تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المطاردة الإسرائيلية الساخنة تهدد ما تبقى من سيادة فلسطينية وهمية

يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون خلافاً حول "المطاردة الساخنة" للجيش الإسرائيلي بمناطق "أ" بالضفة الغربية للمطلوبين الفلسطينيين، وفيما يطالب الأمن الفلسطيني باستلام المعلومات الأمنية من الإسرائيليين، والقيام باعتقال وملاحقة أولئك المطلوبين، ترفض إسرائيل ذلك، وتطالب بأن تقوم بنفسها بالملاحقة، والسلطة باتت تخشى على ضياع ما تبقى من هيبتها وسيادتها في الضفة الغربية.
RTX24W84.jpg

شكل اندلاع الانتفاضة الأخيرة منذ أكتوبر 2015، وتوسع رقعة العمليات الفلسطينية ضد الإسرائيليين، وسقوط 33 قتيلاً إسرائيلياً وإصابة أكثر من 250 آخرين، فرصة للجيش الإسرائيلي لاستباحة كافة مناطق الضفة الغربية، بدعوى المطاردة الساخنة للمطلوبين الأمنيين الفلسطينيين، دون تمييز بين مناطق "أ، ب، ج"، التي بدأتها إسرائيل عقب تنفيذها لعملية السور الواقي بالضفة الغربية عام 2002 عقب اندلاع العمليات الاستشهادية للفصائل الفلسطينية عامي 2001-2002 داخل إسرائيل، التي قتلن وأصابت مئات الإسرائيليين.

وقد قسم اتفاق أوسلو 2 بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 1995، الضفة الغربية البالغة مساحتها 5,844 كم2 إلى 3 أقسام: الأولى مناطق "أ" وتضم المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسة، وتخضع لسيطرة فلسطينية كاملة أمنيًّا وإداريًّا، ومساحتها 18% من الضفة، والثانية مناطق "ب" وهي القرى والبلدات الملاصقة للمدن، الخاضعة لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، بنسبة 21% من الضفة، والثالثة مناطق "ج" ومساحتها 61% من الضفة، وهي الوحيدة المتلاصقة وغير المتقطعة في الضفة، وتقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة أمنيًّا وإداريًّا.

التنسيق الأمني 

أمين مقبول، أمين سر المجلس الثوري لفتح، قال "للمونيتور" أن "إصرار إسرائيل على اقتحام مناطق "أ" بالضفة الغربية، مؤشر على رغبتها بتوتير الأوضاع الأمنية مع الفلسطينيين، ومؤشر على رفضها الأخذ بتوصيات المستويين الأمني والعسكري الإسرائيلي، التي بلورتها قيادتا الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام الشاباك في أواخر نوفمبر 2015، وتتضمن سلسلة تسهيلات للسلطة الفلسطينية، وتقوية أجهزتها الأمنية، بمنحها المزيد من الأسلحة، ومنح تصاريح العمل للفلسطينيين داخل إسرائيل، وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين، ومنح تصاريح لتصدير بضائع من الضفة للمصانع الإسرائيلية، وإتاحة المجال للفلسطينيين للبناء بمناطق "ج" في الضفة، وعدم اقتحام مناطق "أ"، ما يعني أن إسرائيل لديها تقدير سياسي خاطئ قد يضر منطقة الشرق الأوسط كلها، لأنه قد يفجر الأوضاع أكثر مما هي عليه حالياً، والقيادة الفلسطينية لديها آليات للرد على هذه الخطوات الإسرائيلية، كالدعوة لوقف التنسيق الأمني معها، وإعادة النظر في مصير الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، كاتفاق أوسلو السياسي لعام 1993، واتفاق باريس الاقتصادي لعام 1994، واتفاق التنسيق الأمني لعام 1994".

ونقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم 7 أبريل عن رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" تأكيده أن حرية عمل الجيش الإسرائيلي في مناطق "أ" أمر مقدس، ما يعني إفساح المجال للجيش لدخول كافة مناطق الضفة الغربية دون تمييز بين تقسيمات "أ، ب، ج".

فيما هدد "نفتالي بينيت" وزير التعليم الإسرائيلي في حديث لصحيفة هآرتس أيضاً في اليوم ذاته 7 أبريل، بزعزعة أركان الائتلاف الحكومي إذا تم تقليص عمليات الجيش في هذه المناطق، لأن سيطرة الجيش عليها ضمانة لأمن إسرائيل.

يكمن هدف إسرائيل من المطاردة الساخنة بمناطق "أ" بالضفة في ملاحقة واعتقال المطلوبين أمنياً لإسرائيل، ممن يخططون لتنفيذ عمليات مسلحة ضدها، وتشبههم المخابرات الإسرائيلية بـ"القنبلة المتكتكة" التي قد لا تحتمل إجراء التنسيق مع الأمن الفلسطيني لاعتقالهم، مما يستغرق بعض الوقت، وينجح المطلوب من التخفي عن عيون الأمن الفلسطيني، وتنفيذ هجمته، وقد اعتقلت إسرائيل 3 آلاف فلسطيني بين أكتوبر ومارس.

مسئول فلسطيني يتابع مجريات التنسيق الأمني مع إسرائيل، رفض كشف هويته، قال "للمونيتور" أن "السلطة الفلسطينية تعتبر مناطق "أ" وحدة واحدة لا تقبل التجزئة، وترفض فكرة الانتقاص منها، وتصر على عودة السيادة الفلسطينية الكاملة عليها، واحترام إسرائيل لهذه السيادة، وعدم انتهاكها لأي سبب، وقد طالب مسئولون فلسطينيون من نظرائهم الإسرائيليين في الأسابيع الأخيرة باستعادة هذه السيادة عليها، وفق جدول زمني محدد وقصير دون تأخير، لأن السلطة لم تتسامح ولن توافق على الطرح الأمني الإسرائيلي المسمى المطاردة الساخنة".

تصر إسرائيل على استمرار المطاردة الساخنة للفلسطينيين بمناطق "أ"، رغم تأكيد قائد المنطقة الوسطى بالجيش الإسرائيلي "روني نوميه" لصحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم 7 أبريل، أن السلطة الفلسطينية تعزّز نشاطاتها ضد منفذي العمليات فيها، وإذا كانت إسرائيل منذ اندلاع موجة العمليات أكتوبر الماضي مسئولة عن 85% من مكافحتها في الضفة الغربية، فيما تؤدي السلطة الفلسطينية دورا بنسبة 15%، فإن المعادلة تغيرت منذ مارس الماضي، حيث تقوم السلطة بـ40% من النشاطات الأمنية لملاحقة منفذي العمليات، وإسرائيل تقوم بنشاطات أمنية وعسكرية في الضفة الغربية بنسبة 60%، حسب قوله، ومع ذلك فإن إسرائيل كما يبدو لا تثق إلا في قواتها الأمنية لحفظ أمنها.

مع أن مصدرا سياسيا إسرائيليا، رفض كشف هويته، قال للإذاعة العبرية يوم 15 مارس أن المحادثات السرية مع الفلسطينيين بخصوص نقل بعض المناطق لسيطرة السلطة الفلسطينية الأمنية، لم تفضِ لشيء بسبب رفض استجابة الفلسطينيين للشروط الإسرائيلية، ولذلك آلت المحادثات معهم إلى طريق مسدود، ولم يتم التوصل لتفاهمات معهم حول تغيير نمط النشاطات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في مدن الضفة الغربية، وأن الجيش الإسرائيلي يعمل في أي مكان وزمان بمقتضى احتياجاته العملياتية.

نايف الرجوب، القيادي في حماس بالخليل، ووزير الأوقاف الفلسطيني السابق، قال "للمونيتور" أن "المطاردة الساخنة موضوع قديم جديد لم يتغير عند الإسرائيليين، ورغم أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تقدم خدمات جليلة للأمن الإسرائيلي، وهي تقوم بحماية المشروع الصهيوني وليس المشروع الوطني الفلسطيني، لكن الجيش الإسرائيلي لا يثق أحياناً بالمعلومات التي تقدمها له، مما يضطره لدخول مناطق "أ" مباشرة، ويقضي على ما تبقى من هيبة شكلية للسلطة الفلسطينية في الضفة، ويجعلها حريصة فقط على إبقاء شبكة مصالحها مع الإسرائيليين لصالح بعض المتنفذين في السلطة الفلسطينية دون علاقة بالقضية الوطنية الفلسطينية".

 السيطرة الميدانية

دخول الانتفاضة شهرها السابع، ومواصلة الجيش الإسرائيلي اجتياحه لمناطق "أ"، يطرح علامات استفهام حول مصير المفاوضات الأمنية للجانبين منذ مارس الماضي، حول إعادة انتشار إسرائيلية من مدن فلسطينية، كرام الله وأريحا، لكن استمرار المطاردة الساخنة قد يشير لرغبة إسرائيلية باقتطاع بعض أراضي الضفة، وإبقاء سيطرتها الأمنية عليها بأسماء مختلفة، كمناطق أمنية، التدخل الساخن، حماية المستوطنات.

حسن خريشة، النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، قال "للمونيتور" أن "المطاردة الساخنة مسألة ثابتة في النهج العسكري الإسرائيلي، ولدي قناعة 100% أنها تتم بالتنسيق مع الأمن الفلسطيني، وهذا التنسيق يزداد يوماً بعد يوم، بإحباط العمليات الفدائية، وتبادل اعتقال المقاومين الفلسطينيين بين أجهزة أمن الجانبين، مما يشير لعدم جدية السلطة الفلسطينية في تحذيراتها بوقف التنسيق الأمني، ويمنح إسرائيل الغطاء الأمني في مطارداتها الساخنة ضد الفلسطينيين".

من الناحية العملية، يبدو أن الجيش الإسرائيلي يدخل مناطق "أ" كما يشاء، وينفذ فيها مطاردات ساخنة، وأحياناً يبلغ السلطة الفلسطينية، ويطلب منها معلومات أمنية عن بعض المجموعات المسلحة، ثم ينسحب من المنطقة بعد إلقاء القبض على المطلوبين الأمنيين له، كما يحصل بمدن الخليل ونابلس وجنين ورام الله.

ورغم استمرار التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، لكن الجيش الإسرائيلي يقوم في الأشهر الأخيرة باقتحامات تلك المدن الفلسطينية، دون تدخل أجهزة الأمن الفلسطينية، بل إنه يطلب منها إخلاء مواقعها الأمنية والشرطية التي ينوي الجيش الإسرائيلي اقتحامها تحت بند المطاردة الساخنة.

رائد نعيرات، أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية بنابلس، ومدير عام المركز المعاصر للدراسات وتحليل السياسات في الضفة، قال "للمونيتور" أن "استمرار إسرائيل بالمطاردة الساخنة يلبي لها القبول الشعبي بين الإسرائيليين، ويمنحها الحصول على معلومات أمنية دقيقة وكثيفة عن الضفة أكثر من الأمن الفلسطيني، وهي تفضل وجود أجهزتها الأمنية بجانب نظيرتها الفلسطينية في الوقت ذاته داخل الضفة، لحفظ الأمن بنسبة كاملة".

أخيراً .. ليس من الواضح في الأفق القريب أن إسرائيل قد توقف مطارداتها الساخنة ضد المطلوبين الفلسطينيين، مع استمرار الانتفاضة، في ظل عدم قدرة السلطة الفلسطينية، المغلوبة على أمرها، بوقفها أو كبح جماحها، لا سياسيا ولا عسكريا، مما يقضي تدريجياً على ما تبقى من سيادة وهمية منحها اتفاق أوسلو لها على معظم مناطق الضفة الغربية.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles