تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأجواء السينمائيّة تعود من جديد إلى غزّة

يفتقر قطاع غزّة إلى دور السينما منذ اندلاع إنتفاضة الأقصى في عام 1987. لذا، يحاول الشباب هنا إعادة إحيائها بجهود فرديّة من خلال عرض أفلام دراميّة في قاعات تشبه أجواءها، وسط إقبال كبير من الجمهور.
gazacinema.jpg

مدينة غزّة، قطاع غزّة - أضواء خافتة وأصوات هامسة، وعيون شاخصة تترقّب ما سيحدث مع بطل فيلم "معطف كبير الحجم"، الّذي عرض في نهاية شهر ديسمبر الماضي داخل قاعة الهلال الأحمر الفلسطينيّ في غزّة. واستطاع الغزيّون مشاهدته بأجواء سينمائيّة ممتعة افتقدتها المدينة منذ عقود، إذ كانت تعدّ من أهمّ ملامحها قبل اندلاع إنتفاضة الأقصى في عام 1987 وتعطيل دور السينما الّتي استقرّت في مراكز شوارعها دهوراً من الزمن ويقدر عددها بست دور عرض، لأسباب متعلقة بإلانشغال بالمقاومة إضافة لمعارضة بعض المتعصبين لمحتوى الأفلام التي كانت تُعرض انذاك واعتبارها خادشة للحياء العام. وعن العرض الأوّل لفيلم يحاكي أجواء السينما، أوضح مدير شركة "عين ميديا" المنظّمة للعرض وهي شركة مختصة بتقديم خدمات إعلامية مصعب الهندي :"أنّ المبادرة جاءت من مخرج الفيلم نورس أبو صالح، الّذي تواصل مع أحد العاملين في الشركة، عارضاً رغبته في عرض الفيلم، مرّة ثانية، في أجواء خاصّة تعيد روح السينما إلى غزّة، إذ أنّ الفيلم عرض للمرّة الأولى في الخامس عشر من شهر ديسبمبر الماضي في الذكرى الثامنة والعشرين لإنتفاضة الأقصى، داخل قاعة المؤتمرات في الجامعة الإسلاميّة بغزّة، ولم يتمكّن الكثيرون من مشاهدته لأن إعلان عرض الفيلم كان داخليا لطلبة الجامعة وطالبوا بإعادة عرضه".

وقال مصعب الهندي في حديثه لـ"الموينتور":"حاولنا خلق أجواء سينمائيّة بالإضاءة الخافتة، والقاعة المدرجة التي تشابه إلى حد ما دور السينما ، وشراء التذاكر مقابل حضور هذا النوع من الفن، إذ تمّ تحديد سعر التّذكرة 2.5$ لتغطية إيجار القاعة، وإعطاء مكافأة ماديّة بسيطة للمنظّمين وبائعي التّذاكر".

وأشار إلى أنّ "افتقار أهل غزّة إلى دور السينما جعلهم متعطّشون لأيّ محاولة لعرض فيلم بأجواء مشابهة".

وعن المعيقات الّتي واجهت الشركة في عرض الفيلم، لفت الهندي إلى أنّهم لم يواجهوا أيّ مشكلة، إذ تمّ إختيار القاعة، ثمّ الإعلان وتجهيز التّذاكر، مشيراً إلى أنّ القاعة لم تتّسع للحضور، ممّا اضطرّهم إلى جلب المزيد من المقاعد، إلاّ أنّ عدداً منهم بقي واقفاً.

وعن سعر التّذكرة في ظلّ الحصار الإسرائيليّ والأزمة الماليّة الّتي يواجهها موظّفو حكومة غزّة، أشار لـ"المونيتور" إلى أنّهم في صدد التوجّه إلى إدارة الهلال الأحمر الفلسطينيّ لخفض سعر القاعة إذ تم استئجارها بمبلغ 354$، مؤكّداً أنّه في حال الإستجابة لطلبهم سيتمّ خفض سعر التّذكرة في العروض السيمنائية التالية، إذ أنّ هدفهم الأساسيّ نشر الأفلام الفلسطينيّة الدراميّة الوطنيّة ودعمها، وليس العائد الماديّ، وقال: "إذا جاء شخص وأخبرنا بأنّه لا يملك حقّ التّذكرة، سندخله مجّاناً".

وعن سبب إختيار قاعة الهلال الأحمر الفلسطينيّ، قال الهندي: "القاعات الّتي تصلح لأن تقام فيها عروض سينمائيّة قليلة جدّاً في غزّة، وتمّ اختيار القاعة وفقاً لحجمها إذ تتسع لمائتي شخص، إلى جانب إمكانية استئجارها إذ يسمح الهلال الأحمر بإقامة فعاليات وأنشطة المؤسسات والأشخاص بها مقابل أجر مادي، إضافة لتجهيزاتها اللوجسيتة الملائمة للعرض ".

إنّ نجاح العرض الأوّل للفيلم دفع بـ"عين ميديا" إلى إعادة عرضه وإطلاق برنامج "سينما غزّة"، الّذي يتمّ من خلاله عرض فيلم دراميّ فلسطينيّ يوم السبت من كلّ أسبوع، في قاعة الهلال الأحمر ،على أن يتمّ الإعلان عن الفيلم المقبل في منتصف الأسبوع بشكل دوريّ.

وعن خطّة الشركة المستقبليّة، أوضح الهندي أنّهم سيتواصلون مع وزارة الثقافة لدعم برنامج سينما غزة، إلى جانب إجراء تعديلات على قاعة الهلال الأحمر لتحاكي أجواء السينما الحقيقيّة، والتّواصل مع عدد من المخرجين الفلسطينيّين لجلب المزيد من الأفلام الوطنيّة وإضافتها إلى قائمة سينما غزّة، لافتاً إلى أنّ البرنامج سيتسمرّ طالما لقي إقبالاً عليه.

وعن فيلم "معطف كبير الحجم"، أوضح مخرجه نورس أبو صالح، وهو فلسطينيّ الأصل ومقيم في الأردن، أنّه فيلم دراميّ يتحدّث عن الواقع الفلسطينيّ خلال الفترة الزمنيّة الممتدّة بين عامي 1987-2011، إذ لم يتمّ تناول تلك الحقبة في الدراما، رغم أهميّتها بما حملته من أحداث أوصلت القضيّة الفلسطينيّة إلى ما هي عليه، مشيراً إلى أنّه قام بإطلاق مبادرة المئة السينمائيّة لجمع تبرّعات من مئة شخص لتغطية نفقات إنتاج الفيلم.

وعن أسباب عرضه للفيلم، قال: "أردت الوصول إلى أكبر عدد مِن الجمهور الفلسطينيّ، خصوصاً أنّ غزّة بعيدة عن أجواء السينما".

ويواجه الفنّ السينمائيّ الفلسطينيّ بشكل عام معيقات عدّة تتعلّق بالتّمويل وصعوبة الإنتاج وقلّة الإهتمام بمثل هذه النوعيّة من الأفلام، إذ تنصب الإهتمامات والأولويّات على أمور أخرى بعيدة تماماً عن السينما، وذلك تبعاً للوضع السياسيّ الفلسطينيّ.

واعتبر أبو صالح أن "واقع العمل السينمائيّ الفلسطينيّ لا يزال ناشئاً، على الرغم من وجود دور سينما في غزة قبل الانتفاضة ولكنها كانت تقتصر على عرض الأفلام مصرية إذ لم يكن هناك وجود للأفلام الفلسطينية، إضافة إلى أنه يفتقر إلى استراتيجيّة موحدة تتبنّاه، وتدعمه في مساره الصحيح لنصرة القضيّة الفلسطينيّة عالميّاً كونه فن محبب لشريحة كبيرة من الجمهور، وقادر على إيصال الرسالة بسهولة للمشاهدين ".

وعن رأي الجمهور في حاجة غزّة إلى دور سينما تلبّي رغباته، قالت الصحفية خلود نصّار (25 عاماً) والتي حضرت فيلم معطف كبير الحجم في قاعة الهلال الأحمر : "إنّ أهل غزّة متعطّشون لوجود سينما حقيقيّة محايدة تحمل همّ القضيّة الفلسطينيّة وحلمها، وتكون ملجأ لهم بعيداً عن الخلافات السياسيّة القائمة".

أضافت: "ليس عدلاً أن تبقى دور السينما في غزّة مغلقة حتّى هذا الوقت، وليس مبرّراً سوء الأوضاع الإقتصاديّة والحصار الواقع على قطاع غزّة".

وتابعت: "رغم تحفّظي على بعض المشاهد في الفيلم، إلاّ أنّي أعتبره نقطة جديدة تضاف إلى تاريخ السينما الفلسطينيّة".

من جهته، أكّد المدير العام للفنون والتراث في وزارة الثقافة عاطف عسقول دور السينما في المجتمع من ناحية تخفيف الضغط الّذي يتعرّض له المواطن الغزيّ، في ظلّ توالي الأزمات على القطاع، مشيراً إلى إنجازات قامت بها الوزارة لدعم الأفلام السينمائيّة، وأعطى مثالاً فيلم عماد عقل لمحمود الزهّار، الّذي كان نقلة نوعيّة في مجال الأفلام الدراميّة الفلسطينيّة على النطاق المحلي في القطاع، إلى جانب إطلاق مهرجان "فلسطين الدوليّ السينمائيّ للأطفال" في عام 2013.

ونفى أن يعود السبب في عدم وجود سينما في غزّة إلى الإتّجاه الإسلاميّ لحكومة "حماس" ، وقال:" إنّهم لا يرفضون أيّ مبادرة لإعادة تفعيل دور السينما".

ولفت إلى أنّهم يلجأون إلى الشراكة مع الجهات المعنيّة الداعمة والمهتمة بمجال الأفلام السينمائية والانشطة الثقافية لنقص الإمكانات الماديّة لدى الوزارة، مشيراً إلى أنّ السينما في الأساس تعدّ قطاعاً خاصّاً، ولكن إيمان الوزارة بأهمية وجود السينما في غزة من النواحي الثقافية والإجتماعية، يجعلها تسعى لإعادة تفعيلها.

وعن توجّه الوزارة الحاليّ، قال عسقول: "تمّ الإتّفاق مع مجموعة من الشباب المبادرين على إقامة ورشة عمل موسّعة لمناقشة سبل النّهوض بالسينما في غزّة ".

وأشار إلى أنّهم تواصلوا مع المركز الإيطاليّ للتبادل الثقافيّ، واتّفقوا على فكرة أسبوع السينما الإيطاليّ الفلسطينيّ، إذ سيتم عرض أفلام سينمائيّة موحّدة في غزّة وإيطاليا، سيعلن عنه في وقت قريب، إلى جانب استعداد المركز مبدئياً على تحمّل نفقات ترميم دور السينما في غزّة في الفترة القادمة.