تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الرّاية السّوداء تحجب الدّيمقراطيّة في إسرائيل

يتخلّى الإسرائيليّون عن ديمقراطيّتهم عبر صمتهم وأفعالهم.
An Israeli right-wing activist holds a black flag with the Hebrew words for "High Court" during a rally to protest a recent court decision ordering Israel to release thousands of African migrants from detention, in Tel Aviv October 5, 2014. Israel's high court last month outlawed a detention centre where African migrants are held without trial and ordered some 2,000 inmates there released over the next three months. REUTERS/Finbarr O'Reilly (ISRAEL - Tags: POLITICS SOCIETY RELIGION CIVIL UNREST) - RTR490U7

يصادف هذا العام الذكرى الستّين للمذبحة التي ارتكبها جنود جيش الدّفاع الإسرائيلي بحقّ قرية كفر قاسم العربيّة، والتي قُتِل في خلالها 49 شخصًا من سكّان القرية من بينهم نساء وأطفال، كانوا في طريقهم من الحقول إلى منازلهم. وقد كان ذلك قبل بدء الحملة العسكريّة على سيناء في العام 1956، عندما فرضت إسرائيل حظر تجوّل على القرى العربيّة يومها؛ وكان القرويّون عائدين من الحقول بعد نصف ساعة من القرار، غير دارين بحظر التجوّل.

وإنّ رئيس المحكمة المركزيّة القاضي بنيامين هاليفي، في حكمه الشّهير بشأن المذبحة، اتّخذ قرارًا بأنّ الأمر بإطلاق النّار على القرويّين كان "غير مشروع بشكل واضح". وأفاد بأنّ "علامة اللاشرعيّة الواضحة هي أنّها يجب أن ترفرف كالرّاية السّوداء فوق الأمر المعطى، كتحذير يقول: محظور!" وكتب هاليفي أيضًا أنّ "اللاشرعيّة التي تؤثّر بالعين وتنفر القلب، ما لم تكن العين عمياء والقلب متحجّرًا أم فاسدًا، هذا مقياس اللاشرعيّة الواضحة اللازم لتجاوز واجب الجندي بإطاعة الأوامر ولفرض عليه مسؤوليّة جنائيّة على أفعاله". ونشير إلى أنّه حُكِمَ على أحد عشر ضابطًا وجنديًا بالسّجن لفترات تتراوح بين 3 و14 عامًا، لكنّها خُفِّضَت في النهاية بموجب أحكام مخفّفة وتطبيق الرّأفة.

عندما جرى تأسيس دولة إسرائيل، فُرِضَت إدارة عسكريّة على المناطق التي يسكنها الفلسطينيّون. وإنّ الحكم العسكري، الذي كان تمييزيًا وظالمًا، ألغي في العام 1966. لكن بعدها بعام واحد، في العام 1967، فرضت إسرائيل حكمًا عسكريًا تمييزيًا وظالمًا على الضفة الغربيّة وقطاع غزّة بعد الاستيلاء عليهما في شهر حزيران/يونيو من ذلك العام. وهذه الأيّام، ترفرف الرّاية السّوداء مرّة جديدة في رياح الشّر التي تعصف بإسرائيل: وزير الأمن الداخلي جلعاد اردان، وهو أيضًا عضو في مجلس وزراء الأمن الدّبلوماسي، أعلن في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر أنّ "كلّ إرهابي يجب أن يعرف أنّه لن يبقى على قيد الحياة بعد الهجوم الذي ينوي أن ينفّذه". وأعلن في الأسبوع عينه يائير لبيد، رئيس الحزب السّياسي "هناك مستقبل"، أنّ "أيّ شخص يشهر سكّينًا أو مفكًا - [بموجب التّعليمات] يجب إطلاق النار عليه بهدف قتله". أمّا نائب مفوّض الشّرطة الإسرائيليّة موشيه ادري، الذي كان حتّى وقت قريب قائد شرطة منطقة القدس، فكان حتّى أكثر تأكيدًا على الأمر قائلاً، "كلّ من يطعن اليهود أو يؤذي الأبرياء هو في حكم الميت". وفي أغلب الأحيان، تقوم قوات الأمن بإطلاق النار وقتل المعتدين المصابين أو من يُشتبَه بتخطيطهم لصدم أشخاص، وحتّى المارّين السّيّئي الحظّ.

وتجدر الإشارة إلى أنّ اسم وزيرة خارجيّة إحدى الدّول الأوروبيّة أضيف إلى القائمة السّوداء الخاصّة بوزارة الخارجيّة الإسرائيليّة بعد أن تجرّأت على المطالبة بأن تحقّق إسرائيل في عمليات إطلاق النار الفتاكة هذه التي ينفذّها رجال الأمن. وقام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يشغل أيضًا منصب وزير الخارجيّة، بوصف هذا الطّلب الذي تقدّمت به وزيرة الخارجيّة السّويديّة مارغوت فالستروم بـ"غير المنطقي والغبي"، وعندما سئل ما إذا كانت المواطنة السّويديّة تحرّكها دوافع مرتبطة بمعاداة السامية، رفض الردّ بدلاً من صرف هذا الافتراض. والجدير بالذّكر هو أنّه في هذه الأيّام، يحتفظ الدّبلوماسيّون الإسرائيليّون بقلقهم المتزايد من تدهور مركز إسرائيل الدّولي للحوارات الخاصّة؛ ويتكلّمون بصراحة فقط عندما يتلقّون الإهانات شخصيًا. استعرضت نقابة عمّال وزارة الخارجيّة عضلاتها أمام وزير التّربية والتّعليم نفتالي بينيت عندما تجرّأ هذا الأخير وافترى على موظّفي الوزارة بسبب تأييد المدير العام السابق للوزارة، ألون ليئيل، للضّغط الأوروبي على إسرائيل من أجل إنهاء الاحتلال.

في غضون ذلك، لم يهبّ أحد من زملاء ليئيل السّابقين في وزارة الخارجيّة للدّفاع عنه، فهم منشغلون للغاية في محاولة تبرير المقارنة الحمقاء التي رسمها بينيت هذا الشّهر بين القتلة المزعومين اليمينيّين المتطرّفين الذين حرقوا عائلة دوابشة الفلسطينيّة في قرية دوما، ومنظّمتي حقوق الإنسان "كسر الصّمت" و"بتسيلم". فقد قال بينيت، "نرى بالضّبط الدّيناميّة عينها [كتلك التي حفّزت قتلة دوما] إلى اليسار المتطرّف؛ لقد يئسوا"، زاعمًا أنّهم يتصرّفون بالتالي بطرق تخرّب إسرائيل.

عندما صرف بينيت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر نائبة رئيس مجلس التّعليم العالي، حاجيت ميسر-يارون، التي كانت قد وضعت خطّة إصلاح لتوسيع نطاق الحرّيّات الأكاديميّة، صوّت أعضاء المجلس بالإجماع ليحلّ محلّها محاضر ليس أستاذًا لكن يتحرّك في دوائر وزير التّربية والتّعليم. فهم يحافظون على طاقتهم للمعارك المتعلّقة بأجورهم. في غضون ذلك، قرّرت الدّولة محاكمة فنّانة شابّة، هي ناتالي كوهين فاكسبيرغ، لتغوّطها على العلم الإسرائيلي. وأيضًا لم يبد زملاؤها الفنّانون أيّ ردّات فعل، فلا بدّ لعروضهم من أن تستمرّ. فالممثّلون في مسرح الكامري منشغلون للغاية بتمارين "مفيستو" لكلاوس مان، وهو عمل حول تطوّر الفساد الأخلاقي.

في الفيلم الوثائقي "حرّاس البوّابة"، لم يتردّد أبراهام شالوم، الرّئيس السّابق لجهاز الشاباك، في رسم خطّ مباشر بين الأعمال المروّعة للرايخ الثّالث والآثار الفاشيّة للاحتلال على إسرائيل. وقال شالوم إنّ "المستقبل أسود. هذا يغيّر طبيعة الشّعب. لأنّكم تضعون معظم شبابنا في الجيش، ويرون أمورًا متناقضة: من جهة يريدون أن يكونوا جيش الشّعب، ومن جهة أخرى، جيش احتلال عنيف يشبه الجيش الألماني في الحرب العالميّة الثّانية".

يشير الفيلم أيضًا إلى مقال "الأراضي" الذي كتبه يشعياهو ليبوفيتش في العام 1968، وقال فيه إنّ "الدّولة التي تحكم شعبًا عدائيًا من مليون ونصف إلى مليوني أجنبي ستتحوّل بالضّرورة إلى دولة بوليسيّة، مع كلّ ما يترتّب على ذلك من تبعات على التّعليم، وحريّة التّعبير والمؤسّسات الدّيمقراطيّة. وإنّ خاصيّة الفساد التي تطبع كلّ نظام استعماري ستسود أيضًا في دولة إسرائيل. فالحكومة ستقمع التمرّد العربي من جهة وتكتسب متعاونين معها من العرب [عملاء أو خونة] من جهة أخرى". أمّا يوفال ديسكين، رئيس جهاز الشاباك من العام 2005 حتّى 2011، فردّ بشكل مقتضب على ملاحظات ليبوفيتش قائلاً: "أنا موافق على كلّ كلمة".

شالوم، ديسكين و"حرّاس البوابة" الأربعة الآخرون الذين أجريت معهم مقابلات للفيلم – كعشرات الضّبّاط، ورؤساء الموساد السّابقين والدّبلوماسيّين الذين انضمّوا إلى منظّمات السّلام وحقوق الإنسان – لم يفهموا الحقيقة إلّا بعد مغادرة مناصبهم. لسنوات طويلة، برّروا تعاونهم مع الاحتلال المشؤوم بأمل التّأثير من داخل النّظام. كلّ من يرتدي الزيّ الرّسمي في النظام الدّيمقراطي مجبر على إطاعة أوامر القيادة السّياسيّة، ويوكَل إلى موظّفي الخدمة المدنيّة مهمّة تطبيق سياسة الحكومة المنتخبة، لكنّ الفاشيّة والحملات ضدّ المعارضين ليست إلا نظامًا ديمقراطيًا حجبته راية سوداء. وأي كان الذي يتعاون معه، سواء أكان بالتصرّف أم بالتزام الصّمت، ينفّذ أمرًا من الواضح أنّه غير قانوني.

More from Akiva Eldar

Recommended Articles