبوقة.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles