تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف يتدبّر اللاجئون السوريّون في تركيا أمورهم؟

يضطرّ نحو 85% من السوريّين في تركيا الذين يقيمون خارج مخيّمات اللاجئين إلى القبول بأجور متدنّية بسبب عدم حصولهم على رخص عمل.
RTS354U.jpg

في 15 كانون الثاني/يناير، شهد تعامل الحكومة التركيّة مع الأزمة الانسانيّة في سوريا المجاورة تحوّلاً كبيراً عندما أصدر المسؤولون قرارات تقضي بمنح الكثيرين من اللاجئين السوريّين البالغ عددهم 2,5 ملايين رخص عمل. وفيما رحّبت المنظّمات الدوليّة لحقوق الانسان بهذا القرار التركيّ، يبقى أن تساهم هذه الخطوة في تحسين حياة لاجئين سوريّين كثيرين وظروف عملهم في سوق العمل التركيّة.

يعمل علي في مصنع صغير للألبسة في حيّ زينتينبورنو، وهو حيّ للطبقة العاملة في اسطنبول مخفيّ عن المارّة والهيئات التنظيميّة. في داخل قبو قذر، يجلس 15 سوريّاً في صفّين أمام آلات للخياطة يطغى طنينها على صوت الأغاني العربيّة الذي يصدح من الراديو.

وقال علي لـ "المونيتور": "أنا معلّم رياضيّات ولديّ 20 سنة من الخبرة، لكن ما من مدرسة سوريّة في اسطنبول توافق على توظيفي". يتحدّر علي من إدلب، وقد وصل إلى اسطنبول وفي جيبه 6 آلاف دولار قبل سنة ونصف السنة، بعد أن أصبح التعليم في مدرسة عامّة في إدلب الخاضعة لسيطرة الثوّار مهنة خطرة. عجز علي عن إيجاد وظيفة في مجال التعليم في تركيا، وهو يعمل اليوم ستّة أيّام في الأسبوع لمدّة 11 ساعة في اليوم ويجني ألف ليرة تركيّة (حوالى 350 دولاراً) في الشهر يدفعها مباشرة مقابل الإيجار (800 ليرة تركيّة) والخدمات العامّة (200 ليرة تركيّة). وقال: "المعاش ليس كافياً لكنّه أفضل من لا شيء". ولتأمين لقمة العيش، يعمل ابناه أيضاً، البالغان من العمر 12 و14 عاماً، لمدّة 11 ساعة في اليوم في مصنع للألبسة حيث يجني كلّ منهما 500 ليرة تركيّة فقط شهرياً. وقال علي: "لا أريد أن أكون ثرياً، لكنّني فقدت الأمل". فكلّ ما تبقّى من مدخّرات علي هو 50 ليرة تركيّة يحتفظ بها هذا الرجل الذي أضناه الإجهاد في جيبه.

يحاول نحو 85% من السوريّين في تركيا الذين يقيمون خارج مخيّمات اللاجئين الانخراط في اليد العاملة غير الرسميّة بسبب عدم حصولهم على رخص عمل. ويستغلّ أصحاب العمل الأتراك العمّال اللاجئين ذوي الأجر المنخفض الذين يجنون تقريباً نصف الأجور العاديّة.

يعمل ضياء عجاج في مصنع صغير للمعجّنات في إزمير. كانت عائلته تملك متجراً للمعجّنات في دمشق قبل أن تهرب من الحرب. ومنذ العام 2014، يعمل عجاج ستّة أيّام في الأسبوع لمدّة 10 أو 11 ساعة في اليوم مقابل 1300 ليرة تركيّة في الشهر. وهو معرّض للاستغلال بما أنّه لا يملك رخصة عمل.

وقال عجاج لـ "المونيتور": "كان الشابّ الذي عمل هنا قبلي تركياً وتراوح معاشه ما بين 2200 و2500 ليرة تركيّة"، أي أنّ عجاج يجني أقّل منه بنسبة 40%. ومع أنّه بات يتكلّم اللغة التركيّة بطلاقة بعد ثلاث سنوات من إقامته هناك، إلا أنّه يشكّ في إيجاد فرصة أفضل. وقال: "يبلغ معدّل المعاش [الشهريّ] للاجئين السوريّين غير الماهرين ألف ليرة تركيّة. أنا أعيش لأعمل ليس إلا. لا معنى آخر لحياتي".

كان أسامة درويش جرّاحاً عامّاً في حلب. ومنذ وصوله إلى تركيا قبل 10 أشهر، لم يتمكّن من إجراء أيّ عمليّة جراحيّة. وهو يقدّم الآن الرعاية الصحيّة العامّة إلى اللاجئين السوريّين في مستشفى ميدانيّ موقّت في كلس. لا تعترف تركيا بالشهادات الطبيّة السوريّة وتفتقر إلى نظام لترخيص الأطبّاء اللاجئين. وقال درويش لـ "المونيتور" عبر الهاتف: "المشكلة [بالنسبة إلى الأطبّاء] ليست المعاش، بل كيفيّة الاستمرار في مهنة الطبّ. كيف يمكنني الاستمرار كجرّاح من دون إجراء عمليّات جراحيّة؟".

وبالتالي، يكتفي الأطبّاء السوريّون بتقديم خدمات أخرى إلى مرضاهم. وقال درويش: "تجيز الكيمليك [بطاقة حماية موقّتة] للسوريّين الذهاب إلى المستشفيات الحكوميّة للحصول على الرعاية، لكنّ اللغة تطرح مشكلة كبيرة. فيكتفي الأطبّاء الأتراك بإعطائهم دواء ويطلبون منهم المغادرة". وأوضح درويش أنّ الأطبّاء السوريّين يجدون عملاً في العيادات التي تحظى بدعم منظّمات المساعدات الانسانيّة والمنظّمات غير الحكوميّة، ويجنون ما معدّله 2800 إلى 4300 ليرة تركيّة (ما بين 1000 و1500 دولار) في الشهر.

ومع أنّ عدداً كبيراً من الأطبّاء السوريّين جازف في العبور إلى أوروبا على متن زوارق مطّاطية، إلا أنّ "هناك نحو 30 طبيباً عاطلاً عن العمل في كلس"، على حدّ قول درويش الذي أشار إلى أنّ الكثيرين يلجأون إلى افتتاح عيادات خاصّة وغير رسميّة. وأضاف أنّ "الحكومة التركيّة مرنة"، لكن من الأفضل أن يكون هناك قواعد وشهادات رسميّة، مشيراً إلى أنّ الحكومة تسمح له بالعمل اليوم "لكنّ الوضع قد يتغيّر غداً".

في الوقت الحاليّ، ينظّم درويش أموره بالتخطيط لكلّ ستّة أشهر على حدة. وبحسب خطّته الحاليّة، سيبقى في كلس ويسعى إلى تحسين مهاراته اللغويّة. وقال: "الوضع مشابه في [المدن الأخرى]. إنّه وضع مزرٍ بالنسبة إليّ".

يعزف خالد الموسيقى في شارع الاستقلال الذي يُعتبر من الشرايين الرئيسيّة في اسطنبول والذي شهد التفجير الأخير في تركيا. وهو يعزف الموسيقى برفقة خمسة أو ستّة موسيقيّين سوريّين لمدّة معدّلها تسع ساعات يومياً. ويستقطب أداؤهم أعداداً كبيرة من السيّاح العرب الذين تجذبهم الأنغام العربيّة المشحونة بالحنين. وفي فترات الاستراحة، يشتكي الموسيقيّون من مشاكلهم الماديّة. فأعضاء الفرقة يجنون ما بين 40 و100 ليرة تركيّة يومياً، وأحياناً أكثر في أشهر الصيف. ويتقاسمون كلّ قرش يقع في علبة الأكورديون الخاصّة بخالد. ويستعمل خالد مدخوله كلّه لدفع إيجاره الشهريّ البالغة قيمته 500 ليرة تركيّة والخدمات العامّة البالغة قيمتها 400 ليرة تركيّة. وقال الموسيقيّ: "بدأت أعزف الموسيقى في الشارع بعد أن كنت أجني 900 ليرة تركيّة [فقط] شهرياً في مصنع للألبسة".

محمّد محظوظ في العمل لدى منظّمة ألمانيّة للمساعدات في غازي عنتاب، لكنّ معاشه ليس كافياً. فمع أنّه يجني 3000 ليرة تركيّة شهرياً – وهو معاش يحلم به غالبيّة اللاجئين في تركيا – إلا أنّه يبحث باستمرار عن سبل للتخفيف من مصاريف عائلته. وقال لـ "المونيتور" عبر الهاتف: "لا أستطيع ادّخار شيء. فالمعيشة مكلفة جداً". وهذا الأب لولدين مسؤول أيضاً عن عائلته في سوريا. يدفع إيجاراً قيمته 550 ليرة تركيّة "لكنّنا نقيم في مكان أشبه بزنزانة. أكافح لأعيش حياة كريمة".

وعلى الرغم من معاشه المرتفع نسبياً، لا يملك محمد رخصة عمل أو إذناً للإقامة في غازي عنتاب لأنّه تسجّل بموجب حماية موقّتة في أحد المخيّمات على طول الحدود السوريّة. عاش محمد بضع سنوات في مخيّم للاجئين حيث عمل "مقابل علبة سجائر، في تعليم الانكليزيّة". وتحسّن وضعه لاحقاً، لكنّه تماماً كبقيّة السوريّين الذين تحدّثنا معهم من أجل هذا المقال، لا يعرف شيئاً عن قانون العمل الجديد وكلّ ما يهمّه هو تأمين لقمة عيشه. وقال محمد: "لا مجال للتقدّم بالنسبة إلى السوريّين. لكنّني راضٍ. أنا أكثر من سعيد لأنّني أساعد شعبي المحتاج".