تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا يشكّك العالم في موقف تركيا من "الدولة الإسلامية"

ثمة أسباب متزايدة تدعو إلى التشكيك في التزام تركيا بمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية".
505104582.jpg

هل تحارب تركيا فعلياً "الدولة الإسلامية"؟ أم أن الاتهام بأنها تدعم التنظيم صحيح؟ إذا طرحنا السؤال على الرئيس رجب طيب أردوغان، فسوف يأتي الجواب بأنه ليس هناك من دولة تحارب "داعش" بقدر ما تفعل تركيا.

بعد الهجوم الانتحاري الدموي في 12 كانون الثاني/يناير الجاري في منطقة سلطان أحمد في اسطنبول، سئل أردوغان عن مدى صدق تركيا في محاربة "داعش"، فأجاب غاضباً: "تركيا هي الهدف الأساسي لكل التنظيمات الإرهابية التي تعمل في المنطقة، لأننا نحاربها كلّها من دون تمييز. هل من بلد آخر في العالم غير تركيا يحارب تنظيم [داعش] الإرهابي كما نفعل نحن ويدفع ثمناً باهظاً لهذه الغاية؟"

وكذلك صرّح رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو أن تركيا متمسّكة بمعركتها ضد "داعش".

فقد قال بعد بضعة أيام من الهجوم في اسطنبول: "في غضون 48 ساعة تقريباً، هاجمنا [داعش] بنحو 500 جولة من القصف المدفعي. نقصف مواقع [داعش] ومخابئه بكل ما أوتينا من وسائل عند الحدود السورية وفي بعشيقة. لقي حوالي مئتَي مقاتل من [داعش] مصرعهم في الساعات الـ48 الأخيرة".

ثمة أسباب عدّة تقف خلف عدم ممارسة تصاريح من هذا النوع على لسانَي أردوغان وداود أوغلو وقعاً كبيراً، وعدم أخذها على محمل الجد في معظم الأحيان. السبب الأول هو دعم تركيا للتنظيمات التي تقاتل ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، والتي تضم أحياناً جهاديين من تنظيم "داعش".

تعرّضت تركيا للانتقادات على امتداد سنوات بسبب حدودها السائبة التي تتيح عبور المقاتلين والأسلحة من دون أية عوائق. عندما يشير أحدهم إلى أن الجهاديين يسيطرون على الحدود وأن تركيا تحوّلت باكستاناً أخرى، يكتفي المسؤولون الأتراك بالرد بأن هذه المزاعم مبالَغ فيها. عندما برزت "جبهة النصرة"، ومن ثم تنظيم "الدولة الإسلامية"، وتمكّنا من ترسيخ وجودهما، علّلت تركيا ذلك بالقول: "الأسد يموّل هذه التنظيمات. مصدرها هو النظام. إذا رحل النظام، فسوف تزول هذه المشكلة أيضاً". لكن عندما أدرجت الولايات المتحدة "جبهة النصرة" على قائمة الإرهاب في العام 2012، استمرّت تركيا في دعمها سراً.

بحلول العام 2014، كانت سياسة أنقرة بسيطة: إذا كان "داعش" يحارب ضد مجموعات المعارضة المدعومة من تركيا، فهو تنظيم "سيّئ"، لكنه أصبح تنظيماً جيّداً عندما قاتل ضد الأكراد الذين تصنّفهم أنقرة في خانة العدو. لقد استخدمت تركيا تنظيم "الدولة الإسلامية" أداةً لسحق الأكراد الذين كانوا قد أعلنوا الحكم الذاتي في روج آفا، أي منطقة غرب كردستان في شمال سوريا.

وظهرت مشكلة أخرى عندما سلّمت تركيا قنصليتها في مدينة الموصل في العراق إلى "داعش" في حزيران/يونيو 2014 ظناً منها أن التنظيم لن يمسّ الأتراك. إلا أن "داعش" احتجز موظّفي القنصلية رهائن لديه، وكان على تركيا أن تلجأ إلى المساومة من أجل دفع التنظيم إلى الإفراج عنهم.

ويُزعَم أيضاً أن تركيا قامت بتمويل تنظيم "الدولة الإسلامية". على الرغم من التحذيرات المستمرة من الولايات المتحدة، لم تحاول تركيا منع "داعش" من نقل النفط عبر حدودها، قبل آذار/مارس 2014. وعلى الرغم من اتخاذ بعض الإجراءات لقطع خطوط الأنابيب عبر نهر العاصي في محافظة هاتاي، استمرّت تجارة النفط عبر طرق التهريب التقليدية.

النفط الذي كان تنظيم "داعش" ينتجه في محافظتَي الحسكة ودير الزور في سوريا كان يتم تهريبه إلى تركيا عبر مزجه مع النفط الكردي الذي كانت حكومة إقليم كردستان تصدّره بطريقة قانونية إلى تركيا. لم يكن تدفّق هذا النفط تحت ستار النفط الكردي بالأمر الخفي على الجهات المعنيّة بمراقبة المنطقة، حتى قبل أن يعلن الروس عن الخبر وكأنه اكتشاف كبير. قالت مصادري العراقية والسورية: "تنقل صهاريج عربية النفط الذي ينتجه [داعش] عبر العراق إلى المحطات النفطية في زاخو ودهوك. هناك يُمزَج نفط [داعش] مع النفط الكردي. ثم تنقله صهاريج كردية إلى تركيا بطريقة قانونية على اعتبار أنه نفط كردي".

من العوامل الأخرى التي أثارت الشكوك حول مدى صدق تركيا في محاربة "الدولة الإسلامية" أن أنقرة لم تتحرّك ضد تنظيم "داعش" إلا تحت تأثير الضغوط الأميركية. ففي حين استمرّت أنقرة في المساومة مع الولايات المتحدة حول مفهوم مكافحة الإرهاب، أعلنت عن السماح باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية منطلقاً للعمليات الجوية التي تشنّها الولايات المتحدة والتحالف في سوريا – لتعود فجأةً وتحوّل تركيزها من "داعش" إلى "حزب العمال الكردستاني".

على الرغم من شن هجومَين بالمدفعية على تنظيم "الدولة الإسلامية" بعد تعرّض الجنود الأتراك لإطلاق نيران مرّتين في تموز/يوليو الماضي، حشدت تركيا قوتها العسكرية ضد "حزب العمال الكردستاني" بدلاً من "داعش". وعلى الصعيد السياسي، شنّت أنقرة حملة دعائية ساوت فيها بين "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي القومي المدعوم من الولايات المتحدة وجناحه العسكري من جهة، وتنظيم "الدولة الإسلامية" من جهة ثانية.

أعلنت أجهزة الأمن التركية أنها كانت تشتبه في الانتحاريّين قبل الهجمات في سروج وديار بكر وأنقرة، لكنها لم تكن تراقبهم عن كثب. وبدلاً من التركيز على دور "داعش" في الاعتداءات، عمدت الحكومة إلى تمييع القضية عبر القول بأن المسؤولين عن الهجمات ربما ينتمون إلى "حزب العمال الكردستاني" أو تنظيم "داعش" أو النظام السوري أو حزب "جبهة التحرير الثورية الشعبية". وفرضت أيضاً تعتيماً على الأخبار عن كل الهجمات في محاولة جديدة لجعل الناس ينسون الأمر.

كما أن الالتباسات التركية في المعركة القانونية ضد "داعش" تطرح تساؤلات. أثارت الأنباء عن اعتقال مقاتلين من تنظيم "داعش" ثم الإفراج عنهم، أو عن الاشتباه في الأشخاص الذين يخطّطون للهجمات الانتحارية من دون توقيفهم، شكوكاً بأن تركيا تلعب على الحبلَين. لقد صرّح داود أوغلو: "ثمة قائمة بأشخاص يمكن أن يشنّوا هجمات انتحارية في تركيا. ... إذا بادرنا إلى التحرك قبل أن يشنّوا الهجمات، فسوف نلقى اعتراضات". وقد رأى معظم المعلّقين في هذا الكلام إقراراً بوجود خلل أمني.

مباشرةً بعد التفجير في سلطان أحمد، اعتُقِل عشرات الأشخاص المتّهمين بالانتماء إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، في مختلف أنحاء البلاد.

يقودنا هذا بطبيعة الحال إلى السؤال: إذا كانت تركيا تملك معلومات استخبارية أمنية تتيح لها اعتقال هذا العدد الكبير من الأشخاص في ليلة واحدة، فلماذا لم تبادر إلى التحرك قبل التفجير؟ لم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت التقارير التي تحدّثت عن أن جهاز الاستخبارات الوطني كان قد حذّر الأجهزة الأمنية في 17 كانون الأول/ديسمبر الماضي و4 كانون الثاني/يناير الجاري من احتمال تعرّض المواقع السياحية والأجانب للاستهداف.

الدعوى الوحيدة أمام المحكمة ضد عمليات "داعش" في تركيا جاءت على خلفية الشكاوى التي تقدّمت بها عائلات الشباب الذين انضموا إلى التنظيم. فمن أصل 67 مشتبهاً به وردت أسماؤهم في اللائحة الاتهامية التي أحيلت إلى المحكمة، هناك 23 شخصاً ذُكِرت أسماؤهم بناءً على إخبار من عائلاتهم؛ وقد تم الإفراج عن 29 شخصاً.

تولّد هذه القضية وسواها من القضايا المشابهة انطباعاً بأن التحرّك القانوني ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" لا يؤخَذ على محمل الجد. لكن المسؤولين في الحكومة يردّون بأن هذه المزاعم غير صحيحة مشيرين إلى أنه في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2015، جرى اعتقال 1200 شخص للاشتباه بعلاقتهم بتنظيم "داعش"، وأن 350 منهم على الأقل أوقِفوا رهن التحقيق.

بيد أن معطيات أخرى لا تزال تثير علامات استفهام حول الموقف التركي من تنظيم "داعش" في العراق.

فعلى سبيل المثال، تُبقي تركيا التي تريد تأدية دور في مستقبل الموصل وتعزيز دور حلفائها السنّة هناك، على قواتها في بعشيقة على الرغم من الاحتجاجات من السلطات في بغداد.

وكذلك، أرجات تركيا إغلاق الشريط الحدودي الممتدّ على طول 98 كيلومتراً (61 ميلاً) الذي يشكّل نافذة "داعش" على العالم. يتساءل أفرقاء كثر، والحكومة العراقية واحدة منهم بالتأكيد، لماذا لا تطهّر تركيا حدودها من الإرهابيين إذا كانت صادقة في معركتها ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"؟ لم تبدأ تركيا سوى مؤخراً بتحصين هذا الشريط الحدودي عبر بناء جدران إسمنتية من أجل وضع حدّ لهذه الاتهامات.

تعارض تركيا بشدّة العمليات التي تشنّها "وحدات حماية الشعب" الكردية خشية أن تؤدّي إلى إقامة ممرّ كردي في جرابلس التي لا تزال خاضعة لسيطرة "الدولة الإسلامية".

في حين كثّفت تركيا عملياتها العسكرية ضد الأكراد في الداخل، خفّضت إلى حد كبير تحرّكاتها العسكرية على طول الحدود خوفاً من إقدام روسيا على تنفيذ عمل انتقامي بعدما أسقطت تركيا طائرة تابعة لها. ليست تركيا الآن في موقع يخوّلها تطبيق خطتها الخاصة، فما بالكم بالانضمام إلى جبهة مشتركة ضد "داعش".

نستشف الآن خياراً جديداً لتطبيق المخطط التركي يقضي بنشر قوات صديقة لتركيا في جرابلس، في حال إخراج "داعش" منها. ما هي تلك القوى؟ إنهما "جبهة النصرة" و"أحرار الشام" اللذان هما بمثابة "ابنَي العم" لتنظيم "داعش".

مما لا شك فيه أن هذين التنظيمين سيسبّبان الصداع لتركيا، تماماً كما فعل تنظيم "الدولة الإسلامية".

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial