تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الموازنة الفلسطينيّة العامّة... عجز بـ32 في المئة وتجاهل للمجلس التشريعيّ

حظيت الموازنة الفلسطينيّة لعام 2016، والّتي صادق عليها الرئيس محمود عبّاس وأقرّتها الحكومة في كانون الثاني/يناير بجملة انتقادات، كان أبرزها عدم عرضها على المجلس التشريعيّ لنيل المصادقة عليها بموجب القانون.
Palestinian President Mahmoud Abbas gestures as he speaks to the media in the West Bank city of Ramallah January 23, 2016. REUTERS/Mohamad Torokman   - RTX23PR4

رام الله، الضفّة الغربيّة - صادق الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس على الموازنة العامّة لعام 2016 في 9 كانون الثاني/يناير، بعد أن أقرّها مجلس الوزراء في الخامس من الشهر ذاته بقيمة 4.25 مليار دولار.

"حماس": موازنة غير قانونيّة

لقد انتقدت حركة "حماس" المصادقة على الموازنة من دون عرضها على المجلس التشريعيّ واعتبرتها غير قانونيّة، إذ قال النائب عن الحركة في الضفّة الغربيّة أحمد عطون لـ"المونيتور": "إنّ المصادقة على الموازنة العامّة من دون عرضها على المجلس التشريعيّ إجراء غير قانونيّ".

وينص قانون رقم (7) لسنة 1998 ​بشأن تنظيم الموازنة العامة والشؤون المالية ان السنة المالية للسلطة الفلسطينية تبدأ من أول كانون الثاني/يناير وتنتهي في الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول /ديسمبر من كل سنة ميلادية، اذ يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة العامة إلى المجلس التشريعي قبل شهرين على الأقل من بداية السنة المالية، ويحيل المجلس المشروع إلى لجنة الموازنة والشؤون المالية لدراسته وإبداء الرأي فيه تفصيلياً وترفع توصياتها بشأنه إلى المجلس، الذي يعقد جلسة خاصة لمناقشة مشروع قانون الموازنة العامة على ضوء تقرير اللجنة وتوصياتها فيقر المشروع بالتعديلات قبل بدء السنة المالية الجديدة أو يعيده إلى مجلس الوزراء في مدة أقصاها شهر من تاريخ تقديمها إليه مصحوباً بملاحظات المجلس التشريعي لإجراء التعديلات المطلوبة وإعادته إلى المجلس التشريعي خلال مدة أقصاها أسبوعان من تاريخ الإحالة لإقرارها.

وكان وزير الماليّة الفلسطينيّ شكري بشارة قد ناقش الموازنة العامّة في اجتماع مصغر مع (لجنة خاصة منبثقة عن المجلس التشريعي)، والمكوّنة من 15 نائباً من "مجموعة العمل الخاصة بالشأن الاقتصادي والمالي" على مدار 4 جلسات، كان آخرها في 6 كانون الثاني/يناير في مقرّ المجلس التشريعيّ بمدينة رام الله، إذ طرح النوّاب ملاحظات عدّة على الموازنة، في ظل عدم عقد المجلس التشريعي جلسات عامة بكامل اعضاءه.

وقال أحمد عطون: "لم تتمّ دعوتنا إلى المشاركة في نقاش الموازنة، وما جرى من نقاش غير كاف، لأنّ الإجراء القانونيّ يستوجب مناقشة تفاصيل الموازنة وبنودها تحت قبّة البرلمان الفلسطيني (المجلس التشريعي) بمشاركة جميع نوّاب المجلس التشريعيّ وليس فقط عدد قليل منهم وفق ما نص عليه القانون الفلسطيني".

أضاف: "المصادقة على الموازنة بهذه الطريقة تعطي انطباعاً بأنّ هناك استغناء عن السلطة التشريعيّة والرقابيّة. وبالتّالي، لا أحد سيحاسب وزراء الحكومة".

مناقشة شكليّة

وفي هذا الإطار، قال النائب أحمد أبو هولي، الّذي يرأس "مجموعة العمل الخاصّة بالشأن الإقتصاديّ والماليّ" في المجلس التشريعيّ لـ"المونيتور"، معلّلاً حضوره جلسة مناقشة الموازنة مع وزير الماليّة شكري بشارة: "نحن كنوّاب أمام خيارين، إمّا أن نلبّي دعوة وزير الماليّة لمناقشة الموازنة وإبداء ملاحظاتنا الماليّة والقانونيّة، وإمّا أن نجلس في بيوتنا بحجّة أنّ المجلس التشريعيّ معطّل".

أضاف: "لقد قدّمنا ملاحظاتنا حول الموازنة في 15 صفحة إلى وزير الماليّة ورؤساء الكتل البرلمانيّة في المجلس التشريعيّ لتقديمها إلى الرئيس عبّاس ورئيس الحكومة رامي الحمد الله، وهذا الحد الأدنى من عملنا، وأبرزها (الملاحظات) ألاّ تمسّ سياسة التقشّف الّتي قالت الحكومة انها ستطبقها من اجل تقليل النفقات الحكومية حقوق الموظّفين، وألاّ يتضرّر منها المواطن وقطاعات التّعليم والصحّة والشؤون الإجتماعيّة".

وعن عدم طرح الموازنة على المجلس التشريعيّ، قال: "في ظلّ تعطّل التشريعيّ منذ 8 سنوات هناك رزمة كبيرة من مشاريع القوانين والموازنات الّتي تقرّ في الضفّة وغزّة لم تحظ بمصادقة التشريعيّ، ومنها موازنة 2016 الّتي لن تكون الأولى والأخيرة. لذلك، نحن أمام خيارين، إمّا ممارسة الحدّ الأدنى من التّشريع والرقابة أو النوم في بيوتنا".

ومنذ الانقسام الفلسطيني تقر الحكومة في رام الله الموازنة العامة، ويصادق عليها الرئيس محمود عباس دون عرضها على المجلس التشريعي وهو امر كانت ترفضه حماس وتعتبره غير قانوني، لكن التعويل هذه المرة كان بعرض الموازنة على المجلس التشريعي في ظل وجود حكومة توافق وطني تم تشكيلها بموجب اتفاق (الشاطيء) بين حماس وفتح وبقية الفصائل.

من جهته، وصف النائب عن حركة "فتح" جمال الطيراوي في بيان بـ7 كانون الثاني/يناير جلسة مناقشة الموزانة بـ"الصوريّة"، وقال: "إنّ آراء ومقترحات النوّاب لا تعطى أيّ قيمة في إقرار ومناقشة الموازنة، وإنّ الإجتماعات الّتي تحدث في التشريعيّ لا تؤخذ على محمل الجدّ، والمشاركات فيها محدودة جدّاً".

انتقادات إقتصاديّة

وعلى المستوى الإقتصاديّ، حظيت الموازنة بجملة إنتقادات من خبراء ومؤسّسات، أبرزها ورقة موقف أصدرها "الفريق الأهليّ لدعم شفافيّة الموازنة" في 20 كانون الثاني/يناير، الّذي شكّله الإئتلاف من أجل النزاهة والمساءلة - "أمان"، ويضمّ 64 مؤسّسة أكاديميّة ومجتمعاً مدنيّاً وخبراء في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة منذ عام 2010، ومهمّته الإجتماع سنويّاً لمناقشة الموازنة العامّة في شكل مستقلّ.

وفي هذا المجال، قالت منسّقة "الفريق الأهليّ" هامة زيدان لـ"المونيتور": "إنّ الموازنة الحاليّة لم تتضمّن الأهداف الإقتصاديّة والإجتماعيّة الّتي تنوي السلطة تحقيقها كليّاً أو جزئيّاً، ولم توضح الإعتبارات الّتي حكمت أولويّات الإنفاق في الموازنة. كما افتقرت إلى جداول توضح الوضع الماليّ والنقديّ لحساب الخزينة العامّة، وديون السلطة (ما لها وعليها)، والخطط المقترحة لتحصيلها أو تسديدها، ومساهمات السلطة واستثماراتها في الهيئات والشركات المحليّة وغير المحليّة، وغياب البيانات التفصيليّة للموازنة المخصصة للمؤسسات والقطاعات المختلفة".

أضافت: "الموازنة تضمّنت تضخّماً للنّفقات في قطاعات على حساب قطاعات أخرى، فقطاع الحكم (الاجهزة الامنية يحظى على 28% من الموازنة) تفوق نفقاته 27.5 ضعف القطاع الإقتصاديّ (51.35 في المئة من إجماليّ الموازنة)". كما أنّ بند رواتب الموظفين الحكوميين ما زال يستحوذ على حصّة الأسد من الموازنة العامّة، إضافة إلى أنّ النّفقات التطويريّة تعاني من شحّ كبير، خصوصاً المتعلّقة بالقطاع الإجتماعيّ اّلذي يضم وزارات (التّربية والتّعليم، الصحّة، والشؤون الإجتماعيّة).

وحسب الموازنة العامّة لعام 2016 فإنّ نسبة العجز الإجماليّ فيها قبل التّمويل الأجنبيّ تبلغ 32.5 في المئة من إجماليّ قيمة الموازنة ( 1.032 ) مليار دولار أميركيّ، في حين أنّ التوقّعات للتّمويل الأجنبيّ تبلغ (995) مليون دولار، ممّا يعني أنّ الفجوة التمويليّة (النّفقات الّتي لا يوجد لها تمويل) لموازنة العام الجاري، ستبلغ 387 مليون دولار أميركيّ، ممّا جعل الحكومة تعلن نيّتها التقشّف وخفض النّفقات خلال العام الجاري.

من جهته، قال الخبير وأستاذ الإقتصاد في جامعة بيرزيت نصر عبد الكريم لـ"المونيتور": لا يوجد جديد في موازنة عام 2016 الّتي تهمّش الإنفاق على الجانب التنمويّ على حساب قطاعات أخرى كرواتب الموظفين الحكوميين والأمن، وهو الأمر الّذي لا يؤسّس لمسار تنمويّ حقيقيّ".

أضاف: "إنّ الفجوة التمويليّة ستبلغ نحو 390 مليون دولار لهذا العام، ممّا سيجعل الحكومة تؤخّر صرف مستحقّات القطاع الخاص الّذي يؤمّن التوريدات للحكومة أو الإقتراض المصرفيّ، ممّا يعني تراكم الدين العام".

واستبعد نصر عبد الكريم قدرة الحكومة على تقليل نفقاتها، قائلاً: "الموازنة مليئة بالنّفقات، والرئيس عباس وقّع عشرات الترقيات والتعيينات في النصف الثاني من شهر كانون اول، الّتي سوف تحتاج إلى ملايين الدولارات. في كلّ عام، تكون نفقات الحكومة أكبر من المتوقّع، وهذا سيتكرّر في هذه الموازنة".

وأشار إلى أنّ "الخلل في هيكل الموازنة بنيويّ منذ تأسيس السلطة، وأبرزه أنّ 70 في المئة من الإيرادات تأتي من ضريبة المقاصّة، وهذا يعني ارتهانها للسلوك والمزاج الإسرائيليّ، ويضع قدرة السلطة على دفع التزاماتها بقرار من إسرائيل".

وفي الختام، إنّ الموازنة الّتي صادق عليها محمود عبّاس وأقرّتها الحكومة، والّتي يغلب عليها الإنفاق، وسط غياب للنّفقات التطويريّة والتنمويّة، تبقي خشية المواطن الفلسطينيّ أن تلجأ الحكومة إلى فرض المزيد من الضرائب على جيوبهم لتقليل فجوة الموازنة التمويليّة.

More from Ahmad Melhem

Recommended Articles