تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"حماس" ومصر... الخروج من عنق الزجاجة

انتهت زيارة "حماس" لمصر من دون أن يعلنا حقيقة ما اتّفقا عليه، رغم وجود مؤشّرات لتحسّن طفيف في علاقتهما المتوتّرة، ممّا قد يلبّي حاجة "حماس" في الفترة الحاليّة الّتي يعنيها وقف الحملات الدعائيّة المصريّة ضدّها وحال الاستعداء الموجّهة من قبل بعض أوساط الدولة المصريّة نحوها، وربّما حازت عليها موقّتاً.
RTR4ODUZ.jpg

بعد ستّة أشهر على الزيارة الأخيرة الّتي قامت بها "حماس" لمصر في أيلول/سبتمبر من عام 2015، زار وفد قياديّ رفيع المستوى من "حماس" القاهرة في 12 آذار/مارس لمدّة خمسة أيّام، من دون الكشف التفصيليّ عمّا آلت إليه مباحثات "حماس" الأمنيّة مع جهاز المخابرات العامّة المكلّف بإدارة الملف الفلسطينيّ في مصر.

وأبلغ مسؤول رفيع المستوى في "حماس"، رفض الكشف عن هويّته، وهو مطّلع على سير المباحثات مع المصريّين، "المونيتور" أنّ "اللّقاءات تناولت عدداً من المواضيع الأمنيّة المهمّة كقضيّة اختطاف كوادر حماس الأربعة داخل سيناء منذ 20 آب/أغسطس الماضي، ومطالبة حماس بفتح معبر رفح في شكل دائم، واتّهامها بالتورّط في اغتيال النائب المصريّ السابق هشام بركات في حزيران/يونيو من عام 2015، واستمرار عمل بعض الأنفاق بين غزّة وسيناء. ورغم تأكيدنا عدم التدخّل في الشأن المصريّ الداخليّ، لكنّنا مستمرّون بضبط حدودنا الأمنيّة مع سيناء".

تطبيع العلاقات

ربّما أرادت "حماس" من عدم إعلانها تفاصيل اللّقاءات الأمنيّة مع مصر، الانتظار لجولة أخرى قد تجمعهما بعد انتهاء رحلة "حماس" الخارجيّة، حيث التقت قياداتها من الداخل والخارج في قطر منذ 18 مارس حتى اليوم، وفي طريق عودته إلى غزة، يتوقع أن يلتقي وفد حماس مجدداً بالمسئولين المصريين، لإجمال مواقف الحركة النهائيّة من القضايا المثارة في مباحثاتها في القاهرة، وحينها قد تصدر "حماس" بياناً رسميّاً للرأي العام يكشف حقيقة ما حصل في مباحثاتها مع المصريين، وهذا البيان، في حال صدوره، قد يكشف أين اتّفقت حماس مع مصر، وأين اختلفا.

وفي هذا السياق، قال المتحدّث الرسميّ باسم "حماس" حسام بدران، وهو المقيم في قطر حيث تتواجد قيادات الحركة من الداخل والخارج، لـ"المونيتور": "إنّ زيارة حماس لمصر خطوة في الإتّجاه الصحيح للوصول إلى علاقة طبيعيّة وإيجابيّة لتجاوز توتّر المرحلة السابقة. ورغم عدم وجود إتّفاق مكتوب بين الطرفين، لكنّنا أكّدنا للإخوة المصريّين أنّ ما يحدث في مصر وسيناء من حوادث أمنيّة لا نتدخّل فيها، ولسنا جزءاً منها، فحماس تقوم بدورها على حدود غزّة، كما كانت دوماً، ويعنيها أمن مصر وشعبها، وهذا ما أوضحناه إلى الجانب المصريّ".

وكان لافتاً أنّه بالتزامن مع مباحثات وفد "حماس" في القاهرة، حصلت مؤشّرات إيجابيّة بين الطرفين، فقد تراجعت الحملة الدعائيّة الّتي شنّها الإعلام المصريّ ضدّ "حماس"، ودعا الإعلاميّ المصريّ الشهير وائل الإبراشي، الوثيق الصلة بصنّاع القرار المصريّ، في 17 آذار/مارس إعلام بلاده إلى التوقّف عن مهاجمة "حماس". ونشرت صحيفة "الأهرام" الرسميّة التابعة للدولة المصريّة في 12 آذار/مارس مقالاً للكاتب محمّد أمين، اعتبر "حماس" حركة مقاومة فلسطينيّة تثير إعجاب المصريّين، وستظلّ كذلك.

من جهته، قال مساعد وزير الخارجيّة المصريّ الأسبق عبد الله الأشعل في 19 آذار/مارس: إنّ خلافات القاهرة و"حماس" ما زالت كبيرة، لأنّ الأولى تريد من الثانية ضمانات بعدم استخدام غزّة كمحطّة لمقاتلي ولاية سيناء التابعة لتنظيم الدولة الإسلاميّة، والتوقّف عن تقديم دعم لوجيستيّ للتنظيمات المسلّحة، ممّا يؤكّد أنّ استعادة علاقات الطرفين تحتاج إلى وقت طويل، رغم التشديد على أهميّة وجود قناة تواصل بينهما، كما قال الأشعل.

فيما بثّت "حماس" بعض التفاؤل من الزيارة، حين نشرت صحيفة "فلسطين" المقرّبة منها مقالات يوم 21 مارس تصف زيارة مصر بالإيجابيّة، وتحدّث وزير الإعلام السابق في حكومة "حماس" يوسف رزقة بـ14 آذار/مارس، عمّا وصفه بالرعاية والاحترام اللّذين تلقّاهما وفد "حماس" الذي غادر غزة حين وصل الأراضي المصريّة، وفي مقرّ إقامته في القاهرة الذي لم يكشف عنه لأسباب أمنية، وتوفير الحراسات الأمنيّة المصريّة المناسبة له.

وإنّ "حماس" للمرّة الأولى تعلن إدانتها للاغتيالات السياسيّة الّتي تشهدها مصر منذ الإطاحة بالرئيس المصريّ السابق محمّد مرسي في تمّوز/يوليو من عام 2013، ومنها اغتيال النائب العام السابق. كما أعلن ذلك موسى أبو مرزوق وخليل الحيّة عضوا المكتب السياسيّ في "حماس" بـ16 آذار/مارس.

ومن جهته، قال وزير الثقافة الفلسطينيّ السابق وأستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر بغزّة إبراهيم أبراش لـ"المونيتور": "إنّ مباحثات حماس مع المصريّين قد تفضي إلى حدوث مراجعات داخليّة في حماس حول سياساتها ومواقفها وعلاقاتها، عقب تراجع نفوذ الإخوان المسلمين والإسلام السياسيّ الّذي تتبنّاه الحركة، وعدم قدرة حماس على تحقيق اختراقات في الوضع الفلسطينيّ الداخليّ، مع تأزّم الوضع المعيشيّ في غزّة، لكنّي آمل ألاّ تكون مراجعات حماس لاعتبارات تكتيكيّة لتقوية سيطرتها على غزّة فقط".

الإخوان المسلمون

ميدانيّاً، تابع "المونيتور" تعليق كتائب عزّ الدين القسّام - الجناح العسكريّ لـ"حماس"، في 20 آذار/مارس لافتة كبيرة على مفترق السرايا في وسط غزّة، وهي المنطقة الأكثر ازدحاماً بمدينة غزة، كتبت عليها عبارة "المقاومة لا توجّه سلاحها إلى الخارج"، وهو المكان الّذي علّقت فيه سابقاً شعارات لجماعة الإخوان المسلمين وصور للرئيس المصري السابق محمد مرسي في وسط مدينة غزة، كما أنّه على ما يبدو خطوة من "حماس" لإرسال رسائل إيجابيّة إلى القاهرة بالتحلّل التدريجيّ من الجماعة الأم.

وفي هذا المجال، قال حسام بدران لـ"المونيتور": "إنّ موقف حماس من موضوع الإخوان المسلمين صريح ومعلن، وهو أنّنا نفخر بانتمائنا إلى المدرسة الأيديولوجية لهذه الجماعة، لكنّنا حركة تحرّر فلسطينيّة قرارنا ينبع من مؤسّساتنا الشوريّة والقياديّة فقط، وهذا أمر تدركه كلّ الأطراف، بما فيها مصر".

فيما ذكرت صحيفة القدس الفلسطينية في 20 آذار/مارس، أنّ حماس أمرت أفرادها وقياداتها في الأيّام الأخيرة بعدم ترديد شعارات الإخوان المسلمين في المهرجانات، وعدم طباعة شعار الجماعة "القرآن والسيفان" على الأعمال الدعائيّة الخاصّة بنشاطات الحركة، وهو أمر قوبل بترحيب من أوساط مصريّة في 21 آذار/مارس.

ورفض غازي حمد، وهو وكيل وزارة الخارجيّة الفلسطينيّة في غزّة وأحد قيادات حماس الّتي تتواصل دائماً مع مصر، في حديث لـ"المونيتور" الربط بين إزالة صور الإخوان وزيارة "حماس" للقاهرة، وقال: "أنا أستغرب الربط بين إزالة حماس لبعض الصور ووضع أخرى مكانها على أنّها في إطار تفاهماتها مع مصر، وأؤكّد أنّ ما تمّ التوصل إليه بين الطرفين عقب الزيارة الأخيرة يؤسّس لعلاقات مستقبليّة مزدهرة بينهما".

فيما نفى إسماعيل هنية نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، في 22 مارس، وجود أي دور أمني أو عسكري لحماس في مصر، مجددا حرص الحركة على إقامة علاقة طيبة ومتوازنة مع مصر.

وأخيرا، قد يبدو من المبكر رؤية آثار إيجابيّة ميدانيّة، مثل فتح معبر "رفح"، تشير إلى أنّ "حماس" ومصر تذهبان باتجاه إحياء شهر عسل بينهما، بعد أن كادا يصلان إلى مرحلة الطلاق البائن، عقب الاتهامات المصرية الأخيرة لحماس يوم 6 مارس بالتورط في اغتيال النائب العام السابق هشام بركات في يونيو 2015، وتصريحات منسوبة لمسئولين مصريين في فبراير الماضي تتهم حماس بالتخطيط لإقامة دولة في سيناء، لكنّ تخفيف الاحتقان السائد بينهما، ربّما يراه الجانبان مقدّمة جيّدة يمكن البناء عليها للخروج من عنق الزجاجة الّتي دخلاها، الأمر الّذي كان سيؤدّي إلى نتائج سلبيّة للغاية على كليهما.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles