تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تدهور خطير في علاقة "حماس" ومصر

ما تلبث "حماس" ومصر أن ترمّما علاقتهما المتوتّرة عادة منذ سيطرة العسكر على الحكم في القاهرة بأواسط عام 2013، حتّى تصاب بانتكاسة جديدة كان آخرها قبل أيّام، حين اتّهمت مصر رسميّاً "حماس" بالتورّط في اغتيال النائب العام المصريّ هشام بركات العام الماضي، وهو ما نفته الحركة جملة وتفصيلاً، لكنّ هذا التطوّر قد يبدو محطّة هي الأخطر في علاقة الجانبين، في الوقت الّذي كانا فيه على موعد مع لقاء قريب يجمعهما في القاهرة.
Policemen secure the site of a car bomb attack on the convoy of Egyptian public prosecutor Hisham Barakat near his house at Heliopolis district in Cairo, Egypt, June 29, 2015. Barakat died from wounds sustained in a bomb attack on Monday that had targeted his convoy in Cairo, state news agency MENA said. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany - RTX1I9OL

منذ أن أطاح الجيش المصريّ بالرئيس السابق محمّد مرسي في يوليو 2013، دأب الإعلام المصريّ على شنّ حملات دعائيّة قاسية ضدّ "حماس" واتّهامها باقتحام السجون المصريّة خلال ثورة كانون الثاني/يناير من عام 2011، والمشاركة في عمليّات مسلّحة ضدّ الجيش المصريّ بسيناء، حيث ارتبطت حماس مع مرسي بعلاقات وثيقة في فترة حكمه التي امتدت عاما 2012-2013، وأقامت احتفالات شعبية بفوزه في انتخابات الرئاسة، وتكررت زيارات وفود حماس للقاهرة، وتم استقبالهم في القصور الرئاسية المصرية، ولذلك شكلت الإطاحة بمرسي خبراً سيئاً لحماس خسرت من خلاله موطئ قدم كبير لها في مصر، وهي أكبر دولة عربية.

فيما التزمت السلطات المصريّة الصمت إزاء الاتّهامات، فهي لا تنفي ولا تؤكّد، لكنّ التطوّر الخطير في اتّهامات مصر لـ"حماس" جاء في 6 آذار/مارس، حين اتهم وزير الداخليّة المصريّ مجدي عبد الغفّار عبر مؤتمر صحافيّ "حماس" بالتورّط في اغتيال هشام بركات في 29 حزيران/يونيو من عام 2015 بوسط القاهرة، وبثّ تسجيل فيديو لما قال إنّها اعترافات لعناصر الإخوان المسلمين يعلنون فيها أنّ "حماس" أشرفت على الاغتيال بتدريبهم في غزّة بعد تهريبهم عبر الأنفاق.

نفي ومطالبة

لقد سارعت "حماس" في اليوم ذاته عبر الناطق باسمها سامي أبو زهري إلى نفي اتّهامات مصر، لأنّها لا تنسجم مع الجهود المبذولة لتطوير علاقات الحركة معها. وفي 8 آذار/مارس، طالبت "حماس" بإقالة وزير الداخليّة المصريّ لأنّ اتّهاماته ضدّها تثير الفتنة والبلبلة وتسيء إلى العلاقة بين الشعبين الفلسطينيّ والمصريّ.

ومن جهته، قال نائب رئيس الوزراء السابق في حكومة "حماس" وعضو مكتبها السياسيّ زياد الظاظا لـ"المونيتور": "إنّ الاتّهامات المصريّة لحماس باغتيال بركات تعيد إلى الذاكرة اتّهام حماس بحادثة تفجير كنيسة القدّيسين بالإسكندريّة في كانون الثاني/يناير من عام 2011. وبعد الثورة المصريّة عام 2011، ثبت أنّ وزارة الداخليّة المصريّة هي من قامت بتفجير الكنيسة، ممّا يعني أنّ مروّجي الاتّهامات المصريّة الجديدة يريدون الإساءة إلى صورة المقاومة الفلسطينيّة، مع وجود أطراف محليّة ودوليّة وإقليميّة، لم يسمّها، لا تريد علاقة جيّدة بين حماس ومصر".

وقد نشرت الصحف المصرية يوم 3 مارس 2011، مخطط وزير الداخلية المصري الأسبق حبيب العادلى لتفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية عبر بعض عناصر الوزارة، لإخماد احتجاجات الأقباط المتتالية، وتهدئة نبرتهم ضد نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، والضغط عليهم بعدم خروجهم للتظاهر.

وقد يكون هذا الاتّهام الأوّل من نوعه الموجّه من مسؤول مصريّ بحجم وزير الداخليّة ضدّ "حماس"، ونظراً لأنّ عمليّة اغتيال بركات هزّت الشارع المصريّ، كونه أحد المسؤولين المقربين من الرئيس عبد الفتّاح السيسي، فإنّ هذه الاتّهامات قد تسفر عن نتائج سلبيّة في علاقة "حماس" مع مصر، وربّما تخشى "حماس" أن تقوم مصر بدعوة الدول العربيّة إلى تصنيف الحركة على أنّها إرهابيّة، كما حصل أخيراً مع "حزب الله" من قبل وزراء الداخليّة العرب ومجلس التعاون الخليجيّ في أوائل آذار/مارس الحاليّ.

وقد ذكرت وسائل إعلام مصريّة في 8 آذار/مارس أنّ محكمة الإسكندريّة للأمور المستعجلة ستنظر في 23 آذار/مارس الجاري في الدعوى المقامة بإدراج "حماس" منظّمة إرهابيّة عقب اتّهامها بقتل النائب العام، علما بأن محكمة القاهرة للأمور المستعجلة صنفت حماس في فبراير 2015، بأنها حركة إرهابية، واتهمتها بالضلوع في أعمال إرهابية داخل الأراضي المصرية، شملت ضلوعها باقتحام سجن وادى النطرون، وتهريب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين منه، والمشاركة بقتل المتظاهرين في ميدان التحرير خلال ثورة يناير/كانون الأول 2011.

وفي هذا السياق، قال عضو المكتب السياسيّ في "حماس" خليل الحيّة لـ"المونيتور": "هذه الاتّهامات عارية من الصحّة، فلا مصلحة لحماس لا بالأمس ولا اليوم ولا غداً، بالتدخّل في الشأن المصريّ ودول المنطقة، ونحن نشعر بالغضب والصدمة من هذه الاتّهامات، والغريب أن تأتي في الوقت الّذي تسعى فيه حماس إلى علاقات طيّبة مع القاهرة، علماً بأنّنا حركة فلسطينيّة مقاومة تنتمي إلى الفكر الإسلاميّ الوسطيّ، ولا تربطنا أيّ علاقة تنظيميّة أو إداريّة مع أيّ حركة خارج فلسطين، بما فيها الإخوان المسلمون".

ولعلّ توقيت الاتّهام المصريّ جاء ملفتاً بصورة خاصّة، في ظلّ الأحاديث الأخيرة لـ"حماس" عن قرب قيام وفد قياديّ منها بزيارة رسميّة لمصر للقاء مسؤوليها كانت سوف تتم في النصف الثاني من مارس آذار الحالي، وترميم العلاقة الّتي أصابها الضرر في الأشهر الأخيرة بسبب إقامة المنطقة المصريّة العازلة على حدود غزّة مع سيناء في نيسان أبريل 2015، واستمرار إغلاق معبر رفح.

ومن جهته، قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر بغزّة مخيمر أبو سعدة لـ"المونيتور": "إنّ توقيت اتّهام مصر لحماس سيّىء في ظلّ حديث عن انفراج لعلاقتهما، وقد يؤثّر الاتّهام في شكل سلبيّ على تحسين علاقاتهما، وربّما تحسن حماس صنعاً إن فكّت ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، لأنّ استمرار الارتباط بين حماس والإخوان في ظلّ أزمتهما مع النّظام المصريّ سيجلب للحركة العزلة السياسيّة، وإجراءات مصريّة صعبة ضد حماس، مثل مواصلة إغلاق معبر رفح، ومنع عناصر حماس من السفر عبره، والاستمرار في القضاء على ما تبقى من الأنفاق بين غزة وسيناء".

تحليل أمنيّ

ولعلّ قراءة في تفاصيل الاتّهام المصريّ لـ"حماس" يطرح علامات استفهام أمنيّة، فالوزير المصريّ قدّم ما اعتبرها اعترافات تفصيليّة تؤكّد اتّهام "حماس" مع أنّ مراجعة دقيقة لما أعلنته السلطات المصريّة خلال الأشهر التسعة الماضية منذ اغتيال بركات، تشير إلى أنّ الاتّهام بقتله طال 3 جهات متلاحقة.

لقد قتل الأمن المصريّ في تمّوز/يوليو 9 من الإخوان المسلمين بمدينة 6 أكتوبر بالقاهرة، في إطار ملاحقته للمشاركين في قتل بركات. وفي آب/أغسطس، اتهمت أوساط أمنيّة مصريّة هشام عشماوي، وهو الضابط المنشق عن الجيش المصريّ، بالتّخطيط لقتل بركات عقب انضمامه إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة. وفي شباط/فبراير الأخير، قتل الأمن المصريّ عناصر مسلّحة في حيّ المعادي بالقاهرة متّهمة بقتل بركات، وقبل أيّام جاء اتّهام "حماس" بالتورّط باغتياله.

لقد عقد الناطق الرسمي باسم "حماس" وعضو المجلس التشريعيّ فيها صلاح البردويل مؤتمراً صحافيّاً مطوّلاً حضره "المونيتور" حول تفنيد اتّهامات مصر لـ"حماس" في فندق "كومودور" بغزّة بـ7 آذار/مارس، وقال لـ"المونيتور": "إنّ الاتّهامات المصريّة الصادمة لحماس جاءت بعد أيّام قليلة فقط من اتصال هاتفيّ جرى بين رئيس المكتب السياسيّ لحماس خالد مشعل مع وزير المخابرات المصريّة خالد فوزي لترتيب زيارة وفد من قيادة الحركة للقاهرة، مما يؤكّد توجّه الحركة الإيجابيّ وحرصها الأكيد على علاقات إيجابيّة مع مصر. وأنا أنفي وجود أيّ معتقل فلسطينيّ ينتمي إلى حماس داخل السجون المصريّة ممّن ظهروا كمتّهمين على التلفزيون المصريّ خلال المؤتمر الصحفي لوزير الداخلية المصري مجدي عبد الغفار، وجميعهم لم يدخلوا غزّة، وليست لهم علاقة بحماس أو كتائب عزّ الدين القسام، الجناح العسكريّ للحركة".

وأخيراً، ما زالت "حماس" في حيرة من أمرها حول تعاملها مع هذه النّقلة النوعيّة في توتّر العلاقة مع مصر، لأنّ اتّهامات الأخيرة لها قد يشير إلى وجود خلافات بين أركان الدولة المصريّة حول مستقبل العلاقة مع "حماس"، ففي الوقت الذي يتّصل فيه وزير المخابرات المصريّة مع خالد مشعل في أواخر شباط/فبراير لترتيب زيارة وفد "حماس" للقاهرة، يخرج بعد أيّام قليلة وزير الداخليّة المصريّ في أوائل آذار/مارس ليتهم "حماس" باغتيال النائب العام، مما قد يربك الحركة في كيفية التّعامل مع مصر.

وفي الوقت ذاته، فإن الناظر لطبيعة النظام السياسي المصري الحاكم اليوم، قد يستبعد خلافات بين مكوناته حول التعامل مع حماس، لأنه نظام أمني محكم، مما قد يرجح فرضية توزيع الأدوار بين أجهزته الأمنية، بين جهاز المخابرات المصرية الذي يتواصل مع حماس، ووزارة الداخلية المصرية التي اتهمت الحركة باغتيال بركات، وكل ذلك ربما بغرض الضغط على حماس أكثر، وصولاً لانفصالها عن جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وهو الأمر الذي لم تعلنه الحركة بعد.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles